ما الذي ينقص قصيدة النثر: حِيل الإنشاد

أكاد أقطع بأن الإجابة التي ستتبادر إلى ذهن القارئ وهو يقرأ هذا العنوان: وهل ينقص قصيدة النثر غير الوزن؟ والحق أن ما ينقصها عند كتابها حتى الكبار منهم أو الرواد مثل، الماغوط وأنسي الحاج، ليس الوزن أو إيقاعه؛ وإنما ما هو من كنه الشعر في كل اللغات، وهو الحس اللغوي. على أني أستثني الشعراء الذين يراوحون بين الشكلين: الموزون والنثري، فقصيدة النثر عند هؤلاء تختلف بنية ولغة وإيقاعا، عن قصائد الذين يجهلون الأوزان جهلا تاما، وأعرف منهم من لا يميز بين قصيدة تفعيلة وقصيدة نثر، ولذلك ترى هؤلاء يجهدون أيما إجهاد في إنشاد نصوصهم، إما بتعداد المقاطع الصوتية وإما بالنبر؛ مقلدين شعراء الموزون، سعيا منهم إلى إعلاء التوتر الشعوري عند المستمع أو الجمهور، أو شحذ القدرة على اجتذاب الخيال والشعور. والفرق بين إنشاد الموزون وإنشاد المنثور لافت للنظر، وإن كان لا يحجب أن الغاية واحدة في الحالين؛ وهو جدير بمبحث مستقل.
والنبر أو التنبير ليس راجعا في كل الحالات إلى حال المتلفظ وموقفه الفكري، أو الشعوري، بل ربما إلى اللغة أكثر مما هو راجع إلى المتلفظ، أي إلى طريقته الخاصة في إنشاد القصيدة وأدائها.
والإنشاد شكل من أشكال التنقيط أو الترقيم لم تعرفه العربية في صورته الحديثة إلا لاحقا، وإن كان المسلمون عنوا به في تلاوة القرآن، في ما سموه اصطلاحات الضبط وعلامات الوقف. ولا أحد بميسوره أن يقطع برجحان طريقة في التنبير أو الإنشاد أو ببطلانها، أو بالكيفية التي كانت القصيدة تنتقل بها من جسم اللغة إلى لغة الجسد، لأن الإنشاد أداء صوتي أو تنغيم خاص بالشاعر أو بمنشد القصيدة؛ وينبغي أن لا يحجب هذا «الخاص» عما هو «عام»، أو مطرد في الإنشاد، لسبب وجيه وهو أن إيقاع القصيدة وهو ليس الوزن ضرورة خاص وعام في آن؛ فهو محصلة الجملة الشعرية واللغة معا. وإذا كان هذان يتراسلان في الموزون عامة، فإنهما يتدافعان في المنثور، بما يمكن أن يفضي إليه ذلك من تناقض أو مشادة بينهما.
أما النبر في اللغة، فيقع على عنصر بعينه في موضع بعينه وهو المقطع عادة، فيزيد في شدة الحركة، من حيث هي مركز المقطع الصوتي القابل للنبر، أو في ارتفاعها، أو في طولها، أي في إصدار صوت أكثر جهرا أو شدة أو طولا. وقد يرتكز النبر على أحد هذه المؤشرات أو على اثنين منها، أو على الثلاثة مجتمعة، بدون أن يسوق ذلك إلى استنتاج متعجل، كأن نقرر أن النبر لا يضبط ولا يقاس، أو لا يحكمه قانون ولا تنتظمه قاعدة. فربما جاز مثل هذا الاستنتاج في قصيدة النثر، أما في الموزون فهو موضوعي، إذ مصدره اللغة نفسها أو ما أسميه «شعرية اللغة «، وليس ذاتيا يجلوه الإنشاد، وما تستدعيه مقتضيات الإبانة والإفادة والإبلاغ. ولعل غفلة الباحثين عن «موضوعية» النبر أن ترجع في جانب منها، إلى عدم تمييزهم بين نبر موقعه الكلمة، ونبر موقعه الأداة النحوية، من جهة، وبين الكلمة الموقعة والكلمة المعجمية، من أخرى. أما نبر الكلمة فيقع على مقطع من الكلمة الموقعة وهو يجري عادة على قاعدتين اثنتين:
أولاهما نبر موقعه المقطع الأخير المنبر أو القابل للتنبير، ويسمى «النبر الصوتي» أو «نبر القفلة» قفلة الكلمة الموقعة. وثانيهما نبر موقعه المقطع الأول المنبر، أو القابل للتنبير ويسمى «النبر المضاد»، ويمكن أن نتبينه بكثير من اليسر في فواتح القصائد أو في خواتيمها.
وأما النبر الذي موقعه الأداة النحوية، فمرده إلى الكلمات العوامل مثل، أدوات الاستفهام والتعجب والنفي، وإلى النعوت والضمائر والظروف، فهي على قدر ما تتأدى بنبر خاص هو من كنهها، ومن لوازم نطقها، يمكن أن يتمدد نبرها هذا إلى الكلمة أو الكلمات التي تحدها أو تستدعيها، بحيث يختلف التنبير من تركيب إلى آخر. ومن شأن هذا النبر على مقطع بعينه أن يدل على صيغة الجملة (استفهام أو تعجب أو نفي) أو أن يُضاف إلى نغم صوتي ما، أو تنغيم محتمل، كأن يرتفع الصوت في نهاية الاستفهام، أو أن يُضاف إلى النبر المألوف في صيغة التعجب.

السمات المميزة للعربية، سواء ما تعلق منها بظاهرة التصريف الإعرابي، والنزوع إلى الأصوات الصامتة، وخصوبة الأوزان أو بصرف الأسماء وصرف الأفعال، تضفي على نظامها العام طابعا مزدوجا.

والرأي الذي نسوغه بشيء من الاطمئنان أن حصر النبر في كلمة واحدة موقعة، كلما تعلق الأمر باللغة العربية، لا يسعفنا كثيرا في حد المقطع المنبور، أو في ضبطه وقياسه؛ على الرغم من أن التنبير يمكن أن يتحقق في أوضاع الكلمة المفردة مثل، وضع التنكير حيث يقع النبر على المقطع الأخير، ووضع التعريف حيث يقع النبر على المقطع الأول من الكلمة؛ وهو في الحروف الشمسية أطول منه في الحروف القمرية. فثمة نبر موقعه مقطعان قصيران ونبر موقعه مقطع قصير واحد.
والحق أننا لا نملك إلا أن نشاطر هنري فليش رأيه في أن العربية لا تستدعي من حيث بناؤها تدخل النبر الديناميكي أو الموسيقي، مادام موقع الكلمة لا يختص بشيء ما يحدد وظيفته في الجملة. فالموقع إنما يتحدد بطريقة متصلة باللفظ، بوساطة المقومات الإعرابية والتصريفية. وإذا كان هذا النبر مما تستلذه الأذن عند محمود درويش، أو أحمد عبد المعطي حجازي أو أدونيس أو سعدي يوسف أو نزيه أبو عفش أو سامي مهدي أو محمد بنيس أو شوقي بزيع أو قاسم حداد أو علي الدميني… فإنه قد يصير مدعاة إلى الغرابة، حتى لا أقول الإضحاك في قصيدة النثر.
لعل آصرة القربي بين القصيد والنشيد، من أهم مكونات الإنشاد، حيث النبر الشعري عند الشعراء الذين ذكرت تمثلا لا غير؛ قصدي راجع إلى حسهم اللغوي، كأنْ ينبر الشاعر على العنصر الأول في الكلمة القابلة للنبر؛ لإخراج هذه الكلمة مخرجا مخصوصا أو لتثبيتها أو تأكيدها، أو جعلها مفهومة، بما يسوق إلى تفريع هذا النوع من النبر على مستويين:
أحدهما نبر انفعالي أو وجداني يتحدد موقعه في الضغط على حرف الكلمة الصامت والمصوت الذي يعضده.
والآخر نبر «معنوي» محكوم بوظيفة الإفهام يتحدد موقعه في الضغط على مقطع الكلمة الأول، فترن الحركة المكونة للمقطع أكثر من الصوت الذي يسبقها. والأول يستخدم المادة الصوتية مادة الكلمة، فيما يستخدم الثاني مدلول الكلمة.
وفي هذا ما يفضي بي إلى القول إننا لا نقع على الشعر في ما نتوهم أنه ثبات فني، وإنما هناك في اللغة حيث يضرب بجذوره، أو الحس اللغوي الذي يفتقده جل شعراء المنثور.
وأقصد «شعرية اللغة» حيث ترد الكلمة في سياق من مشتقاتها وأخواتها وذاكرتها. والمقصود بهذه الشعرية إنما هو التنويع الشعري على ما نسميه «جذرا» في نظام اللغة أو أصلا؛ والتحول الشعري، هو في جانب منه، من تحول اللغة الداخلي: فـ»الأصل» في العربية صامت يتكون من صوامت حسب، هي «الدال» وما يقدحه في الذهن من فكرة عامة أو صورة ذهنية هي مدلوله. على أن «الأًصل» لا يوجد لذاته، فهو جزء من كلمات «مختلفة» تتأدى في حيزه بوساطة المصوتات، التي تضفي على الكلمة معناها أو مدلولها، على أساس من طابع المصوت وكميته أو مدته من حيث الطول والقصر. وعليه فإن المصوتات هي التي تنهض ببناء الكلمة المصوغة، على نحو يتيح لنا الرجوع إلى «صورتها» أو «وزنها» أو «صيغتها» أو»بنائها أي ذاكرتها. ما يعنينا في هذا السياق،أ ن هذا النظام» نظام التحول الداخلي» القائم على إدخال المصوتات في الأصل الاشتقاقي، هو من خصائص العربية ولطائفها ـ وهو الذي يفترض في الشاعر أن يدير عليه قصيدته وحركتها اللغوية الداخلية المحكومة بقوانين العربية الصوتية.
فلعلنا نكون في الصميم من أمر هذه الظاهرة، اذا أخذنا بالاعتبار أن الفصحى، من حيث هي لغة مكتوبة بطبيعتها، أدت إلى تثبيت هذه الظاهرة، جاعلة منها عنصر محافظة؛ مثلها مثل عناصر أخرى تتضافر كلها في صياغة السمات المميزة لنظامها العام. وهي صورة يمكن أن توضح لنا جانبا من طبيعة الوزن الشعري الذي نعده من طبيعة العربية ومن ألطف خصائصها.
نخلص مما تقدم الى أن السمات المميزة للعربية، سواء ما تعلق منها بظاهرة التصريف الإعرابي، والنزوع إلى الأصوات الصامتة، وخصوبة الأوزان أو بصرف الأسماء وصرف الأفعال، تضفي على نظامها العام طابعا مزدوجا. فهو محافظ من جهة ومبتكر من أخرى. وهذا، على ما نرجح، مظهر من مظاهر «شعرية اللغة». قد يكون استخدام مصطلح «محافظ» و«مبتكر» أدق في السياق الذي نحن به من المصطلح «الأدونيسي»: «ثابت» و«متحول».

٭ كاتب تونسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية