رواية «خُلق إنساناً» للأردنية عنان محروس: صرخة في مواجهة الظلم

في العنوان الذي هو عتبة النص الأولى، والمفتاح الذي من خلاله سنفتح الأبواب المغلقة للنص الروائي، نجد تلك الصرخة التي تطلقها الكاتبة في وجه العالم، وتقول له بدلالات الرمز إنه خُلقَ إنسانا مثلنا، له الحق بالعيش والحب والفرح والحزن، إنه يمتلك المشاعر ذاتها التي نمتلكها. وكأنها تريد أن توصل فكرة حق العيش لبطلها آدم وشخصيتها المركزية في الرواية، لذلك كان العنوان الدلالة الأولى في سيميائية النص.
تداعيات المشهد الأول لبيت فقير في حي شعبي متواضع، تسكنه أسرة مفككة، من أب سلبي وأم متسلطة، وأطفال جميعهم يعملون في التسول من أجل كسب المال، والعودة مساءً جياعاً وهم ينقدون (بهية) أمهم المفترضة بما جمعوه خلال رحلة الشقاء اليومية. هنا تستجمع الروائية قدرتها وتقدم للقارئ سرداً جاذباً، رغم مرارته وذلك الكم الهائل من الأسى الذي يغلفه، إلا أنها لم تغفل عن عنصر الشغف لتقديم سيرة حياة تلك الأسرة، التي يتحكم بها القهر والجوع والحرمان، وإسقاط تلك الدلالة على ما تعانيه كثير من الأسر العربية نتيجة لغياب العدالة والقانون.

الرواية

تبدأ الروائية بنبش كل تلك الاختراقات التي شوهت معالم الحياة الإنسانية، نتيجة الفقر والتسلط والظلم الذي مارسته (بهية) على بقية أفـــراد العائلة، مما سلبهم بشريتهم، في ظل وجـــود أب لا حول له ولا قوة مسلوب الإرادة، وينفــــذ كل ما تأمره به زوجته المتسلطة، هــــذه البيـــــئة أحدثت شروخاً في نفسية الأطفال، امتدت إلى أربعـــين سنة لاحقة في حــــياة الأسرة وتحديداً (آدم) الشخصية المركزية و(سلمى) الشخصية الثانوية التي أجبرتها أمها على ممارسة البغاء من أجل كسب المال، وكانت نهايتها حزينة بموتها جراء مرض الأيدز.
اعتمدت الروائية تقنية الفلاش باك في سرد التفاصيل وجاء معظم (الحكي) على لسان آدم، الذي عرّى المجتمع، وأظهر مستوى البؤس الفكري الذي يعتري هذا العالم المتوحش من وجهة نظره، والذي استبدل عاطفته وحسه الإنساني بغريزة الشهوة والطمع وحب المال، منذ بداية عمله على الإشارة الضوئية كمتسول وإحساسه بالجوع والبرد الذي ينخر طفولته، وانتهاء بالمساء القاسي الذي يتعرض فيه للضرب من أبيه السلبي، بوشاية من بهية أمه، هذه كانت أيام الطفل الصغير، ظل يتحدث بأسى حتى وصوله للاغتصاب من قبل الباشا، الذي كانت دلالته، أي الباشا، قد تجاوزت القص إلى أبعد من ذلك بكثير، فالباشا هنا هو ذلك الظالم في كل مكان هو الفعل اليومي، لأدوات التفقير والقتل والجوع، وكأن الروائية هنا تصرخ في وجه العالم أن كفى عبثاً بإنسانيتنا.

ثمّة أمل

الشيخ عماد، مريم، والد مريم، الدكتور أمجد، هؤلاء هم شخوص الرواية اللاحقين، لم تذهب الروائية للشر المطلق، بل انحازت إلى القيم السامية التي لن تذهب هكذا بكل سهولة، فأبقت على شعاع الأمل بأن هناك نفوساً ما زالت نقية، وهذه هي معادلة الحياة في الواقع، أنه لا شر بالمطلق ولا خير بالمطلق، فالشيخ عماد تلقف آدم في انكساره وساعده على تجاوز محنته إلى أن ارتبط بمريم، تلك الفتاة ابنة صاحب دار النشر الثرية، التي أحبها آدم بمثالية، إلى أن صدمتنا باعترافاتها لاحقاً.

شيزوفرينيا الواقع

لن يتبادر إلى ذهن القارئ ما ستؤول إليه الحكاية من مفاجآت صادمة، وكيف للمثالية أن تتحول إلى فعل مرضي يدعى الفصام. طرحت عنان محروس فكرة جديدة عن ذلك المرض، وكيف يدفع صاحبه إلى العيش بشخصيتين متناقضتين، وما كان يفعله آدم في الخفاء، الذي كشفته مريم، كان مدعاة لدخوله مشفى للأمراض العقلية. هل للبيئة، العالم، الناس، دور في تلك الشيزوفرينا، كما أن الفصام لم يحدث داخل عقل آدم وحده، ولكنه كان متأصلاً في عقل كل من خذله في طفولته، حتى مريم زوجته وحبيبته مارست شيئاً من ذلك الفصام، حين اختلت بالدكتور أمجد قريبها، ومارسا الجنس لتحمل منه وترضي أنوثتها بأن تكون أماً، أيضاً من الشخصيات المثالية التي مارست ذلك الفصام نوعاً ما، الشيخ عماد رغم كل حبه وعطفه على آدم، إلا أنه وبخه على حبه لمريم، وذكّره بالفارق الاجتماعي بينهما.

لعبة المصادفات

وقعت الكاتبة في بعض الهنات في حركة الحدث، باعتمادها على الصدف، صدفة موت والد مريم وصديقه الشيخ عماد في حادث سير معا، في الوقت الذي حدّث آدم نفسه بتلك الأمنية ليستطيع الوصول إلى مريم بدون معارضة منهما، في الواقع أن تلك الحادثة كانت مفاجئة نوعا ما بدون تمهيد.
في الجزء الأخير من الرواية، تحدثت مريم، وكأن الروائية خبأت كل تلك الأسرار لتحقق الدهشة عند القارئ، بعد كل ذلك العالم المثالي الذي غطت به حياة آدم وحياتها، وقصة الحب التي جمعت بينهما. فكشفت الوجه الآخر لمريم وآدم، وكيف أن تلك العلاقة كانت جسدية ذات مساء ماطر، على الرغم من كل تلك المثالية المدعاة طوال فصول الرواية.

٭ ناقد وروائي أردني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية