العدالة والثواب في رواية «الجريمة والعقاب» لدوستويفسكي

إن أحداث رواية «الجريمة والعقاب» للكاتب الروسي فيودور دوستويفسكي، والشخصيات الرئيسة فيها، تطلعنا على ما يسعى الإنسان إلى بلوغه في هذا الوجود، ألا وهو تحقيق العدالة. نلاحظ، خلال تتبعنا سير أحداث الرواية، وتحركات شخصياتها، أن كل شخصية من هذه الشخصيات في بحثٍ دؤوبٍ عن العدالة، على اختلاف دروبها ووسائلها، فروديون رومانوفتش راسكولنيكوف، الشخصية الرئيسية التي تحتل محور الرواية، هو طالب جامعي سابق يطمح إلى أن يكون أستاذًا، وقد قرر، بدون الرجوع إلى الضمير كما قال، أن يقتل امرأة عجوزًا ليسرق مالها وجواهرها، مع أنه لم يكن في حاجة، لم يستطع أن ينعم بما سرقه، خصوصًا أنه كان بإمكانه أن يفر من الشرطة، ومع ذلك، بقي في مسكنه، محتملا أقسى عقاب نفسي وفكري، حتى وصل به الأمر إلى حد الجنون والتخيَلات، وما ذلك إلا من أجل تحقيق العدالة.
وراح دوستويفسكي يتساءل، على لسان إحدى شخصيات روايته الأرملة كاترينا إيفانوفنا، التي طُردت من مسكنها مع أولادها: «أيجوز أنه لم يبقَ في الأرض عدل؟» وأردفت تقول: «سوف نرى إذا كانت العدالة موجودة». وقد اعترفت ابنة زوجها سونيا، في حديث دار بينها وبين راسكولنيكوف، بأن كاترينا نفسها في بحث عن العدالة التي ينبغي أن تكون موجودة في كل شيء.
وقد ظهر بحث راسكولنيكوف عن العدالة في صرخته التي وجهها لسونيا «لا تعذبيني»، وما عذابه ذاك، سوى توقٍ إلى العدالة. وحين سألها: ما العمل؟»، كان جوابها أن يعترف أمام الجميع بأنه القاتل، لكي تعود له الحياة. العدالة إذن هي الحياة.
ولكن اللافت أن راسكولنيكوف، حين قتل المرأة العجوز، وسرق ما استطاع سرقته، ذهب ليخبئ ما سرقه تحت حجر في أحد البساتين! فأطعم الأرض ما كان بإمكانه أن يطعمه لسنوات، ويبدل حياته بكاملها، وبقي، منذ ذلك اليوم ملبد الأفكار، مصطرع المشاعر، متيقظ الضمير، لم يستطع أن ينعم بما سلبه، بل أصبح يتخيل بعض الأشخاص والأحداث، وكل هذا بسبب عذاب ضميره. فما كان منه، إلا أن توجه، في النهاية، إلى مركز الشرطة ليعترف بفعلته ويصفي فكره.
وفي نهاية الرواية يتلقى راسكولنيكوف نتيجة سلوكه، حين نُفي إلى سيبيريا مدة ثماني سنوات، وتخلص إذ ذاك من عقابه. نعم، فعقاب تلك الجريمة، بالنسبة إليه، لم يكن نفيه والأعمال الشاقة التي كان يقوم بها، إذ لم يكن يشعر بها، بقدر ألم الضمير الذي اعتراه، منذ لحظة الجريمة إلى حين الاعتراف بها. وهذه اللحظة بالذات هي التي أنقذته من عقابه الأليم. وبعد أن تحققت العدالة بدخوله إلى السجن، غدا السجن ثوابًا، والحرية الزائفة عقابًا لا يُحتمل.
وهل شعرَ راسكولنيكوف بحريته، في الوقت الذي تمناها، مثلما أحس بها فولتير في قوله: «يصبح الإنسان حرا في لحظة تمنيه لذلك؟ أم انه وجد تلك الحرية داخل السجن، سجن الجسد، ولم تكن سوى حرية الروح، تلك التي تحدث عنا المهاتما غاندي: «الحرية هي روح الإنسان وأنفاسه».
ولأن القاتل تحرر من قيود أفكاره، وحقق العدالة بنفسٍ هائمة، آثرَ، في نهاية الرواية، ثوابَ الروح على عقاب الجسد، وفضيلة النفس على رذيلة الطين.
هكذا تكون العدالة، مطلب أعظم أدباء العالم فيودور دوستويفسكي، هو الذي عانى في حياته أشد المعاناة، خصوصًا لدى رؤيته فقراء موسكو يعانون من الجوع المدقع، ولدى تأمله مرضى مستشفى للفقراء، حيث كان والده يعمل طبيبًا جراحًا.
ولعل لقاءه بالمزارعين الروس الفقراء، هو الذي ترك في نفسه العطف والرحمة. كما الصمت الذي كان والده يجبره على التزامه أثناء غفوته، استحال دوي إبداعات متتالية، تجسدت في أعظم الأعمال الأدبية وأهمها، روايته الشهيرة «الجريمة والعقاب».
ولا شك في أن نفيَ الكاتب إلى سيبيريا، مع القتلة واللصوص في عام 1848، بتهمة انتمائه إلى جماعة بتراشيفسكي الثورية، هو الذي ترك أثرًا كبيرًا في نفسه أولًا، ونصه تاليًا، في حياته الروحية والأدبية على حد سواء. وقد تجسد هذا الأثر في رواية «الجريمة والعقاب»، وفي كون بطلها راسكولنيكوف قد نُفيَ أيضًا إلى سيبيريا، محتملًا الأعمال الشاقة كذلك الأمر.
إنها رواية كل عصر، تتناول الإنسان: حياته، خلجاته، باطنه، صراعاته وتناقضاته، كل ما يعتريه. تغوص في مكنونات ذاته لتستشف منها الفرح والحزن والكآبة والطهر والظلم والعبودية والتحرر والكراهية. ولتعلنَ أن هذا الإنسان، لا بد من أن يتنفس، ذات يوم، هواء العدالة.

٭ كاتبة لبنانية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية