لندن – “القدس العربي”: نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” تقريرا أعده مراسلاها لورا بيتل وديفيد شيبرد حول تركيا ولعبة القوة حول احتياطات الغاز في البحر المتوسط. وأشارا في البداية لرحلة استطلاعية من الجو قام بها مسؤول السياسات الخارجية جوزيف بوريل مع وزير الدفاع القبرصي لمعاينة عمليات التنقيب التي تقوم بها تركيا في منطقة منحت لشركتي توتال الفرنسية وإيني الإيطالية. وكانت رحلة بوريل نهاية حزيران/يونيو بمثابة دعم لقبرص في خلافها مع تركيا التي ترى في نشاطات الشركات الفرنسية والإيطالية غير قانونية.
ووصفت الصحافة التركية المؤيدة للحكومة بأن رحلة بوريل “استفزاز قبيح”. وتقول الصحيفة إن أنقرة متهمة بالاستفزاز. ففي ظل رجب طيب أردوغان “تبنت تركيا سياسة حازمة ضد استبعادها من استغلال مصادر الغاز في البحر المتوسط والتي تزعم 8 دول أن لها حقا بها، وتتراوح من ليبيا ومصر إلى إسرائيل”. وبحسب نائب الرئيس أردوغان فؤاد أقطاي: “نمزق ونرمي خرائط شرق المتوسط التي تسجننا في البر”.
وترى الصحيفة أن المنطقة قد تكون المسرح الأخير للعبة الوقود الأحفوري في وقت تواجه فيه دول الحوض احتياطات للطاقة، وأدت الكشوفات في السنوات الأخيرة لتحويل مشهد الطاقة بالمنطقة وإلى خلق تحالفات بين دول المنطقة لم تكن لتحدث أبدا. وتتعاون مصر وإسرائيل في مجال الغاز الطبيعي فيما ترى اليونان وقبرص أن الغاز الطبيعي قد يساعدهما على التخلص من الوقود الملوث مثل الفحم. والهدف الأولي لعمليات التنقيب هو توفير الطاقة لدفع الاقتصاد المصري النامي ولكن على المستوى البعيد يرى الخبراء إمكانية نقل الغاز إلى جنوب أوروبا وتخفيض اعتماد أوروبا على الغاز الروسي. ولكن تركيا استبعدت من التعاون نظرا لعلاقتها المتوترة مع عدد من اللاعبين في المنطقة ولهذا فقد تعرقل هذه الطموحات.
وأرسلت أنقرة البحرية التركية لملاحقة شركات النفط الدولية التي تحاول التنقيب بشرق المتوسط بل وأرسلت شركاتها للحفر فيه. وما بدأ كنزاع بين تركيا وقبرص بات نزاعا يغذي اللعبة الإقليمية التي جرت إليها دول بعيدة في الخليج وأثار عدم ارتياح في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. وكانت آخر نقطة ساخنة هي ليبيا التي وسعت فيها تركيا هذا العام من وجودها العسكري ووقعت اتفاقية مع حكومة الوفاق الوطني تسمح لها بالتنقيب عن الغاز في مياهها الإقليمية.
وتقول الصحيفة إن تدخل تركيا المفتوح في النزاع الليبي وضعها في مواجهة مباشرة مع مصر والإمارات العربية المتحدة وروسيا التي تدعم الجنرال المتمرد خليفة حفتر. وتقول دوروثي شميد الخبيرة في تركيا بالمعهد الفرنسي للعلاقات الدولية بباريس: “تحولت إلى موضوع إستراتيجي”. وتقول إن أنقرة ينظر إليها في أوروبا “كلاعب عدواني يخوض حربا في عدد من مناطق المنطقة وتتصرف بطريقة عدوانية ضد أوروبا”. وكان قرار إرسال السفن التركية للتنقيب متناسقا مع سياسة تركيا الحازمة. ويقول أوزليم كيغوسوز، الأستاذ بالعلاقات الدولية بجامعة أنقرة، إن أردوغان وعددا من المقربين إليه يعتقدون أنهم يقومون بإعادة أهمية تركيا في عيون العالم.
ويعتقد أنه كلما كان لعب تركيا حاسما، أصبحت مهمة ومن الصعب تجاهلها في مصالح الغرب بالمنطقة. ويقول أنتوني سكينر، مدير البحث في شركة استشارات فيرسيك مابلكروفت، إن هناك إمكانية لتوصل تركيا لتسوية مع قبرص تنهي النزاعات الإقليمية الأوسع، إلا أن هذا سيحتاج لسنوات طويلة. وحتى يتم تحقيق هذا فمياه البحر المتوسط ستظل متوترة. وقال إن طريقة أردوغان في المواجهة تجعل من فرص التصعيد حقيقية. وتقول الصحيفة إن جذور النزاع تعود إلى 50 عاما بين جنوب قبرص التي تدعمها اليونان وشمال قبرص التي تدعمها وتعترف بها الحكومة التركية فقط.
وبدأ قلق تركيا بالنمو بداية القرن الحالي عندما تم اكتشاف الغاز في المنطقة. وفي كانون الأول/ديسمبر 2011 أعلنت الشركة الأمريكية نوبل للطاقة عن “مصادر مهمة للغاز الطبيعي” وبعد 4 أعوام أعلنت شركة إيني الإيطالية عن حقل ظهر في المياه المصرية والذي يحتوي على 850 مليار مكعب من الغاز الطبيعي. وأعلن الرئيس القبرصي في حينه ديمتريس كريستوفياس أن الاكتشاف يعتبر تطورا تاريخيا وقد يقود إلى السلام الإقليمي. إلا أن جولات من المحادثات فشلت في التوصل لتسوية. فمن جهة تركيا وقبرص الشمالية ومن جهة أخرى قبرص واليونان ومصر وإسرائيل والإمارات العربية وفرنسا التي نشرت بارجة تشارلس ديغول في شباط/فبراير لدعم مجموعة توتال- إيني في وجه الضغط التركي.
وتقول قبرص إن التنقيب عن الغاز قانوني وتدعمه معاهدة الأمم المتحدة لقوانين البحر عام 1982 والتي وقعت عليها 167 دولة وكذا الاتحاد الأوروبي. إلا أن تصميم نيقوسيا على المضي قدما في التنقيب قبل توقيع معاهدة سلام أغضب تركيا التي لم توقع على المعاهدة الدولية وترفض قواعدها. وشجع تدهور العلاقات التركية مع عدد من دول المنطقة قبرص على المضي في برنامجها ولعبت كمحور للتعاون بين مصر وإسرائيل. ومع اليونان تعاونت هذه الدولة على خطة لتصدير الغاز إلى دول المنطقة باستثناء تركيا. وفي العام الماضي انضمت إلى إيطاليا والأردن والسلطة الوطنية لتشكيل منبر غاز شرق المتوسط. ومن بين الخطط الكبرى هو إنشاء خط لنقل الغاز إلى اليونان، ولكنها واجهت عراقيل لأن الخط الذي يبلغ طوله 2.000 كيلومتر يمر بمياه عميقة. ونظرا للتخمة من إمدادات الغاز الطبيعي فإن بناء خط طويل كهذا قد لا يكون مربحا بعد التكاليف التي ستنفق عليه.
ويقول جين- باتسيت بوزارد من شركة استشارات وود ماكينزي: “ليس من الواضح أن أوروبا تريد هذا الغاز لأنها تأخذ إمداداتها من روسيا والجزائر والنرويج. ولكن الطموح الآخر هو تزويد الغاز لمصر واستثمار موانئ الغاز المسال لتصدير كميات إضافية. ونظرا لعزلتها قامت تركيا في عام 2018 بتعويق النشاطات هذه حيث قال مدير شركة إيني إنه لا يريد حربا بسبب الغاز. ثم بدأت تركيا نهاية ذلك العام بالتنقيب في المياه العميقة حيث أرسلت سفينة الفاتح.
وتقول تركيا إنها تحاول تنويع مصادر الطاقة وتقليل اعتمادها على روسيا وإيران. لكن بعض المراقبين يرون أنها تريد عرقلة عمل الآخرين. ويقول ريتشارد برونز المؤسس المشارك في شركة “إنيرجي أسبكتس” إن تركيا في وضع مثالي لإحباط أي تطور في شرق المتوسط. ولكن تحركاتها مدفوعة بالسياسة لا الاقتصاد. وهو رأي يتفق مع قبرص التي أصدرت بيانا لاعتقال طاقم السفينة التركي وشجبت أفعال أنقرة. وفي كانون الثاني/أكتوبر أعلنت تركيا عن سفينة ثانية مما دعا قبرص للقول إن “تركيا تحولت لدولة قرصنة”. وطلبت قبرص دعم الاتحاد الأوروبي الذي رحب بها كعضو، واعتبرت بروكسل النشاطات التركية غير قانونية وطالبتها بالتوقف.
واتهمت أنقرة بروكسل بتبني موقف قبرص واليونان. وقال تشاغاتاي إرسيز مدير الشؤون البحرية بوزارة الخارجية: “أصبح الاتحاد الأوروبي أسيرا للمواقف المتطرفة لليونان وقبرص اليونانية”. وقال إن بروكسل تفضل أن تكون جزءا من المشكلة لا محاولة حلها. ووجدت تركيا نفسها في عزلة عندما رفع الكونغرس حظر السلاح عن الجزيرة وزاد من المساعدات ودعم نشاطات التنقيب عن الغاز. وقال السيناتور روبرت ميننديز: “وضحنا أننا لن نقبل عدوان تركيا على منطقة شرق المتوسط”. وتقول نيغار غوسكل، مديرة تركيا في مجموعة الأزمات الدولية، إن أملا في حل النزاع كان قائما ولكن ما هو متوفر الآن “العصا لا الجزرة”.
وتشير الصحيفة إلى الصفقة الليبية التي تعتبر جزءا من مصالح تركية سياسية واقتصادية في هذا البلد، فبالإضافة لدعم حكومة الوفاق الوطني ضد حفتر لدى تركيا اهتمام بالغاز. ووقع البلدان عقدا في تشرين الثاني/نوفمبر لترسيم المياه البحرية وهو تحرك وصفه وزير الخارجية اليوناني بالتافه لأنه تجاهل حقوق جزيرة كريت. واعترف مسؤول تركي أن الهدف من الصفقة هو منع أي خط غاز في المتوسط. وحذر دبلوماسيون غربيون من تصعيد جديد حالة قامت تركيا بالتنقيب قرب كريت بشكل سيجبر اليونان على الرد. وانضمت الإمارات في أيار/مايو إلى اليونان ومصر وفرنسا وقبرص حيث شجبت النشاطات التركية واعتبرتها غير قانونية. وردت تركيا باتهام الدولة هذه بتشكيل حلف الشيطان ضدها.