الديكتاتورية الخفية للرقمية

حجم الخط
1

يندرج هذا الكتاب «الإنسان العاري: الديكتاتورية الخفية للرقمية» لمارك دون وكريستوف لاي، ضمن النقد المتواصل للثورة الرقمية، الساعية من خلال مفرزاتها إلى تأسيس عالم المراقبة الشاملة، ومن ثم، إخضاع الإنسان أكثر، ليكون عبداً لها، مستعينةً في ذلك بأدواتها الناعمة كـ«فيسبوك، تويتر، غوغل، آبل، وآمازون»، حيث أغرت هذه الأدوات الإنسان بالتحرر من الاستلابات الموجودة، والانعتاق من القيود المفروضة من الواقع، والانتقال بعدها إلى عالم افتراضي، حيث الراحة والهدوء والسلام، مقابل أن يبيع هويته ومعطياته في سوق النخاسة الجديدة، فيربح الإنسان حريته، وتزداد الشركات ربحاً.
لا غرو في أنّ الإنسان الذي أغرته المجانية، ووعود الحرية، وقع في شراك العبودية، بحيث سلّم رقبته إلى الشركات متعددة الجنسيات، المصنفة «ضمن المدونة الكبرى للمعطيات (البيغ داتا)»، فبات الإنسان عارياً، شفافاً، لا هامش عنده للأسرار، ولا مكان للخصوصية، ولا وقت للحميمية، كل شيء ملك للجميع، فالغاية التي تسعى إليها هذه المدونة، بحسب المؤلفين، «هي جعل العالم شفافاً ومرئياً، والتخلص من سلطة المصادفة».
اليوم، يكتسي هذا الكتاب أهمية كبيرة، لاسيما بعد عودة النقاش حول الرقابة الرقمية منذ ظهور وباء كورونا، حيث استعانت بها بعض الدول، كالصين مثلا، من أجل تتبع مواطنيها لمعرفة المصابين والمرضى، ما رآه البعض تعدياً صارخاً على الإنسان، وانتهاكاً سافراً لخصوصيته.

الاحتلال الافتراضي

لقد أدى احتلال الافتراضي لمساحة شاسعة من حياة الإنسان إلى تقليص حجم الواقعي، ما ينذر بعواقب وخيمة على حياة الإنسان الخاصة، وعلاقاته بمحيطه وفضائه، غير أن السبب في ذلك يعود، حسبهم، إلى أن الواقع ينتج أوهاماً، وإلى ما يتميز به من تعقيدات وعيوب في شبكته، لذا من الضروري التخلص منها، أملا في التحرر من قيوده واستلابه، والظفر بواقع جديد سائل غير معقد، لكن ما حدث هو العكس، فالتحرر من أوهام الواقع أدى إلى الوقوع في شباك أوهام الافتراضي، والقضاء على استلاب الواقع، أنتج، موازاة مع ذلك، استلابا افتراضيا جديدا، فصار الناس تبعاً لذلك مكبلين «بالأوهام في العالم الذي تريده البيغ داتا»، بحيث تغيرت نظرتنا للواقع، فقد «أصبح انعكاس الواقع في أذهاننا أهم من الواقع ذاته»، وأهمية الشيء تقاس بمدى رقميته «فما هو أساسي ليس اللحظة، بل وجهها الرقمي»، لأن ما يهم الإنسان المعاصر، في نهاية المطاف، ليس خطف لحظة من السعادة، بقدر ما يغريه اقتناص ابتسامة، ولو كانت مزيفة، مع الصورة (السيلفي).
وعليه، لم يتحرر الناس بمجرد حدوث الاتصال، بل باتوا «خاضعين للآلة»، ولم يتحصلوا، في الأخير، سوى على الأوهام، عندما صدّقوا بأن العيش في العالم الافتراضي من شأنه أن يقضي على الوحدة «إننا لن نكون أبداً وحدنا»، فكانت النتيجة خلاف ذلك وحيداً ضمن مجموعة. صحيح أنّ الإنسان كسب المعلومة والصحة وطول العمر، لكنه، في المقابل، خسر الحميمية والحياة الخاصة، كما أنه خسر رصيده الاجتماعي، كالتضامن والتفاعل مع المجتمع، الذي كان يمتلكه من قبل، بعدما صدّق مغريات الشركات، التي كانت تغريه بأن الاتصال سيؤدي إلى تأسيس «ميلاد تضامن جديد»، إذ غدا كل واحد متقوقعاً حول ذاته، يعيش وحيداً، فظهرت أشكال جديدة من السلوكيات المرضية كـ «استلاب الاتصال»، وصار الإنسان عاجزاً عن العيش خارج حدود الافتراضي. وبما أنّ الإنسان اجتماعي بطبعه، يملّ الوحدة، ويكره العزلة، فإن التقوقع على الذات زاد من هشاشته، وأدى اختفاء التضامن بين أفراد المجتمع إلى تلاشي الإنسانية.

البيغ داتا الوجه الناعم للديكتاتورية

تقوم الشركات الإلكترونية بتجميع المعطيات، التي تحصلت عليها من المبحرين أنفسهم في الشبكة العنكبوتية، إذ إنّ «المبحرين هم من يقدم هذه المعطيات» طواعيةً، ثم تعمل هذه الشركات على استغلالها، وذلك بدراستها وتحليلها من أجل التعرف إلى أنماط حياة الناس، وقياس سلوكاتهم، بما يقدمونه من معلومات حول صحتهم أو أذواقهم أو اختياراتهم، حتى الأكثر اختيارات حميميةً، بما يسمح لهذه الشركات بالتحكم في الناس، والتنبؤ، عن طريق التماثلية، أي التشابه، في سلوكهم بسهولة، ولكي تستمر سطوة الرقمية، توجههم إلى ضخ المزيد من المعطيات.
إن المعطيات اليوم هي منجم الذهب الأسود الجديد «80% من المعلومات الشخصية للإنسانية (هي بحوزة هذه الشركات الأمريكية)»، الذي يدرُّ على المتحكمين بها أرباحاً طائلة، «إذ يصل في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها رقم المعاملات العالمية في البيغ داتا إلى 8.9 مليار دولار، بنحو يصل إلى 40% كل سنة، ويمكن أن يتجاوز 24 مليار دولار سنة 2016».

لقد فرط الناس، للأسف، في حياتهم الخاصة مقابل الوعد بالعالم المسحور، الذي ستحققه لهم الإنترنت، فضاع الجوهر الحقيقي للإنسان، وازداد غربةً، حيث غدا مجرد مستهلك أو موضوع بين الأشياء، فهذه الشركات «تتعامل مع كل فرد باعتباره مستهلكاً، لكي يستطيع العالم التجاري أن يبقى قريباً من عاداته ورغباته».

ومن جهة أخرى، تقوم هذه الشركات، التي تمتلك أدوات الحصول على المعلومات الخاصة بالمواطنين المستهلكين مثل أبل وميكروسوفت وغوغل وفيسبوك، ببيع هذه المعطيات لوكالة الاستخبارات الأمريكية، أو لشركات تجارية، الأولى بداعي حفظ الأمن، والثانية لمعرفة الاتجاهات الاستهلاكية للناس، وما تبيعه من معطيات لمصالح الاستخبارات الأمريكية، بعد فرزها وتمحيصها بالطبع، تبيعه هذه الأخيرة أيضاً لوكالات استخباراتية لدول أخرى، معنى هذا، كما يذكر المؤلفان، أن «معطياتنا لم تعد ملكنا، لقد سلبونا إياها، لقد استولى عليها سادة الصناعات التكنولوجيا بالمجان».
على صعيد آخر، يتطرق الكتاب إلى الطريقة التي تم بها «استغلال الإرهاب من أجل إدخال الإنسانية إلى عصر الرقابة الشاملة»، مستدلا على ذلك بأحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، التي كانت بمثابة الهدية السخية التي نزلت من السماء على الشركات الإلكترونية، فزادت من تغولها أكثر، بعدما دخلت في تعاون مع وكالة الاستخبارات الأمريكية في مراقبة الناس، لأجل منع حدوث عمليات إرهابية أخرى في المستقبل، واللافت أن التدابير التي طبقت في أمريكا عقب هجمات 11/ 9، هي نفسها التي ستطبق في كل بلد تحدث فيه هجمات من هذا القبيل. كما يشير الكتاب إلى الصراع بين الدولة والشركة، فهذه الشركات، التي أصبحت متحكمة في المعلومات، ترى الدولة العدو الأول «لقد أصبحت الدولة في تصور أغلب مقاولي وادي السيليكون، في شكلها الحالي عائقاً يجب القضاء عليه»، وتنظر إلى الحكومة بأنها صناعة غير فعالة، وأن الديمقراطية عادت غير ملائمة، أي أن كل ما يقلل من سلطة الشركات، ويقوض سيطرتها وتحكمها هو في نظرها يشكل خطراً يجب القضاء عليه، لأنّ مثل هذه الأمور تقف في وجه مشروعها الساعي إلى إعادة صياغة المجتمع من جديد، بما يتوافق وطموحاتها في السيطرة، بحيث تجعله مجرد كائنات مطواعة خاضعة.

– آه… يا أورويل لو تدري

يتحسر الكتاب على عالم جورج أورويل، الذي صاغه في روايته (1984)، عندما يتحكم الأخ الأكبر، من خلال الحزب، بالناس، فيرصد حركاتهم، ويحصي أنفاس حياتهم، معتبراً بأن هذا النموذج الذي يهيمن عليه هذا الشكل من الديكتاتورية قد تجاوزه الزمن، بفعل مخرجات التكنولوجيا، ومن كان يعتقد بأن عالم أورويل كابوس، فهو كابوس أرحم بكثير من كوابيس ديكتاتورية المراقبة الشاملة للبيغ داتا، فالمصفوفة لها القدرة على اختراق أسرار الناس بسهولة، وتستطيع كشف المعنى الخفي لسلوكهم، بدون أدنى اعتراض منهم، لأنهم، ببساطة، هم من يزودونها بالمعطيات، «ويعود الفضل في ذلك إلى المعطيات الأولية، تلك المعلومات التي تقول كل شيء»، لافتاً النظر إلى أن الوكالة الوطنية للأمن (ناسا) تعرف عن المواطنين الألمان أكثر مما كان يعرفه عنهم جهاز ستازي في زمن ألمانيا الشرقية، حيث لديها المقدرة الفائقة على الإطلاع على المواطنين الألمان، فكل حركة يصدرونها، وكل مكالمة يجرونها، أو رسالة قصيرة يرسلونها، وكل ما يقومون به في حياتهم اليومية، حتى أكثرها حميميةً، تحيط به علماً، من خلال الجاسوس، الماكث في جيوبهم، وهو الهاتف النقال.
فالناس اليوم يعيشون تحت رحمة الرقابة الرقمية، ولا أحد يستطيع الإفلات منها، حتى لو كان خارج مجال التغطية، فهناك عدد هائل من الكاميرات الذكية، المزروعة في المدن والشوارع، تراقب الناس، وترصد حركاتهم، وتقرأ تعابير وجوههم، ويرى الكاتبان بأن المراقبة الشاملة هي إيذان بنهاية الحياة الخاصة، التي أضحت في نظر السادة الجدد شذوذاً، لا يعتدّ بها، بل سيصبح ضمان حياة خاصة، كما يقول إريك شميدت، المدير التنفيذي لغوغل، في المستقبل أمر صعب المنال، لأن هدفهم هو جعل كل شيء شفافاً، غير أن المفارقة العجيبة التي يذكرها الكاتبان هي أن دعاة إنهاء الخصوصية، يرفضون أن تنتهك حياتهم الخاصة، ويعاقبون كل من يحاول الاقتراب منها، ويمثلان على ذلك بما حدث لصحافيي الاستطلاع في الموقع الأمريكي CENT، الذين وضعوا في اللائحة السوداء مدة سنة، بسبب نشرهم معلومات تخص شميدت، وكأن المراقب يجب ألا تصله عين الرقابة، لأنه يمثل السلطة المقدسة.
لقد فرط الناس، للأسف، في حياتهم الخاصة مقابل الوعد بالعالم المسحور، الذي ستحققه لهم الإنترنت، فضاع الجوهر الحقيقي للإنسان، وازداد غربةً، حيث غدا مجرد مستهلك أو موضوع بين الأشياء، فهذه الشركات «تتعامل مع كل فرد باعتباره مستهلكاً، لكي يستطيع العالم التجاري أن يبقى قريباً من عاداته ورغباته»، فتحافظ هذه الشركات على المستوى العالي من أرباحها، في حين يبقى الإنسان العاري عبداً طائعاً لمخططاتها ونزواتها؛ فمن يا ترى يستطيع مقاومة إغراء وعد الصحة وطول العمر؟

ماذا عن المستقبل؟

ينتهي الكتاب، في الأخير، إلى أنّ الأسوأ آت، بلا ريب، فهذه الشركات شهيتها مفتوحة لامتصاص المعطيات أكثر، والمصفوفة تبتلع بشراهة كل ما يخص ذاكرتنا، ومشروع الثورة الرقمية في إعادة صياغة الإنسان، والتحكم في اختياراته، فضلا عن وضعه تحت مراقبة شاملة، مازال في بدايته، وكل من يحاول مقاومة هذا المشروع، سيكون مصيره النفي والاتهام بالخيانة، وما حدث لإدوارد سنودن، الذي كشف عن التجسس على الحياة الخاصة من طرف المخابرات الأمريكية، أو جوليان أسانج مؤسس ويكيليكس، مثال بارز على ذلك، ما يجعل المقاومة، في هذه الحالة، صعبة، والخروج من كهف الأوهام التي أدخلتنا إليه هذه الشركات أصعب. لكن، مع كل ذلك ينبغي للبشرية أن تخترع بدائل للمقاومة، وذلك بإعادة توجيه المصفوفة، والتحرر من سلطة الحاسوب، والتقليل من سطوة الرقمية، لكي يستعيد الإنسان توازنه الطبيعي، ومكانه الحقيقي، كفاعل وصاحب مبادرة، والعمل، من ثم، على إعادة «خلق مجتمع ديمقراطي على المستوى الإنساني»، بالاستثمار في المجموعات البشرية الصغيرة، لإثراء النقاش الجاد، وتهيئة الفضاءات العفوية للتضامن.

٭ كاتب جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية