الشاعر الكويتي علي السبتي: من «ألف» التجديد حتى «ياء» المرض … قامة شعرية يصغر أمامها الوفاء

حجم الخط
0

الكويت ـ «القدس العربي من : لايكاد علي السبتي يفارق فراش المرض، الشاعر الكويتي البشوش صاحب النكتة الساخرة والروح المرحة المستسلم لعزلة غير شاعرية يصارع فيها المرض، مرة يهزمه فينتكس ومرات يقاومه فيتحسن ليستقبل صديقا أو يقرأ كتابا، وما بين الإعياء والإعياء تمضي الأيام به في صمت، خارج الأضوء كما كان في أيام شبابه أو عافيته بعيدا عن الإعلام، أو اللهاث وراء الشهرة، فلم تكن النجومية تشكل هاجسا بالنسبة له، رغم زخم تجربته الشعرية كمبدع متفرد بخطه الشعري وثراء خبرته الإعلامية، وكاتب مقال مخضرم في الصحافة الكويتية والإنسانية بتواضعه الجم الذي كان يزيده توهجا وحضورا، ما أضفى على روحه نبلا جذب محبيه حوله. ومع علي السبتي دخل الشعر الكويتي مرحلة الحداثة الشعرية، فقد كان هو أول من طرق بابها بقوة بقصيدته «رباب» (1955) التي تبدت بهذا الشكل الجديد الذي ستكون له الصدارة في ستينيـات القرن العشرين وما بعدها.
قبل مرضه لم تستهوه عوالم الميديا الحديثة، ولم تكن له حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي مثل» الفيسبوك أو تويتر، ولكن كانت رابطة الأدباء الكويتيين وجهته خارج البيت في مشواره اليومي الذي لا يمله وفي ديوانيتها كان يلتقي بأصدقاء الدرب، ومحبيه ومن الشعراء من عدة أجيال، ومنهم الشباب الجدد الذين كان يلتقيهم ويسمع قصائدهم ويحتوي تجاربهم، ولايبخل عليهم بنصيحة في بناء القصيدة وعمارتها، وكان داعما أساسيا لنصوصهم الشعرية ويمر عليهم في منتدى المبدعين الجدد، ويبارك حضورهم ويقدم نصائحه بما يطور تجاربهم، كل يوم اثنين في موعدهم الأسبوعي.

صداقته بالسياب حتى مثواه الأخير

يقول السبتي عن علاقة الشعر والصداقة مع الشاعر بدر السياب: بالنسبة إلي لم تطو صفحة الشعر، لأني طرف في تلك الصداقة، ولأن بعض تفاصيلها ما زال حياً في ذاكرتي ووجداني، فلن أقول انها صفحة انطوت. أربعون عاماً مرت على رحيل بدر شاكر السياب وكل عام تتجدد معرفتي به شاعراً. أعتبره إلى اليوم أستاذي في الشعر، فتح أمامي أبواباً جديدة أطرقها في تذوق الشعر وكتابته. أستفيد حتى اليوم من شعره. أقرأه باستمرار وأتأثر بشعره. أستذكر الأيام التي أمضيتها معه ومع أشعاره، لذا أقول ان صفحة صداقتنا لم تطو. شدني قبل أربعين عاماً أسلوبه في التجديد المدعم بالثقافة والقائم على أساس يحميه من التعثر. لم يغفل بدر شاكر السياب أهمية الشعر العربي في التعبير عن الواقع وخصوصية التجلي في خيال لا يجنح بعيداً عن الواقع. أذكر أني سافرت خلال مرض السياب إلى بيروت وقابلت هناك الشاعر أدونيس الذي قال لي: لِمَ لا تدعو السياب إلى كتابة مذكراته؟ أوصلت الرسالة إلى السياب الذي أجاب قائلاً: شعري هو مذكراتي. يعود بي ذلك ثانية إلى سؤالك حول ذكرياتي عن تلك الحقبة، وبقي شعر السياب يحمل الكثير من الذكريات، سواء المشتركة أو التي عاشها في تلك الفترة ونقلها إلينا لنحملها في ذاكرتنا.

صداقته ببدر السياب

يقول ناجي علوش الذي كتب مقدمة ديوان بدر شاكر السياب: ذات يوم أخبرني الشاعر الكويتي علي السبتي أن السياب سيأتي إلى الكويت للعلاج بعد مرض عضال أصابه، فاتفقنا على أن نستقبله في المطار، وذهبت في الموعد المحدد لوصوله إلى المطار، كان يبتسم ويبدو مرحاً، لم يكن يستطيع المشي، ساعدناه على الوصول إلى الأرض حملاً، وانطلقنا به إلى المستشفى الأميري، وفي المستشفى كان يزوره الشاعر علي السبتي، ويشرف عليه كما كان يزوره الشاعر محمد الفايز، والشاعر فاروق شوشة. وعندما عاد السياب إلى الكويت كتب السبتي قصيدة «قبل الرحيل» قال فيها:

أنا بانتظارك يا دمار فخلني
أرتاح من همي ومن آلامي

وعندما توفي بدر شاكر السياب في المستشفى الأميري في الكويت، حمل الشاعر علي السبتي جثمان صديقه، وسار به إلى منزله في البصرة.
وتجربة السبتي الشعرية جديرة بالاهتمام والتأمل، لما فيها من أبعاد إنسانية عدة، يقول السبتي في قصيدة له:

وحدي، والليل الساجي، وأزيز الصرصار من الحمّام
وبرأسي أفكار تتصادم، هيهات أنام
والكأس أمامي فارغة… هيهات أنامْ
أبحث في درج المكتب عن مكتوب
عن موعد حب في الغد خلق في وهمي محبوبْ
أطعمه الأشعار بلا عد
لكن الليل يئز به الصرصار
ينسج فوق جبيني خيمة عار
فأمزق ما في الدرج من الأشعار.

الحس القومي

الدكتور خليفة الوقيان يرى السبتي عالما متسع الارجاء، ويمكن الدخول الى هذا العالم من زوايا متعددة، لافتا إلى أن السبتي وجد في مرحلة مهمة من تاريخ الكويت، فمثّلها خير تمثيل عبر حسه ومواقفه القومية، من خلال اشتراكه في لجنة الاندية الكويتية، التي جمعت شبابا يؤمنون وينتصرون لقضايا التحرر الوطني في العالم العربي، مشيرا الى انتماء السبتي إلى طبقة الكادحين من ابناء البحر الذين لهم الفضل في تأسيس هذا المجتمع في نمائه، وقصيدته «موال كويتي» تعبر تماما عن هذه الطبقة الاجتماعية التي خرجت من دون أن تستفيد من التحولات التي طرأت على الكويت بعد تفجر النفط.
وتطرق الوقيان الى الجانب الشعري لدى الشاعر السبتي فقال: إنه الأهم بالاضافة لكونه كاتبا ايضا له اسهاماته المهمة في الصحافة، فكان يراسل المجلات مثل مجلة «اليقظة»، ثم انتقل الى الصحافة المحلية من خلال زاوية «ديوانية» في جرائد «الانباء» و»السياسة» و»الوطن» وفي كل كتاباته كان على وعي اجتماعي واضح يتبنى قضايا البؤساء والمحتاجين، ولو جمعنا هذه الكتابات لوضح نضاله من أجل المهمشين وهذه القضايا لم يتزحزح عنها… وهو كشاعر يأتي في مقدمة المجددين والملتزمين بدور الادب في المجتمع وهو عروبي حتى النخاع.

محب للمسرح

ويصفه صديقه الكاتب عبدالعزيز السريع بقوله: علي السبتي قامة أدبية كبيرة ومن الشعراء المهمين، وقد تعرفت عليه في وقت مبكر، وكان يزورنا في فرقة مسرح الخليج العربي وينشر في النشرة التي يصدرها المسرح تحت عنوان «الكلمة» كنوع من التشجيع للشباب المشتغلين بالأدب، كما كان يحرص على حضور العروض المسرحية المختلفة والتعليق عليها، مضيفا أنه كان يتميز بالنخوة والفزعة التي يتميز بها الكويتيون عامة من حب مساعدة الآخرين وتقديم يد العون لهم، ويتواصل كذلك مع كبار السن ويزورهم، كما كان يخفي الكثير من أدواره المهمة مثل دوره مع الشاعر الراحل بدر شاكر السياب خلال فترة مرضه، وموقفه النبيل في مناشدته وزير الصحة آنذاك لعلاج صديقه السياب في المستشفى الاميري.
وأضاف السريع: كنا نتابع قصائد السبتي في مجلة «الآداب» التي كان ينشر فيها أهم الشعراء في الوطن العربي. مشيرا إلى سعادة السبتي بعد طباعة ديوانه الأخير «رأيت الذي رأى» وأنه كان راضيا عنه

شاعر حداثي

الدكتورالاديب سليمان الشطي قال: علي السبتي الشاعر يمتاز بأنه مؤسس الحداثة في الشعر، وإذا كانت هذه الحداثة شكلية فإنه في قصائده أصيل الى أقصى درجة، وفي قصائده التي يحافظ فيها على البناء الفني حداثته تقفز من الشكل الى المضمون، فهو في المقدمة بلا شك.
وذكر الشطي واقعة حدثت عام 1981 حينما كان يلقي محاضرة في جامعة فاس المغربية، وفوجئ بأحد الشباب من الحشود الموجودة يسأل عن السبتي، وتعجبت كيف وصل صيته الى أقصى المغرب العربي.
وتحدث الشطي عن علي السبتي الكاتب فقال: كان كاتبا من نوع خاص ليس في الاسلوب أو طريقة الصياغة، ولكن فيما يقول ويطرح من آراء ورؤى ليؤكد إنه هو الشخص نفسه صاحب المواقف، الصادق الرافض للخضوع تحت أي ضغوط .
وعرج الشطي على السبتي الانسان، مشيرا الى علاقته به التي تعود الى مطلع الخمسينيات، حيث كان يراه دائم القراءة، وكانت تجمعهما لقاءات كثيرة، موضحا: السبتي شخصية صريحة لأقصى حد وهو في ذات الوقت طفل سريع الاعتذار، لا ينتظر أن يكبر، أي سوء فهم بينه وبين الآخر، واتذكر دعمه لي حينما بدأت أكتب عام 1964 طلب مني نشر كتاباتي في مجلة «أضواء المدينة»، ثم نشر كتابي الاول سنة تخرجي، لافتا الى أنه أحد مؤسسي رابطة الادباء.

قصائده فنيا

يقول الناقد د.فايز الداية في ورقة نقدية عن السبتي: إنّ دراستنا لدلالات البحر والرموز في شعر علي السبتي تبيّن كيف تتشكل القيمة التعبيرية لتقنيات أسلوبية في قصائد الدواوين الثلاثة «بيت من نجوم الصيف 1969 وأشعار في الهواء الطلق 1980 وعادت الأشعار 1997»، وذلك عبر تفاعل المعرفي والسياق – الموقف واتجاه الرسالة نحو المتلقي، وبهذا نحقق الهدف الأساسي وهو الوقوف على طبيعة القصيدة العربية الحديثة ومكوّناتها في ركن من الوطن العربي الكبير، يضمّ إلى النتاج الشعري في العواصم الكبرى في الشام والعراق ومصر لترتسم ملامح الإبداع وأطيافه، وهي ترتبط بمرحلة تاريخية من جهة وبتصوّر مطلق للتجربة الإنسانية من جهة أخرى، لذلك نشير إلى الهدف الآخر الذي تقدّمه إلينا أشعار علي السبتي، وهو إضاءة رؤية ثقافية فكرية عربية لجيل من أدباء الكويت والخليج العربي، في مرحلة نهوض المشروع العربي الحضاري السياسي في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، وبهذا يمكننا أن نلمّ أجزاء الصورة، ونضع أمامنا تساؤلاتها وقضاياها في تواز مع سياق أيّامنا ونسأل بدورنا هل طويت تلك الصفحات أم أنها حاضرة بقسماتها أو بهزّات ارتدادية لزلزال لم يغلق نشاطه؟.

علي حسين السبتي ولد عام 1935 في الكويت، وحاصل على شهادة الصف الرابع المتوسط من المدرسة المباركية. وعمل مديراً عامّاً لمؤسسة أهلية، ورئيساً لتحرير مجلة «اليقظة»، وكانت له زاوية في جريدة «الوطن» بعنوان (من الديوانية)، وهو عضو في رابطة الأدباء، وفي جمعية الصحافيين. ونشر العديد من القصص والمقالات في الدوريات الكويتية والعربية. ومن دواوينه الشعرية: «بيت من نجوم الصيف 1969 – أشعار في الهواء الطلق 1980 – وعادت الأشعار»، حصل على جائزة الدولة التقديرية عام 2006

منى الشمري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية