النكتة الساخرة ذلك السلاح الشعبي النافذ الذي يواجه به الإنسان هموم حياته

عبد الله مولود
حجم الخط
0

استخدمها المعري والجاحظ واتخذها أحمد مطر منصة للنقد

 

نواكشوط-“القدس العربي”:على مر الزمن، ظلت النكتة الساخرة بهازلها وجادها، سلاحا مهما ينفس به الإنسان هموم الحياة؛ فكم من نكتة بسيطة أضفت ابتسامات على شفاه، وأزاحت كابوس المعاناة عن مقهورين.

وفي ظرفنا الحالي، تلقى الناس وباء كورونا بالكثير من التشكيك والسخرية وظهر ذلك جليا في النكت والقصص المضحكة التي عجت بها وسائل التواصل الاجتماعي، ولم يسلم مجتمع من المجتمعات من ظاهرة السخرية والتنكيت والاستهزاء بهذا الوباء، ولئن كانت هذه الظاهرة مستساغة في بداية انتشار الوباء وقبل استفحاله، فإن تنامي ظاهرة السخرية من هذه الجائحة مع مرور الزمن واستشراء الوباء وحصده مئات آلاف الأرواح، يعد أمرا محيرا بالفعل.

ويرى العديد من المفكرين وخبراء علم الاجتماع أن للسخرية تأثيرا على أمزجة الناس وأنها في زمن الأزمات والأوضاع الاستثنائية تأتي نتيجة للضغوط النفسية الناتجة عن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والأمنية المزعجة.

وقد تحمل النكتة أبعادا ودلالات مختلفة ولعل أبرزها تشخيص أمزجة الناس وسبر أغوار نفسياتهم: فالنكتة تعتبر جسا لنبض الشارع حيال قرار أو إجراء أو توجه حكومي رسمي لقياس تأثيره أو لمعرفة مدى تقبله أو رفضه، أما في المجتمعات التي لا تتمتع بقدر كبير من حرية التعبير، فتلقى النكتة السياسية رواجا كبيرا لأنها وليدة الكبت والاستبداد.

وبحسب رأي الدكتور أحمد أبو أسعد أستاذ الإرشاد النفسي والتربوي بجامعة مؤتة، فإن الناس تلجأ إلى السخرية لتخفيف الضغط وكوسيلة للتعامل مع الحدث.

أما الدكتورة سيلفيان بارت ليبرج، أخصائية علم النفس السريري والطبيبة النفسانية فترى أن النكتة هي في الأساس نوع من الانتقاد لوضعية أو شخص معين لكن بطريقة تشويهية، فهي بهذا المعنى شكل من أشكال الازدراء.

ويشتمل التراثُ العربي على العديد من الكتب التي تناولت الفكاهة وما تداوله الناسُ فيما بينَهم من قصص يتندَّرونَ بها وتظهرُ جوانب حياتِهم الاجتماعية في قالب ساخِر. وقد ألف الإمام ابن الجوزي المتوفى عام 597 هجرية كتابه “أخبار الحمقى والمغفلين”.

ولربما كان ذلك الرافد يجد منبعه فيما تناقلته الأجيال من أقوال لبعض الصحابة والتابعين في موضوع الفكاهة.

ومن تلك الأقوال المأثورة قول أبي الدرداء: “إني لأستجم نفسي ببعض الباطل كراهية أن أحمل عليها من الحق ما يكلها” ومنها أن عليا بن أبي طالب كان يقول: “روحوا القلوب واطلبوا لها طرف الحكمة فإنها تمل كما تمل الأبدان”.

وعن حماد بن سلمة أنه كان يقول: “لا يحب المُلح إلا ذكران الرجال ولا يكرهها إلا مؤنثهم”.

ومن أساليب السخرية التي عجت بها “رسالة الغفران” للمعري، وغص بها كتاب “البخلاء” للجاحظ، إلى قذائف أحمد مطر التي اتخذت السخرية منصة للنقد، وإلى رسوم الكاريكاتير الحديثة القائمة على النكتة الساخرة والعميقة، وإلى ما تعج به القصص الاجتماعية من فكاهة ساخرة، عبر هذا كله تتضح أهمية النكتة في حياة الإنسان على مر الحقب.

وتوزعت السخرية في الأدب العربي بنثره ونظمه إلى سخرية هازلة وسخرية جادة، ولكل منهما ميدانها إما نقد النظام السياسي وإما نقد المنظومة الاجتماعية.

واتشح شعرُ مطر ببياض من تحته سواد فهو ساخرٌ شاكٍ مضحكٌ مبكٍ، وعج فضاء رسالة الغفران بالمواقف النّقديّة.

وقدم المعرّي نقده بأسلوب ساخر تمثّل في اختلال التوازن بين الفعل والجزاء، فأغلب الشّخصيّات في رسالة الغفران فازت بالجنّة بحجج واهية ولا معقولة في نظره الساخر: “فعبيد بن الأبرص ببيت من الشعر والحُطيئة لأجل كلمة صدق، والأعشى بقصيدة مدحيّة، وابن القارح بصكّ التوبة”.

ونجد في رسالة الغفران مفارقة بين المقام والمقال: فابن القارح يسألُ أهل النّار رغم عذابهم القاسي عن الشّعر وقضايا الأدب؛ يقول ابن القارح لامرئ القيس وهو في عذاب النّار “يا أبا هند إنّ رواة البغداديين يُنشدون أبياتا من قصيدتك “قفا نبك” بزيادة الواو في أولها”.

كل هذا يؤكد القول المأثور بأن “الإنسان حيوان ضاحك” ولا شك أن الضحك حالة يختص بها الإنسان عن سائر المخلوقات؛ ولم تخل أمة من الأمم من تراث ساخر تناقلته الأجيال جيلا بعد جيل.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية