في ذكرى مرور 68 عاما على انقلاب 23 يوليو 1952… الحركة المباركة كما رآها نجيب محفوظ

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
2

القاهرة ــ «القدس العربي»:

«كنا في حالة غياب الوعي التي تحدث عنها توفيق الحكيم».. (نجيب محفوظ)

تمرّ هذه الأيام الذكرى الـ68 لقيام الحركة المباركة، كما أطلق عليها في البداية، والتي تحولت في ما بعد إلى مُسمى «ثورة 23 يوليو/تموز»، إلا أن المُسمى الصحيح لا يخرج عن صيغة كونه (انقلاباً عسكرياً) ليس أكثر. ورغم الجدل الذي يثور كل عام حول مآثر أو مسالب يوليو، وكيف حوّلت ديكتاتورية الزعيم الأوحد حال مصر إلى الأسوأ. الأمر كل عام يتجاوز الحديث عن ذكرى انتهت، أو ذكريات تم تجاوزها، بل للأسف تعيشه مصر الآن، بل تتم دوماً عقد مقارنة كاريكاتيرية ما بين نظام عسكري كان، وآخر قائم يستمد شرعيته مما حدث منذ ما يزيد عن نصف قرن. وبدلاً من الخوض في تفاصيل سياسية، واستحضار أقاويل ومواقف العديد من الشخصيات والفئات التي احتكّت بنظام يوليو 1952، وهي مازالت صالحة، نظراً للكشف عن المزيد من المعلومات والوثائق عما حدث، إلا أنه يمكن تناول الأمر من وجهة أخرى.. وجهة الأدب، خاصة وجهة نظر نجيب محفوظ، الذي تناول هذا الحدث الجلل، الذي غيّر وجهة مصر بدون رجعة.
محفوظ الذي كان يحلم بتحقق العدالة الاجتماعية، التي ناقشها في العديد من أعماله قبل يوليو 1952، وتأتي على رأسها رواية «القاهرة الجديدة» 1945 و «بداية ونهاية» 1949. فقد كان محفوظ كاتباً له ثقل قبل يوليو، وصرّح أكثر من مرّة أنه ينتمي إليها، وينتقدها من الداخل حرصاً عليها. محفوظ ــ وهي حقيقة ــ كان دوماً يتحاشى الصدام مع السلطة، أو بمعنى أصح يخشاها، وكان كلما أصدر عملاً فيه البعض أو الكثير من الانتقادات، كان يعيش حالة من التوتر والقلق، وإن لم نقل الفزع من التبعات، ولكن الاحتكام إلى أعمال محفوظ الأدبية هي الأجدى، فماذا كانت وجهة نظر الرجل في ما حدث؟

كارثة في الطريق

تأتي «أولاد حارتنا»، التي نُشرت مسلسلة ـ بدون أن تكتمل ــ في جريدة «الأهرام» المصرية عام 1959 كأول عمل لنجيب محفوظ بعد انقلاب يوليو 1952. ورغم أنه يتخذ من الحكايات المقدسة إطاراً عاماً، إلا أن الرواية كانت تبحث في قضايا ليست بعيدة عن تلك الفترة، خاصة طبيعة السلطة وحدودها، ومدى نجاحها في تطبيق العدالة الاجتماعية. وقد عبّر محفوظ عن ذلك قائلاً: «قصص الأنبياء هى الإطار الفني، لكن القصد هو نقد الثورة والنظام الاجتماعي الذي كان قائما».
ورغم أن محفوظ هلل وتفاعل مع العديد من قرارات عبد الناصر وقتها، كالتأميم، والوحدة مع سوريا وحرب اليمن، إضافة إلى كونه كان بعيداً عن بطش النظام، كما حدث مع غيره من المثقفين وأصحاب الرأي ـ المخالف طبعاً ـ إلا أنه دوما لم يستطع أن يخفي قلقه بالمتربصين والوشاة، في ظِل نظام قمعي لا يتحمّل صوتا معارضا. إلا أنه في ظل هذا النظام أنتج أهم أعماله الأدبية، التي لم تتوان عن انتقاد النظام، ومنها.. «اللص والكلاب» 1961، «السمان والخريف» 1962، «الطريق» 1964، «الشحاذ» 1965، «ثرثرة فوق النيل» 1966، «ميرامار» 1967، «تحت المظلة» 1969، و»شهر العسل» 1971. ولعل «ثرثرة فوق النيل»، التي نُشرت قبل 5 يونيو/حزيران 1967 بأشهر، قد تنبأت بالكارثة الوشيكة. يقول محفوظ .. «تحدثت عن عزلة الشعب عن النظام الحاكم، الذي يقوم بكل شيء وكأن الشعب لا وجود له، صحيح الكلام كان على لسان (حشاشين)، ولكن لم تنطل الحيلة على الرقباء والمتطوعين فحاولوا إثارة عبد الناصر».

المشكلة في آراء نجيب محفوظ أو توفيق الحكيم، أن عقلية كل منهما، نظراً لظروف النشأة والتكوين العلمي لا تتوافق ونظام الحكم العسكري، حتى وإن تمتعا بالمكانة المناسبة في ظله، أو أن ذاك النظام حقق ـ اجتماعياً ـ ما كانا يريدان تحقيقه على أرض الواقع.

المحاكمة

إلا أن الانتقاد الصريح لشخص عبد الناصر وتجربته، جاء في رواية «أمام العرش» 1983، حيث يقف حُكام مصر أما عرش «أوزرويس» رب العالم السفلي ورئيس المحكمة الأخروية، التي تبرئ أو تدين، حسب أعمال كل منهم، بداية من مينا وحتى السادات. فنرى رمسيس الثاني يتحدث عن عبد الناصر الواقف أمامهم ـ كل حاكم تتم تبرئته ينضم إلى مجلس المحاكمة ويصبح عضواً فيها. يقول رمسيس الثاني.. «كلانا يُشع عظمة تملأ الوطن وتتجاوز الحدود.. وكلانا لم يقنع بأعماله المجيدة الخالدة، فأغار على أعمال الآخرين ممن سبقوه». ويُشير محفوظ هنا إلى تعمد عبد الناصر تجاهل ثورة 1919. ويُضيف تحتمس الثالث.. «على الرغم من نشأتك العسكرية فقد أثبتّ قدرة فائقة في كثير من المجالات إلا العسكرية». وهي إشارة للهزائم العسكرية التي لحقت بعبد الناصر، فهو العسكري الذي لم يكسب معركة واحدة، رغم كل هذا الصخب!
وبالطبع ما مصير شعب يحكمه حاكم مهزوم، إلا التنكيل به، وهنا يأتي دور مصطفى النحاس، فيضيف.. «أغفلت الحرية وحقوق الإنسان، ولا أنكر أنك كنت أماناً للفقراء، ولكنك كنت وبالاً على أهل الرأي والمثقفين وهم طليعة أبناء الأمة، انهلت عليهم اعتقالاً وسجناً وشنقاً وقتلا،ً حتى أذللت كرامتهم وأهنت إنسانيتهم… ليتك تواضعت في طموحك، إن تنمية القرية المصرية أهم من تبني ثورات العالم. إن تشجيع البحث العلمي أهم من حملة اليمن، ومكافحة الأمية أهم من مكافحة الإمبريالية العالمية. وا أسفاه لقد ضيعت على الوطن فرصة لم تُتح له من قبل».

عودة الوعي

ومع ملاحظة أن الانتقادات الأخيرة، هي نفسها التي هلل لها محفوظ من قبل، إلا أنه يُرجع الأمر وبشيء من التفصيل في الكتاب الذي أعدّه رجاء النقاش، وصدر عام 1998 بعنوان «نجيب محفوظ: صفحات من مذكراته وأضواء جديدة على حياته وأدبه». وقد عرّضته للكثير من الهجوم، ربما يُقارب الهجوم على توفيق الحكيم عند نشر كتابه «عودة الوعي» عام 1974. وكما يذكر صلاح عيسى في مراجعته للكتاب، بأن نجيب محفوظ ـ ربما ـ كان يعيد تقييم كل ما تحمس له وأيده، ودافع عنه من قبل من خلال منظار هزيمة يونيو، أو أنه جاء الوقت المناسب، فيصبح تأميم القناة خسارة فادحة لمصر، لأنه أدخلها في صدام مباشر مع القوى الكبرى وصفقة الأسلحة التشيكية ــ يقول محفوظ إنه أيدها عن جهل ـ قد أضرّت بمصر لأنها أحدثت استقطابا دوليا عقّد الصراع العربي الإسرائيلي. وفي الأخير يرى محفوظ أن الثورة نفسها ـ وأي ثورة ـ لم تكن ضرورة، ولو أن حكومة الوفد الأخيرة، التي أقيلت في أعقاب حريق القاهرة في يناير/كانون الثاني 1952 استمرت في الحكم لمدة خمس سنوات فقط، لحققت كل ما حققت الثورة، ولتجنبت كل سلبياتها.
المشكلة في آراء نجيب محفوظ أو توفيق الحكيم، أن عقلية كل منهما، نظراً لظروف النشأة والتكوين العلمي لا تتوافق ونظام الحكم العسكري، حتى وإن تمتعا بالمكانة المناسبة في ظله، أو أن ذاك النظام حقق ـ اجتماعياً ـ ما كانا يريدان تحقيقه على أرض الواقع. فمن الممكن الترحيب بالحركة المباركة، بدون أن تستمر ويستتب الأمر للضباط، فتصبح ثورة أو انقلابا. كانت العودة إلى الثكنات هي الاختبار الحقيقي، لكنه لم يحدث وفشل فيه الجميع.
إلا أن محفوظ يعود إلى عبد الناصر للمرّة الأخيرة في «أحلام فترة النقاهة» 2004، محاولاً التوصل إلى رأي أخير في الرجل، قائلاً .. «وجدتني مع الرئيس عبد الناصر في حديقة صغيرة وهو يقول: لعلك تتساءل لماذا قلَّت مقابلاتنا؟ فأجبته بالإيجاب، فقال: كلما شاورتك في أمر جاءت مشورتك بالاختلاف كلياً أو جزئيا، فخفت أن تتأثر صداقتي لك بهذا الموقف، فقلت: أما أنا فلن تتأثر صداقتي لك مهما اختلفنا».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية