ضابط المخابرات طاغية مخيف والمشكلة ان الرئيس لا يعلم ما يحدث!

حجم الخط
0

راجي بطحيش

ركزت في كتاباتي السابقة على ثلاثة أعمال درامية سورية هي ‘الغفران’ ‘جلسات نسائية’ و’العشق الحرام’ وهي المسلسلات التي كانت مشاهدتها متاحة لي بحكم القنوات التي ألتقطها ضمن عالمي الفضائي وقد لامني بعض القراء شخصيا ومن خلال التعليقات أنني لم أشاهد الصورة كاملة وأن ثمة أعمال أخرى يجدر بي مشاهدتها حيث أنها ستغير نظرتي وحكمي على مشهد هذا العام مما تنتجه دمشق وغيرها.

وكان قصد الجميع هو مشاهدة ‘ولادة من الخاصرة’ لرشا شربتجي والتي لا شك أنني اعجبت بأعمالها السابقة وخاصة ‘زمن العار’ قبل سنتين وهنا وبالطبع أخرج الجميع من حساباتهم مسلسلات ‘البيئة الشامية’ كالزعيم وغيرها والتي تكرّس السلطة الأبوية – الذكورية وتدعو بشكل لا يقبل التأويل إلى تقديس الرجل الأب وطاعته العمياء حتى لو كان خاطئا أو غبيا أو حتى يميل لجنسه من الرجال مثلا… رافقت ‘ولادة من الخاصرة’ هالة ما تقول بأن المسلسل جريء جدا… وينتقد النظام السوري.. ويعكس حالة الفساد والعشوائيات… الخ والخ… وقد كان ذلك التوصيف للعمل مثيرا بحد ذاته وخاصة على خلفية صور التنكيل البشعة بالمواطنين في حمص ودرعا وحماة… وكذلك صور جثث الأطفال المشوهة والمخرومة بالرصاص… حتى أصبحت تلك المشاهد الخلوية التصوير أشبه بالفيديو آرت الذي يرافقك أنى حللت في المتاحف والمعارض والمقاهي الثقافية… وحول ذلك سوف أفصل لاحقا… ما علينا.. لم أجد أمامي سوى التوجه للإنترنت ومشاهدة حلقات ‘ولادة من الخاصرة’ متواصلة وبدون إعلانات علّني أصحح قليلا من مسار المؤامرة التي حكتها ضد الدراما السورية هذا العام ولكنني وجدتني أقع ضحية مؤامرة عكسية صبغت مزاجي بالسوداوية وحياتي اليومية بالكوارث الصغيرة خلال ستة أيام شاهدت فيها هذا العمل ‘المؤامرة’ فقد قررت أن أنجز المهمة بسرعة وأشاهد الثلاثين حلقة خلال أقل من أسبوع وبمعدل 5 حلقات كل يوم وأحيانا أكثر… ومع أنني كنت أتوجه إلى سريري منهكا ويائسا أكاد اقتل نفسي ومع أنني كنت أشاهد عابد فهد أو ضابط المخابرات السادي رؤوف في المنام وهو يوجه اسوده وتماسيحه لتلتهمني على وقع ضحكاته المعتوهة كما كنا نسمع عن حكايات تعذيب عدي صدام حسين لخصومه وحتى أصدقائه، إلا أنني كنت مشدودا لهذا العمل ولأحداثه وكنت مخلصا لغريزة بدائية وطفولية بأن يتم الانتقام من الشرير.. أو الشريرين في النهاية كي يحيا جميع الأخيار بسلام… فكنت أنهض في اليوم التالي لأشعل سيجارة… أشاهد حلقة من العمل… ثم أضع ركوة القهوة على النار… وأشاهد حلقة أخرى.

وهنا يحتم عليّ ضميري المتفرج أن أعترف بأن المسلسل متقن حرفيا وفنيا (باستثناء الماكياج الفضائحي لوجه سلاف فواخرجي المشوّه) وهو مشوق إلى أبعد الحدود وخاصة أن أحداثه ليست متشابكة بل متوازية على ثلاثة محاور يجمع بينها طبيب نساء – إجهاض يستغرب (هو) طوال الحلقات كيف ولد في هكذا بلد… الجميع في هذا المسلسل يعاني وتتوالى مشاهد الصراخ والعنف المفرط والعويل وسيل الكوارث والبؤس غير المبرر على المتفرج بحيث لا تترك له مجالا للشك بانه وقع فريسة سهلة لسؤال ملح على وقع مشاهد التنكيل في الشاشة المقابلة… من الذي جنى على سوريا؟ وما سر اهتمامي ببلد قريب بعيد أصلا لا يمكنني زيارته.

إذا لا تتوقف المصائب عن التساقط على رؤوس المساكين طوال الحلقات الثلاثين وكلما أشفقت كمشاهد ساذج على شخصية وقلت كفى… آن لهذه الشخصية ان تتفاءل وتبتسم لها الحياة حتى تأتي مصيبة أخرى وتعصف بها وعلى جميع المستويات هذا إضافة إلى كميات العنف الجسدي والنفسي والسباب الذي يتناقل كالنار من مشهد إلى آخر ومن حلقة وتكفي المبالغات التمثيلية لقصي خولي كي تشعرك بحافة الهاوية التي تعيش قربها وتود أن تدفن فيها لتوّك… يقول العمل وبشكل لا يقبل التأويل وخاصة في نصفه الثاني أن مشكلة سوريا هي ليست نظام الرئيس ومقربيه وأجهزة مخابراته بل هؤلاء الطغاة الصغار الذين يعيثون فسادا بما حولهم ويسيئون لسمعة البلد ففي المحاور الدرامية الثلاثة للعمل يختبئ طاغية صغير هو نتاج لأزمة نفسية شخصية أو غياب أحد الوالدين أو العيش في ملجأ او خيانة الأم للأب ولا علاقة للنظام وعائلة الرئيس وحاشيته والمنتفعين من حوله بهذا.. فالطغاة والفاسدون ليسوا من إنتاج السنوات الطويلة للجمهورية المتوحشة… وبالفعل هذا ما تقوله بطلة العمل سلاف فواخرجي التي يظهر أنه قد تم استدعاؤها خصيصا من القاهرة للمشاركة في تبييض صورة النظام – فهي تقول بعد أن نكل بها زوجها ضابط المخابرات وقتل أباها وشوه وجهها ولم يتوقف عن مطاردتها… ‘لازم الكبير يعرف شو الصغير بيعمل’… ليظهر بعدها جهاز المخابرات وكأنه جنة من الرجال الدمثين الذين يوزعون الورود والشوكولاطة لزائريهم والذين يعملون جميعا جاهدين للفظ ضابط المخابرات المعتوه من بينهم وتجريده من صلاحياته والزج به في السجن وتشغيل الموسيقى الكلاسيكية في مكتبه الفارغ بانتظار طاغية صغير آخر… ففي سوريا يكفي أن تتربى في مأتم كي تتحول إلى طاغية تتفنن بتعذيب الناس وتسيء لسمعة الرئيس الممانع.

تطبيع مع العاربعد وضع v على ثورة أخرى تتصدر أخبار سوريا ‘الجزيرة هذا اليوم’ و’حصاد اليوم’ ونشرات الأخبار المفصلة في القناة الإخبارية القطرية وبعد استعراض سريع للعناوين يخبرنا المقدم/ة أنه وصلهم فيديو خاص يصور أعمال القتل والتنكيل.. وبالفعل يتم عرض تلك الأشرطة كاملة ولدقائق عدة أو حتى لعشرات الدقائق كما يتم تكرارها بشكل غير نهائي حتى ورود أشرطة جديدة، وتشمل هذه الفيديوهات صورا لجثث الضحايا ممددة في الشوارع أو المستشفيات ويتم التركيز على جثث الأطفال والفتية… كما تعرض مشاهد طويلة لجنود ينكلون بأشخاص عن طريق ركلهم في بطونهم مثلا أو على أعناقهم أو صفعهم على وجوههم مع الزج بجمل تأنيبية حول جرأتهم بمعارضة النظام وهكذا… إن عرض هذه الفيديوهات بهذا الشكل من دون تعليق ومونتاج واختزال واحاطتها بإطار إخباري مهني تجعل المشاهد يطبّع مع هذا العار ويعتاد على الإيقاع الحركي الرتيب للركل على البطن أو أسفل البطن ليقوم أثناء العرض الطويل وشبه الصامت لإعداد كوب من العصير أو النسكافيه لنفسه ولا ضير من الاستحمام في أيام الحر هذه والحلاقة مثلا إلى أن ينتهي الجندي السوري من ركل ضحيته وإهانته… إن مشاهد الجثث والتنكيل هذه هي غير طبيعية وغير مقبولة.. وعرضها بهذا الشكل وخارج السياق المهني يجعل المشاهد يصاب بالبلادة وكأنه يشغل قناة كليبات شبه إباحية وهو يقوم بأعمال منزلية أو مكتبية أخرى… فيمكننا أن نتخيل مثلا أما تطهو لأطفالها قبل عودتهم من المدرسة وهي تشغل (وليس بالضرورة تشاهد) شريطا طويلا يستعرض كل سنتمتر من جثة طفل سوري.

اللعب مع اسرائيل’لا أفهم نفاق العالم هذا ألم تقتل تركيا هذه 150 كرديا على الحدود العراقية، والا يتم ذبح مئات السوريين كل يوم، لماذا يلعبون هذه اللعبة معنا نحن فقط، ألا يكفي أننا محاطون بالإسلاميين…..’ من أقوال مقدم برنامج ترفيهي ليلي في القناة العاشرة الإسرائيلية تعليقا على الإجراءات التركية الأخيرة ضد إسرائيل.. وقد كاد يبكي.

قاص وكاتب من فلسطين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية