لندن – “القدس العربي”: قدم الموهوب الجزائري سعيد بن رحمة، أوراق اعتماده، كلاعب مؤهل للسير على خطى ابن جلدته رياض محرز وشريكه في العروبة المصري محمد صلاح في المستقبل القريب جدا، لما يمتلكه من إمكانات أقل ما يُقال عنها “خرافية” بالمعنى الحرفي للكلمة، كما استمتع المحظوظ بمشاهدة مباريات برينتفورد منذ بداية موسم “تشامبيون شيب” بوجه عام، وبعد استئناف النشاط الكروي على وجه الخصوص.
رحلة الشقاء
قبل 24 عاما، وتحديدا في العاشر من أغسطس/ آب 1995، وُلد سعيد في عين تيموشنت، وكجُل أطفال جيله آنذاك، مارس كرة القدم في الحواري الضيقة والشوارع، إلى أن اكتشف موهبته المختلفة عن باقي الأطفال، ليلتحق بأكاديمية نجمة بطيوة عام 2004 بعمر تسع سنوات، حيث قضى عامين في مدرسة الكرة، وبعدها هاجر إلى فرنسا بعمر أقل من 12 عاما، إلا أنه ابتعد عن لعبته المفضلة لمدة أربع سنوات، ثم عاد عام 2010 بتجربة قصيرة مع شباب بالما وأخرى مع كالميير، إلى أن احترف الساحرة المستديرة عام 2013 بخطوة انتقاله إلى نيس الناشط في الليغ1، ورغم حصوله المبكر على فرصته مع الفريق الأول تحت قيادة المدرب الأسبق كلود بويل، إلا أنه عانى الأمرين بعد ذلك للحصول على دقائق أكثر، حتى بعد وصول المدرب السويسري لوسيان فافر، مدرب بورسيا دورتموند الحالي. وما زاد الطين بلة، تعرضه لإصابة سيئة على مستوى الكاحل، ما دفعه لقضاء فترات طويلة بعيدا عن “آليانز ريفييرا”، بخوض 4 تجارب على سبيل الإعارة، منها فترتان مع آنجيه وواحدة مع أجاكسيو والأخيرة كانت مع سوشو، قبل أن تنتهي علاقته بالكرة الفرنسية، بعد وقوع أعين دين سميث عليه في صيف 2018، بنقله إلى برينتفورد مقابل ثمن بخس، لم يتخط حاجز المليوني جنيه إسترليني.
ميسي الجزائر
شاء القدر أن يرحل من أتى بسعيد إلى “غريفن بارك”، بعد البداية المتذبذبة في حملة “تشامبيون شيب” 2018-2019، بتحقيق 4 انتصارات في مستهل الموسم، أعقبتها سلسلة من النتائج المحبطة، التي تسببت في تراجع الفريق إلى المركز السابع في جدول ترتيب البطولة الإنكليزية الأولى بعد الممتازة، لتُسند مهمة الإنقاذ للمساعد الدنماركي توماس فرانك، على أمل أن يعيد الأمور إلى نصابها الصحيح، ولو بتحسين نتائج الفريق في ما تبقى من الموسم، إلا أنه لم يكن محظوظا، بالهزة العنيفة التي أثرت على النادي بأكمله، بوفاة مؤسس المشروع الاسكندنافي روبرت روان في الشهر التالي لتوليه القيادة الفنية للفريق، وانعكس ذلك على الأداء والنتائج، بخروج الفريق بانتصار وحيد في أول 10 مباريات لمدرب ناشئين وشباب الدنمارك سابقا، لكن بمجرد أن استقر على شكل الفريق ووضع يده على مفاتيح نجاح مشروعه، بدأ يجني الثمار، بعد ظهور بصمته على أسلحته الفتاكة، متمثلة في ابن رحمة، الذي أطلق عليه في تلك الفترة “ميسي الجزائر”، للصورة المبهرة التي عبر بها عن نفسه في النصف الثاني من موسمه الأول، وكذلك شريكه السابق الفرنسي نيل موباي قبل انتقاله إلى برايتون الصيف الماضي.
عصر بي إم دبليو
أنهى ابن رحمة موسمه الأول في دوري القسم الأول الإنكليزي على أكمل وجه، بتسجيل 14 هدفا بالإضافة إلى 15 تمريرة حاسمة في مختلف المسابقات، واضعا قدميه على أول سلالم النجومية، بلفت أنظار العديد من الأندية التي تحظى باسم وشعبية أكبر من برينتفورد في “تشامبيون شيب” وكذلك “البريميرليغ”، ليبدأ مرحلة جديدة في موسمه الثاني، بتقمص دور البرغوث، بنثر إبداعه في ملاعب البطولة الإنكليزية وتأثيره الكبير في نتائج الفريق، بزيارة شباك المنافسين 17 مرة، وصناعة تسعة أهداف، أغلبها لشريكيه براين مبويمو وأولي واتكينز، في ما يعرف بثلاثي الهجوم “BMW“، كإشارة إلى جودة وفخامة ثلاثي هجوم الفريق، الذي ساهم في ثورة برينتفورد هذا الموسم، بقيادته لمنافسة وست بروميتش ألبيون على مركز الوصيف المؤهل بشكل مباشر للدوري الإنكليزي الممتاز الموسم المقبل، وحتى إن توقف عند مركزه الحالي الثالث، قبل مواجهة ستوك سيتي في الجولة قبل الأخيرة، سيكون الأوفر حظا للترشح إلى دوري الـ20 الكبار من خلال البطولة المجمعة الأغلى في العالم “البلاي أوف”، لا سيما إذا حافظ محارب الصحراء ورفاقه على الأداء الممتع وسلسلة الانتصارات المستمرة منذ عودة النشاط، بتحقيق الفوز في سبع مباريات على التوالي، وهو الأمر الذي لم يفعله أي فريق بعد توقف كورونا، الذي دام لأكثر من ثلاثة شهور، وفي نفس الوقت، جعل الأنظار تتجه نحو سعيد بن رحمة أكثر من أي وقت مضى.
موهبة من زمن الأساطير
ربما لا يتمتع بسرعة صلاح ولا كاريزما وحساسية قدم محرز اليسرى، وقبل هذا وذاك، لا يحظى بشعبية الاثنين على المستوى الإعلامي، لكن بالنظر إلى الكرة وهي بين قدميه، ستشعر من الوهلة الأولى أنك أمام موهبة فريدة من نوعها، بما ستشاهده من لمسات ومهارات إبداعية، أقل ما يُقال عنها “سارة ومبهجة للنظر”، بأسلوبه المذهل في ما يعرف كرويا بإهانة وبعثرة منافسيه، بمراوغات متنوعة، ما بين “كسر ظهر” المنافسين بتغيير جسده بوضع الدوران حول نفسه 180 درجة في لحظة، أو مروحة رونالدو الظاهرة، التي يستخدمها أحيانا في مواجهات لاعب ضد لاعب في آخر 25 متراً في الملعب، والرائع بحق، أنه من النوع النادر، الذي لا يبالغ في استعراض مهاراته وإمكاناته في المراوغة، إذ أنه يختار الوقت المناسب للاعتماد على الحل الفردي، لفتح ثغرات في الدفاع وخلق فرص لزملائه أو لخلق فرصة لنفسه، بدليل أنه اللاعب الأكثر مراوغة وتسديدا على المرمى في دوري القسم الأول هذا الموسم، هذا ولم نتحدث عن مرونته، باللعب بإجادة تامة في ما لا يقل عن 4 أو 5 مراكز، كلاعب وسط ثالث في الرواقين، ومهاجم ثالث على اليمين أو اليسار، وكذلك مهاجم ثان أو وهمي، لكن يبقى مكانه المفضل، كمهاجم أو جناح مهاجم في الجهة اليسرى، حيث تتحول معه الكرة إلى لعبة سهلة وغير معقدة، بسهولة وعذوبة في المرور من المدافعين، أقرب ما يكون للسكين الحاد في الزبدة. ويفعل ذلك بطرق متنوعة، أحيانا باستخدام عقب القدم في المرور من مدافعين اثنين في لعبة واحدة، وأحيانا باستلام مع مراوغة، والأروع، عندما يحاكي مشاهد نيمار بألعابه الأكروباتية الرشيقة. ولهذه الأسباب، اقترن اسمه مؤخرا بأكثر من عملاق من الستة الكبار في البريميرليغ، وليس بأحد الفرق المتوسطة، كما يحدث عادة مع ألمع وجوه دوري القسم الأول.
الوجهة المثالية
إذا قُدر لسعيد بن رحمة أن يقود برينتفورد إلى أول مشاركة في الدوري الإنكليزي الممتاز، فبنسبة كبيرة لن يبقى مع الفريق لموسم ثالث، لصعوبة صموده وصمود النادي أمام الإغراءات المحتملة من كبار البريميرليغ أو حتى الفرق المتوسطة الكلاسيكية، لكن قبل استقراره على وجهته المحتملة، عليه أولا اختيار المكان الذي يتماشى مع أسلوبه، ولا تكون لديه وفرة أو أسماء أكثر منه خبرة في مركزه المفضل كمهاجم حر في الجهة اليسرى، وذلك لتفادي الجلوس على مقاعد البدلاء، وهو على عتبة منتصف العشرينات، مثل الذهاب إلى ليفربول لمنافسة ساديو ماني على مكان في تشكيلة يورغن كلوب الأساسية، أو مانشستر يونايتد، حيث سيعاني كثيرا في وجود ماركوس راشفورد وغرينوود، ونفس الأمس بالنسبة لمانشستر سيتي في وجود رحيم سترلينغ وفل فودن، على عكس مثلا آرسنال، المهدد بفقدان بيير إيميريك أوباميانغ وألكسندر لاكازيت، وكذلك تشلسي، الذي لا يملك سوى الأمريكي كريستيان بوليسيتش في مركزه، ما سيساعده على اللعب لدقائق أكثر، لحاجة فرانك لامبارد الماسة للاعب خلاق وقادر على صناعة الفارق كما كان يفعل إيدين هازارد قبل بيعه إلى ريال مدريد، لذا أغلب التوقعات تصب في مصلحة البلوز لحسم الصفقة، كونه أول من بادر بالتفاوض مع وكيل أعماله، وفقا للتقارير المتداولة منذ فترة طويلة، وأيضا لجديته واستعداده للموافقة على شروط برينتفورد، حتى بعد ارتفاع سعر الدولي الجزائري 30 مرة عن المبلغ الزهيد الذي أنفقه النادي لضمه من نيس قبل عامين، حيث ستكون مطالب برينتفورد في المتناول، مقارنة بالمبلغ الفلكي الذي سيتكبده حامل لقب الدوري الأوروبي لشراء الهدف الرئيسي جادون سانشو من بوروسيا دورتموند. أما إذا كان يفكر في تدرج السلم، باللعب عامين آخرين لفريق متوسط أو منافس من بعيد عن المراكز الأوروبية، فلن يجد أفضل من ولفرهامبتون، ليحمل الراية بعد آدام تراوري المرشح هو الآخر للانتقال لأحد كبار البريميرليغ، أو نيوكاسل أو وستهام، كمحطة أخيرة لاكتساب مزيد من الخبرة قبل أن يختبر قدرته على تحمل ضغط اللعب لأحد الكبار، فهل تتوقع عزيزي القارئ انتقال ابن رحمة لأحد الستة الكبار الموسم المقبل؟ أم سيأخذ السلم بشكل تدريجي مع فريق أكثر طموحا من ناديه الحالي؟