تكتمل فرحتنا بمجرد انتهاء شارة البداية، فنعد عدتنا لمشاهدة يوميات «توم سوير» التي تربطنا بشقاوتنا في المدرسة، حتى يتخيل لنا أنه أحد زملائنا في الفصل الدراسي. فمن منا لا يتذكر صفعات الأستاذ المبرحة ومغامرات جاك في النهر، بصور فكاهية ساخرة، أضحكتنا وأمتعتنا، لتصبح مخلدة عبر أروقة ذاكرتنا.
قدّم هذا المسلسل الكارتوني مفارقات كثيرة لم ندركها في صغرنا، فألغى الهوة بين الجمهور، بمخاطبة جميع طبقات المجتمع، وتوظيف عبارات عميقة من واقع الحياة، ناقدًا الأفكار الاجتماعية البالية، متمردًا بذلك على الواقع. مارك توين استخدم هذه المغامرات كوسيلة إبداعية للوصول إلى كل بيت، جاعلًا من الأدب الساخر أداة مؤثرة في عقول المشاهدين. كذلك لم يغفل جورج أورويل في روايته الشهيرة «مزرعة الحيوان»، عن محاكاة الواقع المعيشي، بحضور قوي امتد من 1945. فهذه الرواية رغم مرور سبعة عقود على صدورها، إلا أنها ظلت تشغل الرأي العام، وتطرح العديد من التساؤلات والقضايا الساخنة الحالية، وكأنها وليدة اللحظة الراهنة، حتى صارت منهجًا يدرس في المدارس الإنكليزية.
وظف أورويل الحيوانات في الرواية، كرمز مجازي تنويري يسلط الضوء على الجشع والغيرة والقسوة. بدءًا من خطاب الخنزير العجوز، الذي تحدث بتناقض عن المساواة إلى حين لحظة اكتشاف النزعة الاستبدادية فيه، من خلال المهام التي أوكلت إلى كل حيوان. كما نجح الشاعر محمد الماغوط بعباراته الشهيرة «إن الذي سيقضي على العرب في المستقبل ليس البراكين والفيضانات، بل المزايدات» في كتابه «سأخون وطني»، في إظهار مواطن زيف الشعارات الرنانة في المجتمعات العربية، بوجع ينذر باضطهاد ولعبة حسمت نتيجتها منذ زمن. بالإضافة إلى ذلك، حمل الكاتب هاني نقشبندي في روايته «نصف مواطن محترم»، هموم المواطن، بقالب تجريدي بعيدًا عن أي زمان ومكان، عرّى فيها كل مظاهر الحياة وظروفها، بمواقف نقدية وفلسفية بحتة الهوية، ومتعة يجعل فيها القارئ يضحك كثيرًا ويتوقف برهة، ليتأمل ويذهل من وضعه الحالي. إن السخرية لن ولم تتوقف حتمًا، فهي السحر الذي يحول اللحظة الباكية إلى موجة من الضحك، إنها ليست صدفة، بل تكنيك كتابي عال الحس مسموح ممنوع.
٭ إعلامية وكاتبة من البحرين