الصين تفوز بالنقاط في الجولة الأولى من معركة استئناف النمو

إبراهيم نوار
حجم الخط
0

العالم ما بعد كورونا ليس كما قبله، هناك إجماع على ذلك. لكن ملامح العالم الجديد لن تهبط من السماء، وإنما هي تتشكل وتتطور على الأرض في الوقت الحالي. ويمكن من خلال رصد مؤشرات التغيرات في مجالات الحياة المختلفة أن نرى كيف يتشكل عالم ما بعد كورونا. وتبدو الصين حاليا الدولة الوحيدة من بين القوى الاقتصادية الرئيسية التي تتقدم بثقة على طريق النمو لتتصدر غيرها بوضوح وبلا جدال. مؤشرات النمو في الربع الثاني من العام الحالي، والتي أعلنها تفصيلا مكتب الإحصاءات الوطني في الصين، تشير بقوة إلى أنها ستتجاوز معدل النمو الذي توقعه لها صندوق النقد الدولي. كما أن هذه المؤشرات تؤكد أن الصين استطاعت بالفعل أن تتغلب على صعوبات ارتباك سلاسل الإمدادات العالمية التي تسبب فيها الإغلاق الاقتصادي في عدد من القوى الاقتصادية الرئيسية، وعلى ضعف الطلب على منتجاتها من شركائها التجاريين في كل أنحاء العالم تقريبا.

وأظهرت الإحصاءات الأخيرة ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي في الفترة من نيسان/ابريل إلى نهاية حزيران/يونيو بنسبة 3.2 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، مقابل انكماش بنسبة 6.8 في المئة في الربع الأول، كما أنه يتجاوز توقعات السوق حسب استطلاع كانت قد أجرته وكالة “رويترز” بلغ 2.5 في المئة فقط. كما أن النمو الذي تحقق في الربع الثاني يزيد مقارنة بالربع الأول من العام (كانون الثاني/يناير- اذار/مارس) بنسبة 11.5 في المئة. ومع أخذ نتائج الربعين الأول والثاني في الاعتبار يكون الاقتصاد الصيني قد انكمش بنسبة 1.6 في المئة فقط في النصف الأول من العام. وقد حقق قطاع الصناعات التحويلية أكبر نمو خلال الربع الثاني، مسجلا نموا سنويا موجبا لثلاثة أشهر متصلة، بنسبة 4 في المئة تقريبا خلال الفترة ككل. مؤشرات الإنتاج تؤكد أن التعافي الذي يحققه الاقتصاد الصيني ليس مهزوزا ولا مضطربا، وأنه يواصل الصعود بمعدلات مستقرة.

وقد استطاعت الصين تحقيق هذا النمو في الربع الثاني من العام على الرغم من ضآلة قيمة حزمة التحفيز الاقتصادي التي مولها البنك المركزي بقيمة 572 مليار دولار تقريبا، مقارنة مع حزمة تمويل حكومي تتجاوز 3 تريليون دولار في الولايات المتحدة، إضافة إلى تسهيلات مصرفية من بنوك الاحتياطي الفيدرالي والمصارف التجارية بقيمة أكبر. وكانت الدول الصناعية الغربية قد بدأت تنفيذ برامج لتنشيط الاقتصادي للحدد من الأثار الانكماشية الناتجة عن الإغلاق بسبب فيروس كورونا في شهر اذار/مارس الماضي بقيمة تصل إلى حوالي 10 تريليون دولار. وما تزال هذه البرامج عاجزة عن إحداث الأثر المطلوب، وإن كانت قد قللت إلى حد كبير الآثار السلبية للإغلاق خصوصا فيما يتعلق بتشغيل الأيدي العاملة. لكن هذه الدول ومنها الولايات المتحدة واليابان وألمانيا وبريطانيا واسبانيا وإيطاليا، ما تزال تعاني من هشاشة الوضع الاقتصادي، ومن خطورة الآثار السلبية المحتملة في حال تعرضها لموجة ثانية من الإصابات بفيروس كورونا، خصوصا بعد أن فشلت الولايات المتحدة حتى الآن في إخضاع الفيروس للسيطرة والحد من انتشاره.

وطبقا للتوقعات المعدلة التي أصدرها صندوق النقد الدولي في الشهر الحالي، فإن الاقتصاد الصيني سيحقق نموا موجبا خلال العام بنسبة 1 في المئة ثم ينطلق في العام التالي لتحقيق نمو سريع يقترب من ضعف معدل النمو في الدول الصناعية الغربية، ليصل إلى 8.2 في المئة. وطبقا لتقديرات الخبراء الاقتصاديين في الصين، فإن الاقتصاد سيحقق نموا في النصف الثاني من العام الحالي بنسبة تتراوح بين 3 إلى 4 في المئة بما يجعل معدل النمو المتوقع بواسطة الصندوق بنسبة 1 في المئة هو الحد الأدنى للنمو المتوقع. وعلى العكس من ذلك سينكمش الاقتصاد بنسب سالبة في الولايات المتحدة تبلغ 8 في المئة وفي منطقة اليورو 10 في المئة وفي كندا 8.4 في المئة وفي الهند 4.5 في المئة وفي اليابان 5.8 في المئة وفي منطقة دول آسيان 2 في المئة. أما بالنسبة لتوقعات النمو الاقتصادي في العام المقبل فإن الصندوق يتوقع نموا للقوى الاقتصادية الرئيسية في العالم بمعدل 5.4 في المئة تتصدرها الصين بمعدل 8.2 في المئة.

وتواجه الدول الصناعية الغربية عددا من المشاكل الاقتصادية الهيكلية السابقة لأزمة فيروس كورونا، لكن أشد ما تخشاه في الوقت الحاضر هو أن تتعرض لقفزة ضخمة في عدد العاطلين، وهو الخطر الذي يهددها جميعا، وذلك على خلفية هشاشة الطلب، والقلق بين المواطنين على وظائفهم، وانخفاض ساعات العمل، وارتباك سلاسل الإمدادات، وتوقعات زيادة حالات الإفلاس بين المنشآت الصغيرة والمتوسطة، واتساع نطاق تسريح العمال في المؤسسات الكبرى التي لا تجد طلبا مساندا مثل شركات الطيران، على الرغم من المساعدات الحكومية التي تحصل عليها.

في الولايات المتحدة فقدت القطاعات الاقتصادية المختلفة مليوني وظيفة خلال شهري اذار/مارس ونيسان/ابريل الماضيين، وتركزت معظم خسائر العمل في قطاعات السياحة والفنادق والمطاعم وخدمات الترفيه والخدمات الرياضية والصحية وقطاع تجارة الجملة والتجزئة وفي قطاع الطيران بأكمله من الإنتاج إلى السفر. ونظرا لطبيعة تركيب الاقتصاد الأمريكي وغلبة قطاعات الخدمات، فإن هذه القطاعات تستحوذ على مساحة كبيرة في سوق العمل؛ فقطاع المطاعم والفنادق يمثل 8 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، بينما يمثل قطاع السلع الاستهلاكية المعمرة 7 في المئة وقطاع الرعاية الصحية 10 في المئة. وتقدر مؤسسة ديلويت للاستشارات المالية أن الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة سينكمش في النصف الأول من العام الحالي بنسبة 16 في المئة ثم يبدأ التعافي في الربع الثالث ولكن بمعدلات مهزوزة.

وتشير تقارير وزارة التجارة الأمريكية عن الأداء الفعلي للاقتصاد، إلى صورة قريبة جدا من تلك التي رسمها صندوق النقد الدولي، حيث انكمش الناتج المحلي بنسبة 4.8 في المئة في الربع الأول من العام. ويقدر الصندوق أنه سينكمش بنسبة (-) 8 في المئة بحلول نهاية 2020. ويتوقع مكتب الميزانية التابع للكونغرس أن يسجل الاقتصاد انكماشا حادا في الربع الثالث من العام، على أن يستأنف النمو في العام 2021 بمعدل 2.8 في المئة وهو ما يقل عن تقديرات صندوق النقد الدولي. ولم تعلن وزارة التجارة حتى الآن أرقام النمو الفعلي للربع الثاني من العام. وتشير التوقعات الأولية لمكتب الميزانية التابع للكونغرس إلى أن معدل البطالة سيرتفع هذا العام إلى 11.4 في المئة وأن الإنفاق على حزم التنشيط المالي سيؤدي إلى توسيع عجز الميزانية إلى 101 في المئة من الناتج. وما يزال الاقتصاد الأمريكي أسيرا لضعف الطلب، وللمخاطر المترتبة على انتشار فيروس كورونا. ومع ارتفاع أعداد المصابين بالفيروس التي تجاوزت 3.7 مليون شخص، فإن بعض الولايات تعيد النظر في إجراءات العودة للنشاط الطبيعي، وهو ما يمكن أن يعرض الاقتصاد الأمريكي، لضغوط جديدة نتجت عن سياسة للعودة المبكرة للعمل، التي كان مبررها الرئيسي هو عدم السماح للاقتصاد بالسقوط في هوة الانكماش.

ومع أن الولايات المتحدة تمثل الحالة الأسوأ من حيث التشغيل الاقتصادي حاليا بين الدول الصناعية الرئيسية، فإنها ليست الوحيدة. ففي بريطانيا على سبيل المثال أظهرت إحصاءات العمل الرسمية أن ما يقرب من 650 ألف مشتغل قد فقدوا وظائفهم خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، وأن عدد ساعات العمل إسبوعيا قد انخفض بنسبة 16.7 في المئة. كما أظهر استطلاع أجرته الغرف التجارية أن أكثر من ثلث المنشآت يتجه للتخلص من نسبة من العمالة نظرا لضعف الطلب وتراجع الإيرادات. ومن المعروف أن الحكومة ترعى الآن نظاما للتعويضات يشجع أصحاب المنشآت على الاحتفاظ بقوة العمل في مقابل الحصول على ما يعادل 80 في المئة من الأجر الضريبي للمشتغل حتى شهر تشرين الأول/أكتوبر المقبل. وتذهب التوقعات إلى أن عدد المشتغلين سينخفض بشدة بعد ذلك، ولهذا السبب فإن أعدادا منهم تركوا وظائفهم بالفعل سعيا للحصول على فرصة أكثر استقرارا، قبل أن يؤدي تسريح أعداد كبيرة إلى مزاحمة شرسة بين الباحثين عن عمل خصوصا صغار السن.

ويتوقع بنك انكلترا أن ينمو الاقتصاد بسرعة في العام المقبل، بعد انكماش حاد على مدى العام ككل. وقالت سيلفانا تينريرو مسؤولة السياسة المالية في بنك انكلترا أن الاقتصاد سيبدا في التعافي اعتبارا من الربع الثالث من العام، لكنها حذرت من أن قوة التعافي ستكون محكومة بعاملين، الأول هو مدى التعافي من فيروس كورونا وتجنب حدوث موجة إصابة جديدة، والثاني هو معدل البطالة الذي قد يسبب أضرارا كبيرة إذا زاد عن التوقعات. وترى تينريرو ان بنك انكلترا ما تزال أمامه مساحة للعب دور في تنشيط الاقتصاد، من خلال شراء السندات الحكومية لزيادة قدرتها على تمويل برامج الانعاش. وقد اكتتب البنك في شراء سندات حكومية بقيمة 100 مليار جنيه استرليني في الشهر الماضي، وهو ما ساعد وزير الخزانة على تخصيص مزيد من الموارد لتمويل احتياجات الإنفاق على برامج الإنعاش وزيادة قدرة المستهلكين على الإنفاق. وطبقا لتوقعات مكتب الميزانية المستقل فإن معدل البطالة قد يرتفع في نهاية العام إلى 13 في المئة مقابل 4 في المئة حاليا.

وبمراجعة توقعات النمو العالمي التي أعلنها صندوق النقد الدولي أخيرا، تبدو الصين فعلا في مركز الفائز بالنقاط في الجولة الأولى من معركة استئناف النمو الاقتصادي، على الرغم من كل الاستفزازات العسكرية، والحرب التجارية والتكنولوجية الشرسة من جانب الولايات المتحدة، والصدامات الحدودية بريا مع الهند، وبحريا مع جيرانها في بحري الصين الشرقي والجنوبي، إضافة إلى أعباء حرب فيروس كورونا، وهي الحرب التي انتصرت فيها أيضا بجدارة بالغة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية