المملكة السعودية… محاولة الاقتراب من التضاريس الوعرة

حجم الخط
1

في الحقيقة لا يستطيع أحد، من خلال المشهد العربي البائس، أن يدَّعي أن الدول العربية المركزية، أو تلك الدائرة في أفلاك المراكز، انتصرت بشكل حاسم لأي أمر يتعلق بحياة شعوبها ونهضتها الحضارية، بل بالعكس فإن المنطقة العربية كأُمة ما انفكت تشهد تراجعاً مخيفاً مقارنةً بمناطق مختلفة من العالم.
لكن وبشكل خاص يتعين التوقف أمام المملكة السعودية باعتبارها أكبر قوة اقتصادية عربية ومصدرا معنويا روحيا للمسلمين لا يستهان به، والدولة العربية الأكثر تأثيرا في العالم، من خلال ثرواتها البترولية الهائلة وتحالفاتها الاستراتيجية مع الدول الكبرى. والأمر لا يدخل هنا في نطاق البروباغندا المضادة، ولكن يعكس همّاً سياسياً، وتوقاً عاماً في الوقت ذاته لاستجلاء بعض المسائل الرئيسة، خاصة ان الشعوب العربية تعيش اليوم وضعاً استثنائياً ربما سيصرفها لردح من الزمان عن ركب المسيرة الحضارية لهذا العصر. ولذلك فإن الأمر يستدعي الكثير من إعادة النظر في دور الدول الكبرى.
إن أهم ما يمكن تلخيصه من مواقف المملكة في تاريخها السياسي القديم والحديث هو نفورها من مشاريع التغيير على الساحة العربية بشكل عام. والحقيقة لا يمكن لأحد أن يدّعي أنَّ المملكة لم تكن تمتلك أسباباً داخلية شكلت دافعاً قوياً لمواقفها القديمة والحديثة، إلا أن ما يؤخذ عليها وخلال عمر دولتها أنها لم تكن في الماضي ولا في الحاضر تمتلك مشروعاً حضارياً عصرياً متكاملاً، سواء على صعيد الدولة القُطْرية داخلياً أو على الصعيد القومي. فقد انكفأت على سياساتها التقليدية منطلقة من بعض الثوابت التي تعد ضرورات حيوية لبقاء نظامها السياسي. وتكمن تلك الثوابت/ الضرورات في ثنائية صارمة تتمثل في الحفاظ على المَلَكية المطلقة كحاكمية شرعية على مجتمع تقليدي محصَّن داخل سياج من النُظم والعادات الدينية الاجتماعية المنغلقة والمتشددة، وفي الاعتماد على حماية الولايات المتحدة والغرب لكيانها ولحضورها كدولة فاعلة في الشرق الاوسط.
المملكة السعودية دولة تمتلك احتياطات نفطية هائلة، وتعد أكبر دولة مُصدِّرة للخام في العالم، كما أن لديها احتياطات غازية كبيرة تنمو بشكل مطرد، وهناك إمكانية لتطوير النفط والغاز من مكامن غير تقليدية في شمال غرب المملكة. مما يشير الى أن المملكة خلال هذا القرن ستبقى لاعباً أساسياً في مجال الطاقة، على الصعيد الدولي. ورغم الاعتقاد السائد بأن الولايات المتحدة تسير باتجاه تقليص اعتمادها على نفط المملكة (وهو أمر مؤكد) نتيجة الزيادة المتسارعة في الانتاج، انطلاقاً من عام 2008 بسبب الوفرة في اكتشافات الزيت الصخري هناك، الا أن المملكة ستظل مركزاً متقدماً لإمداد السوق العالمي في مناطق مختلفة بمصادر الطاقة، وكذلك في التأثير على السياسات السعرية، وهو أمر شديد الحساسية بالنسبة لاقتصاديات العالم.
في كل ما تقدم يظل السؤال الحيوي راسخاً في العقل العربي، طالما والمملكة منذ عهد بعيد تعتبر الأكثر ثراء والأكثر تحكما بمصدر الطاقة الرئيس في العالم.. فماذا صنعت للعرب وماذا قدمت لقضاياهم؟ وهو سؤال مشروع جداً ومتجدد لأن المملكة ليست دولة قائمة لذاتها، بل لها محيط كبير من الدول العربية التي ارتبطت بها تاريخياً، وترتبط معها عضوياً وحضارياً ووجودياً وتتأثر صعوداً وهبوطاً مدّاً وانحساراً بها ومعها.
