لندن – “القدس العربي”:رسم الفرنسي زين الدين زيدان البسمة على شفاه رئيس ريال مدريد فلورنتينو بيريز وعشاق النادي في كل بقاع الأرض، بقيادة الميرينغي للتتويج بلقب الدوري الإسباني للمرة الـ34 في تاريخه، وذلك بعد الفوز الثمين، الذي تحقق مساء الخميس على حساب فياريال بنتيجة 2-1، في قمة مواجهات الجولة قبل الأخيرة، التي شهدت في التوقيت ذاته، هزيمة برشلونة على يد ضيفه أوساسونا بنفس النتيجة.
الإجابة زيدان
على طريقة العبارة الشهيرة “الإجابة تونس”، يُمكن القول إن زيدان كان كلمة السر في عودة الاستقرار إلى النادي بوجه عام وغرفة خلع الملابس بالأخص، بعد موسم مأساوي بأتم معنى الكلمة، قضاه عشاق النادي في التحسر على أيام أسطورة كل العصور كريستيانو رونالدو، لدرجة أن البعض، اعتقد أن نادي القرن الماضي، لن تقوم له قائمة لسنوات قادمة، لصعوبة العثور على مُخلص أو خليفة حقيقي لصاروخ ماديرا بإمكانه كسر عتبة الـ50 هدف كل موسم. وما عزز هذا الاعتقاد، الصورة المخيبة للآمال التي بدا عليها الفريق، باستثناء الصحوة المؤقتة مع المدرب السابق سانتياغو سولاري في بداية فترته المؤقتة بعد الفشل الذريع للمدرب الإسباني جولين لوبيتيغي، وكأن جيل “لا ديسما” أفلس كرويا أو تشبع بالكم الهائل مع زيزو في ولايته الأولى، لكن الأغلبية اتفقت على أن سيرخيو راموس وكريم بنزيما ولوكا مودريتش ومارسيلو وإيسكو وباقي الحرس القديم أصيبوا بالشيخوخة ولن يحققوا أي شيء بدون كريستيانو العجيب. ولم تتغير تلك النظرة التشاؤمية حتى بعد عودة زيدان في ولايته الثانية، ومن ينسى ما عُرف في مثل هذه الأيام العام الماضي بفضيحة يوليو/ تموز، عندما قضى زيزو أسوأ وأصعب ليلة في حياته، بعد السقوط الكارثي أمام أتلتيكو مدريد بنتيجة 7-3 في كأس الأبطال الدولية الودية، ولك أن تتخيل أنه فقد في نفس المباراة خدمات الجوهرة ماركو أسينسيو، بعد إصابته بقطع في الرباط الصليبي، وتبعه فيرلاند ميندي وإيدين هازارد ومارسيلو وآخرون أصيبوا بشكل جماعي منذ بداية الموسم وحتى هدية السماء إلى الأرض، بتوقف النشاط لأكثر من ثلاثة شهور، ضمن الإجراءات الاحترازية لوقف تفشي العدو الخفي كوفيد-19. صحيح في يناير/ كانون الثاني، عاد الفريق إلى مناص التتويج للمرة الأولى منذ عام 2018، بالحصول على الكأس السوبر الإسبانية، لكن قبلها وبعدها، لم يسلم زيدان من الشكوك حول مستقبله مع النادي، بتوقعات بانفصال وشيك بين المدرب المحبوب من قبل الجماهير والريال، بلغت ذروتها بعد أسبوع الانتكاسة المزدوجة، بالسقوط أمام مانشستر سيتي بنتيجة 1-2 في قلب “سانتياغو بيرنابيو” في ذهاب ثمن نهائي دوري الأبطال، ثم التفريط بسهولة في صدارة الليغا، بالخسارة أمام ريال بيتيس بعد أيام تعد على الأصابع من الفوز على برشلونة بهدفين نظيفين في كلاسيكو الجولة الـ26 لليغا.
لقد عاد
لا شك أبدا أن زيدان كان محظوظا أكثر من مرة، للنجاة من مقصلة الإقالة، كما حدث مثلا مع إيرنستو فالفيردي، الذي طُرد من برشلونة وهو في وضعية لا تختلف كثيرا عن زيدان، الفارق الوحيد، أن الأخير كان أكثر توفيقا في الكأس السوبر الإسبانية، لكن يُحسب للمدرب الفرنسي أنه أدار الأمور كما خطط لها في فترة مراجعة النفس في حظر كورونا، ولنُدرك مدى تأثير وبصمة زيزو بعد كورونا، أنه حقق انتصاراته العشرة تقريبا بنفس القوام الرئيسي، الذي كان مهلهلا طيلة الموسم الماضي، وختمه في المركز الثالث خلف البطل برشلونة بـ19 نقطة، والأخطر من ذلك، أنه استقبل 46 هدفا، الاستثناء الوحيد كان فيرلاند ميندي، لعدم تأثير هازارد في المباريات الأخيرة، أما هذا الموسم، فتحول إلى أقوى دفاع في أوروبا، باستقبال 23 هدفا في 37 مباراة، وهو رقم لم يتحقق منذ عقود، ولم يعهدها جيل الألفية الجديدة، وبشهادة لويس سواريز وليونيل ميسي، هذا لم يتحقق لا بمساعدة الحكام ولا بتأثير من تقنية الفيديو. وبالنظر إلى أسباب ثورة الملكي بعد كورونا، سنجد أنها حصيلة المنظومة الجماعية التي فرضها المدرب، بمساعدة من رجاله المخلصين، الذين تفانوا في تضحياتهم لجمع ثلاث نقاط كل 48 ساعة، في مقدمتهم القائد سيرخيو راموس، الذي ساهمت أهدافه الخمسة في تغيير مسار البطولة، بخلاف قيامه بدوره الرئيسي كقائد للدفاع عن أكمل وجه، على غرار ما فعله أمام غرناطة، بمنع كرة المنافس من على خط المرمى في الدقائق الأخيرة، ومثله تيبو كورتوا، الذي أفحم المشككين في قدراته، بعروض أقل ما يُقال عنها “هوليوودية”، ظهرت في تصدياته الخيالية، التي كانت آخرها الفرصة الكابوس التي منعها بدعم من راموس 3 مرات من على خط المرمى في الوقت المحتسب بدل من الضائع في معركة الحسم أمام غواصات فياريال، كأفضل مشهد ختامي لتخليص تلاحم المجموعة وأسباب صلابة الدفاع المدريدي بعد استئناف النشاط، بحفاظه على شباكه نظيفة في ست من آخر ثماني مباريات.
ونفس الأمر ينطبق على لوكا مودريتش وكريم بنزيما ومارسيلو وتوني كروس، كان واضحا أن المدرب نجح في اعادة روحهم القتالية المعهودة بعد عام التشبع الكروي، ولأنه أحيانا تكون “رب ضارة نافعة”، ساهم الغياب الجماهيري بعد كورونا بسبب أو آخر في رفع الضغوط عن اللاعبين الكبار وكذلك الشباب، بدليل أن الفريق كان يُعاني الأمرين في كثير من مبارياته المهمة على ملعبه، كما ودع كأس الملك بخسارته أمام ريال سوسييداد بنتيجة 4-3، بعدما كانت النتيجة 4-1 حتى الدقائق الأخيرة، وبعدها تعثر أمام سيلتا فيغو في الجولة الـ26، ثم الضربة الأخيرة جاءت من مانشستر سيتي. بينما في مرحلة ما بعد كورونا، لاحظنا أن الفريق لعب بلا قيود أو ضغوط، وهذا صب في مصلحة أسماء معينة مثل فينيسيوس جونيور وميندي وآخرين، لعبوا بأريحية واسترخاء، كانت واضحة في الابتسامة على الوجوه بعد كل هدف، عكس الوضع قبل الجائحة، كان لاعب مثل فينيسيوس يجهش في البكاء بعد هز الشباك. ومن الأسباب الأخرى التي ساهمت في حصول زيدان على لقبه الحادي عشر في مسيرته التدريبية مع الريال، ذكاؤه في الاستفادة من قوة مقاعد البدلاء، بمنح الفرص لأكبر عدد ممكن من اللاعبين في كل المراكز، رغم أنه لم يستخدم حقه في إجراء 5 تغييرات في مبارياته الأولى، ليجني الثمار سريعا، بالتقارب الكبير في مستوى الأساسيين والبدلاء، كما كان يظهر في تأثير البدلاء، وخصوصا ماركو أسينسيو، الذي أعطى إضافة لا تقدر بثمن بعد تعافيه من الإصابة، كأن بيريز أهدى زيدان صفقة من الطراز العالمي في الربع الأخير المضغوط من الموسم، ولا ننسى دور المدرب في تجاوز الأزمات والمشاكل، بوضع مصلحة الجماعة والنادي فوق الجميع، على طريقة النظرية الأمريكية الشهيرة “الالتفاف حول العلم”، منها على سبيل المثال، عدم التوقف عند صراع المنبوذ غاريث بيل مع الجماهير، ولا الأزمة المثارة حول خاميس رودريغيز، بل في كل مرة، كان يُظهر للرأي العام أن الأمور تسير على ما يرام، رغم أنه لم يستعن بهما في المباريات الأخيرة، ومشاكل أخرى فردية لم يكترث لها، لأجل تحقيق هدفه، وهو الفوز بالمباريات التي كان يصفها بالنهائيات، وفي الأخير جرت الأمور كما خطط لها وربما أفضل، بتحقيق العلامة الكاملة في 10 مباريات، في الوقت أضاع فيه المنافس تسع نقاط في نفس عدد الجولات، آخرها صدمة أوساسونا، التي قال عنها البرغوث: “لخصت أوضاع برشلونة هذا الموسم”.
الانهيار الكتالوني
كانت جُل المؤشرات لا تبشر بنهاية سعيدة لبرشلونة، على عكس جرعة التفاؤل الكبيرة في بداية الموسم، عندما تعاقد النادي مع أنطوان غريزمان وفرينكي دي يونغ، لتحسين جودة مشروع فالفيردي، لكن مع الوقت، واجه المدرب الباسكي صعوبة بالغة في توظيف الثنائي بشكل صحيح داخل الملعب، أقرب ما يكون لما حدث مع فيليب كوتينيو وعثمان ديمبيلي، حتى بعد تعديل خطته من 4-4-2 إلى 4-3-3 لإيجاد مكان للأنيق في الثلث الأخير من الملعب، ورغم ذلك، كان المدير يسير الموسم بشكل مقبول على الأقل من حيث النتائج، بفضل هدايا ميسي، لكن بمجرد أن أقالته الإدارة بعد الهزيمة أمام أتلتيكو مدريد في نصف نهائي الكأس السوبر المحلية بنظامها الرباعي الجديد، بدأت تظهر التصدعات، بانفجار سلسلة من الأزمات المستمرة حتى وقتنا الحالي، بدأت بالتراشق بين المدير الرياضي إيريك أبيدال والقائد ميسي، لغضب الأخير من تدخل مديره في الشؤون الفنية، وفي نفس الأثناء، لمح البرغوث الى عدم اقتناعه بفكر ومشروع كيكي سيتيين على المدى القريب، حين استبعد فوز الفريق بدوري أبطال أوروبا، إذا لم يصحح من أوضاعه، هذا في الوقت الذي خسر فيه الرئيس جوزيب ماريا بارتوميو شعبية كبيرة داخل غرفة خلع الملابس، بعد تسريبات التحالف مع إحدى الشركات الافتراضية لتوجيه الرأي العام ضد ليو وكبار النجوم، بإظهارهم على أنهم عصابة تتحكم في النادي، وما زاد الطين بلة، صدام اللاعبين مع المدرب ومساعده سارابيا، بطريقة عكست عدم توافق الطرفين، كما أظهر ميسي وبيكي أكثر من مرة، بتجاهل النظر أو حتى الاستماع لتعليمات المدرب ومساعده، هذا بجانب الإفراط في الاعتماد على عبقرية وإبداع ميسي بدون حلول أخرى لا فردية ولا جماعية، والدليل على ذلك أنه ساهم بمفرده بـ50% من أهداف الفريق، على عكس الريال، الذي طغى عليه الطابع الهجومي، بوصول 21 من لاعبيه لشباك المنافسين، كأكثر فريق في أوروبا لديه لاعبون سجلوا أهدافاً هذا الموسم. ويُعاب أيضا على كيكي سيتيين، عدم تركيزه على فريقه وانشغاله دوما بالمنافس ونتائجه، كما وضح من خلال سلسلة تصريحاته عن انتظار سقوط ريال مدريد، بينما زيدان، كان يتحدث بعقلانية، أو كما أشرنا أعلاه، كان يصف المباريات بالنهائيات من دون التركيز على نتائج الخصم، وهذا يعكس فارق الدهاء والخبرة بين زيدان المعتاد على تحمل الضغوط مع ناد كبير مثل ريال مدريد وبين سيتيين، الذي لم يسبق له العمل مع كيان بحجم برشلونة، فيما يعتبره كثير من النقاد ومشجعي النادي “مقامرة” من الإدارة، استكمالا للتخبط وغياب الرؤية حول مشروع العقد الجديد، بعد تفريغ مقاعد البدلاء بإعارة توديبو وكارليس بيريز وآلينيا ومؤخرا بيع آرثور في الصفقة التبادلية مع بيانيتش، على النقيض من مقاعد بدلاء الميرينغي التي كانت كلمة السر في المباريات الأخيرة، فضلا عن فشل بارتوميو في شراء صفقات قادرة على تقديم إضافة حقيقية، كما فعلت الإدارات السابقة التي تعاقبت على النادي منذ منتصف العقد الأول في الألفية الجديدة، فكانت الضريبة إحباط المشجعين بأسوأ نسخة للفريق ربما في العصر الحديث، بتوقف مصيره إما على لمحة إبداعية من ليو أو تصدي استثنائي من تير شتيغن، بعدما كان يُضرب به المثل في “التيكي تاكا”، ولهذه الأسباب فشل برشلونة في الاحتفاظ بلقب الليغا للمرة الثالثة على التوالي.
التحدي المقبل
بالنسبة لزيدان، فبنسبة تزيد على 99.9%، يمكن القول إنه ضمن مستقبله في “سانتياغو بيرنابيو”، على الأقل إلى أن يقرر بنفسه موعد الرحيل، لكن بعد ثلاثة أسابيع من الآن، سيكون على موعد مع تحد شخصي خاص لا يقل أهمية عن فوزه بالليغا، عندما يزور ملعب “الاتحاد” يوم السابع من أغسطس/ آب، لمواجهة مانشستر سيتي في إياب ثمن النهائي، تحت شعار “لا بديل عن استعادة الكبرياء”، ولو لرد هزيمة مباراة الذهاب، التي كانت ستفتح النيران على الريال لولا جاء التوقف، ليعطي زيزو فرصة ذهبية للتعلم والاستفادة من أخطاء فترة ما قبل كورونا، غير أنها ستكون فرصة لا تعوض للرد على من يشكك في أحقية اللوس بلانكوس في الفوز بالدوري الإسباني، بحجة المجاملات التحكيمية ومنحه ركلات جزاء أكثر من باقي المنافسين أو الانتصارات القبيحة التي حققها الفريق في فترة ضغط المباريات، ولو أنها بوجه عام، ستكون مواجهة يصعب التنبؤ أو التوقع بنتيجتها، في ظل المعنويات المرتفعة في كلا المعسكرين، بحالة النشوة التي يعيشها الريال بتتويجه باللقب المحلي الأهم، وأيضا المان سيتي استفاق من كابوس عقوبة الاتحاد الأوروبي، بقرار من المحكمة الرياضية (كاس) ينص بإلغاء عقوبة منعه من المشاركة في بطولات اليويفا لمدة عامين، مع تخفيض الغرامة من 30 إلى 10 ملايين يورو، ما ينذر بمباراة حماسية وقابلة لكل الاحتمالات، قبل تحديد هوية المتأهل منهما الذي سيصطدم بالفائز من يوفنتوس وليون في ربع النهائي، بينما برشلونة، أو بالأحرى المدرب كيكي سيتيين، سيكون أمام فرصته الأخيرة لإنقاذ وظيفته قبل فوات الأوان، وإلا سيكون “كبش الفداء” الجديد بالنسبة للإدارة، إذا ودع البطولة على يد نابولي في مباراة إياب الثامن من أغسطس/ آب، وحتى إن تجاوز فقراء الجنوب الإيطالي، سيكون بحاجة لما هو أشبه بمعجزة، للذهاب بعيدا في الكأس ذات الأذنين، نظرا لصعوبة إحداث طفرة حقيقية على مستوى الأداء الفردي والجماعي للفريق بعد فترة وجيزة من التفكك والانهيار الذي وصل إليه أمام أوساسونا، وهذا باعتراف ميسي، الذي استبعد فوز فريقه بالبطولة إذا استمر على نفس المستوى ولم يُحسّن من أوضاعه، والسؤال الآن: هل ستستمر ثورة الريال مع زيدان ويُطيح بالسيتي في التحدي المقبل؟ وأيضا هل يخالف سيتيين التوقعات؟ هذا ما سنعرفه قبل انتهاء الأسبوع الأول من الشهر الجديد.