ومن باب الإنصاف يجب الاعتراف بأن المملكة قدمت مساعدات مالية وعينية لكثير من الدول العربية والدول النامية منذ عام 73 ( عام الطفرة السعرية الاولى للنفط)، وهناك صناديق متخصصة للدعم والإغاثة والمساهمة في الحالات الضرورية التي تواجهها الشعوب، وهذا ما يفعله ايضاً كثير من دول العالم المقتدرة.
وبدون الخوض في تفاصيل لا حصر لها فانه يمكن الإشارة بالمجمل إلى أن المملكة تقدم معونات مختلفة للاشقاء ولأهداف متعددة وبقدر متفاوت بين دولة وأخرى.. فعلى سبيل المثال بلغ مجمل الدعم للدول العربية، حسب بيانات رسمية، 200 مليار ريال مقدم بين عامي 1990 و 2013، في الدرجة الأولى لبعض الدول الخليجية كعمان والبحرين، وتأتي مصر بالدرجة الثانية (ما يزال جزء كبير منها تعهدات مجدولة)، ثم تأتي بعض الدول العربية الاخرى. وتصنَّف تلك الأموال بانها مساعدات غير مستردَّة وقروض ميسَّرة.
لكن، وهذا هو الأهم، في الجانب الآخر تعتبر المملكة من أكبر دول العالم تصديراً لرؤوس الأموال الى البنوك الغربية، كما ان للمملكة أصولا في الخارج صنفتها مؤسسات دولية، في مستهل هذا العام، بأنها من أكبر الصناديق السيادية في العالم، بنحو 675.9 مليار دولار، وقد عمدت تلك الصناديق بشكل سريع إلى ضخ الأموال في بنية الاقتصاد الأمريكي خلال الأزمة المالية التي شهدتها الولايات المتحدة عام 2008، بينما فضّل معظم المستثمرين، حينها، النأي بعيداً عن السوق الأمريكية جراء المخاوف من احتمال تعرض ذلك الاقتصاد للركود. ومن زاوية أخرى فإن الاحتياطات المالية للدولة السعودية والائتمان المصرفي للقطاع الخاص في بنوك العالم تتزايد بشكل كبير ومستمر. ووفقا لبيانات مراكز متخصصة، تجاوزت الاحتياطيات المالية الحكومية في الخارج حدود التريليوني ريال بنهاية عام 2013, وهناك حديث عن هجرة رساميل محلية بصورة متعاظمة الى امريكا وبريطانيا وفرنسا بسبب غياب سياسات حكومية فاعلة في توجيه رأسمال القطاع الخاص وكذلك تصريف الفائض في الموازنات الحكومية، خاصة بعد الطفرة النفطية الاخيرة منذ عام 2006.
إن السؤال الاكثر إلحاحاً اليوم هو: هل تستطيع المملكة، ومعها دول الخليج، ان تعيش كجزيرة آمنة مترفة في محيط من الشعوب العربية التي تعاني من عُسري الفقر والخوف، وتعيش وضعاً متهاوياً تماماً وهو الأسوأ في التاريخ الحديث؟ ليس المطلوب أن تقفز المملكة فوق الممكن، بل المطلوب أن تكون هناك استراتيجيات جديدة شاملة تجاه المنطقة العربية تنقذها تدريجياً وتسير بها ومعها نحو أفق آخر.
إن أحداً لا يقوى على الاعتقاد الآن بأن المملكة تمتلك النوايا أو التوجه الجاد لإجراء مراجعات شاملة موضوعية لسياساتها وتقييم الذات بما يتوافق مع التحديات الحضارية، والواقع الخطير الذي تعيشه الشعوب العربية الذي بكل تأكيد سيلقي بظلال ثقيلة غير معروفة نتائجها على كل دول الاقليم، بما فيها المملكة ذاتها. لكن الأمل يظل راسخاً بأن عجلة التغيير ستمضي، خاصة ان اجيالاً جديدة نالت قدراً وفيراً من التعليم النوعي في أهم جامعات الغرب الاوروبي والأمريكي، ستشكل رافعة حقيقية في بناء واقع جديد يتناغم ويتواصل مع مسيرة التطور العالمي، وينعكس ايجابياً في اداء المملكة على كافة المستويات. لكن السؤال يبقى: متى؟

٭ كاتب يمني

احمد عبداللاه

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية