«الحرب النفسية» الموجهة ضد مصر والمنطقة العربية إلى أين تصل؟!

يتعرض الوطن العربي في أقطاره كافة؛ سواء التي هبت عليها رياح الثورة أو لم تهب؛ يتعرض لـ»حرب نفسية» ضارية. وقد أتت أكلها، وتجلى ذلك في انتكاس الحراك الثوري، الذي كاد ان ينتقل بالعرب نقلة نوعية تصل بهم إلى بر آمن بعد سنوات عجاف.. كادت أن تخرجهم من التاريخ والجغرافيا. ونتج عن هذه الحرب فقدان الثقة فيما يُقال ويُنشر ويُشاهد، وبعد فتح باب الأمل على مصراعيه لبناء وطن حر وعزيز شاع اليأس من جديد بين الناس خاصة الشباب، ومن الصعب أن تستثني أحدا؛ فردا أيا كان مستواه أو دوره، عالما ومفكرا وسياسيا؛ ثوريا كان أو محافظا، رجعيا أو تقدميا، متدينا وغير متدين؛ حزبا أو تنظيما أو جماعة أو فرقة؛ مع العلم أن الجديد منها تشكل برغبة مؤسسيها ومعرفتهم واختيارهم؛ وتتوزع قوى الثورة والثورة المضادة بين ساخط وشاجب وشتام ومحرض، دون أن يقدموا حلا يسعف الناس ويحفزهم على المشاركة والفعالية. فُقدت البوصلة، وضاع المنطق، واختفت الحكمة، وزادت الفوضى وسادت الغوغائية؛ حتى عمت الفتن.
كانت هذه مقدمة لبيان إلى أي مدى أثرت «الحرب النفسية»، التي اغتالت العقل، وأخرجت الغرائز المتوحشة من عقالها. إنها حالة أشبه بالانتحار العقلي والنفسي!! وهذه علامات لهزيمة نفسية أدت إلى إلغاء كثيرين لحواسهم واستبدالها بأخرى، فينظرون إليك وإلى غيرك بعيون أعداء متوجسين ومتربصين، ويستمعون إليك بأذان صماء، ويتحدثون معك بلسان منفلت.
هذه محنتنا جميعا؛ نهزم أنفسنا دون أن يهزمنا أحد، ونيسر على عدونا مهمته، ونلبي دعوته: «دعوهم يقتلون بعضهم بعضا!». وقانون «الحرب النفسية» كقوانين كل الحروب في أي زمان ومكان؛ الضحية الأولى فيها هي الحقيقة؛ تضيع تحت ركام الكذب والتلفيق والادعاء والاختلاق.
وعن معنى «الحرب النفسية» يرى مختصوها وخبراؤها أنها حملات دعائية موجهة ومنظمة ضد خصم أو عدو، وتسبق أو تصاحب أو تلي الأعمال السياسية والمواجهات العسكرية أو الإجراءات الاقتصادية أو تهدف تغيير التوجهات الثقافية، أو كلها مجتمعة. وهناك البعض الذي يراها عِلما من العلوم، والبعض الآخر يعتبرها فنا مثل بقية فنون الحروب، فاعتمادها الأساسي على مواهب ومهارات وقدرات خاصة. فالقوة العسكرية وحدها لا تكفي للانتصار في الحروب والغزوات. وكم من جيش أقل عددا وعدة انتصر على آخر مدجج بالسلاح حتى الأسنان، فالعقول والمهارات وقدرة القادة والمنفذين على التنظيم والحشد والتدريب ورفع المعنويات؛ مع اتساع الأفق والخيال، ومثل هذه العقول تتفوق على الآلات العسكرية الجبارة!
ودارسو العلوم الاجتماعية والنفسية والإنسانية يفرقون بين العلوم وبين الفنون بمعناها التطبيقي، فالعلوم الاجتماعية والنفسية تعتبر زادا لـ«فن خدمة الجماعة»، و»فن خدمة الفرد»، والفنون التطبيقية وغير التطبيقية تلعب فيها الفروق الفردية والملكات والمواهب الخاصة دورا حيويا في رفع الكفاءة.
التدريس مثلا يعتمد على العلوم التربوية والنفسية بالإضافة إلى التخصص، لكنه أولا وأخيرا فن يكشف الفرق بين مدرس وآخر، ويفسر نجاح هذا وفشل ذاك. فالمدرس الناجح هو من يمتلك ناصية الأداء وجاذبية العرض، وهكذا «الحرب النفسية»؛ فن يعتمد على علوم وتخصصات، وتُوليها مؤسسات السياسة والحكم والجيوش والأمن اهتماما خاصا منذ القدم؛ أنشأت لها أقسام ومراكز متخصصة.. تضع خططها وتنفذ برامجها. وحين تنتقل الحملات الدعائية المضادة والمؤقتة إلى «حرب نفسية» تستمر حتى تحقق أهدافها أو تفشل فيها!
تجيد المنظومة الغربية هذا الفن، ولها فيه باع طويل وإمكانيات ضخمة؛ تبيض وجه الأتباع حتى لو كانوا مستبدين ومجرمين، وتشوه و»تشيطن» وجه المخالفين حتى لو كانت أفكارهم وقيمهم وثقافاتهم وعقائدهم حتى لو انحازت للعدل والمساواة، فالمعيار هو الطاعة والتبعية.
ومثلت الحرب الباردة نموذجا لـ«الحرب النفسية» طويلة الأمد إلى أن وضعت أوزارها بسقوط جدار «برلين» وانهيار «الاتحاد السوفييتي» وتفكك كتلة شرق أوروبا، وكما تمت «شيطنة» السوفييت في السابق فإن «الشيطنة» انتقلت إلى الروس حاليا، وتوجهت نحو العرب والمسلمين بمذاهبهم وطوائفهم، وإن كان فيهم خصوم للغرب، فغالبيتهم العظمى أتباع وأصدقاء ووكلاء وعرابين له. وكما سقط الاتحاد السوفييتي من داخله تعمل «الحرب النفسية» على تقسيم العرب من داخلهم وبإرادتهم!!.
وإذا استمر الحال على هذا المنوال، فستتسع الشروخ وتتعمق الشقوق في البنى الوطنية والسياسية والمجتمعية؛ وتزداد في ظروف غابت فيها الدعوة للوحدة الوطنية!. والهدف من «الحرب النفسية» الحالية هو تقويض الدولة وتفكيك المجتمع وتصفية الجيوش، وتقودها جحافل جرارة لدول كبرى وعاتية وغالبة؛ خططت وأعدت لها العدة مبكرا، وتولت تدريب عناصر من أبناء البلدان المستهدفة، ووفرت لهم المال والإمكانيات، وهذه الحرب من المتوقع أن تطول، وقد تحولت إلى «حرب مسلحة»؛ تنشر الفوضى وتتصدى لأي عمل ثوري محتمل، والإعداد لدخول حقبة «الإبادة الذاتية» و«التطهير الثقافي».
ونعود إلى الوراء قليلا لنجد أن المعامل السرية الأمريكية تمكنت من «برمجة الأشخاص»؛ لتوكل إليهم مهام قذرة واغتيالات دون شعور بالذنب أو تأنيب للضمير، وكانت تجاربها قد نجحت في سبعينات القرن الماضي، وبعدها مباشرة تمت عملية أغتيال مغني «البيتلز» ـ الخنافس ـ الشهير «جون لينون» واعتُبِرت من عمليات «البرمجة البشرية»، وورد ذلك في كتاب «من قتل جون لينون؟».. صادر 1989 لـ»فينتون بِرِسلَر».
وكان «لينون» عبقري الموسيقى، معاديا عنيدا للحرب، واغتاله «مارك شابمان» في نيويورك عام 1980 وبرر جريمته بأنها استجابة لنداء داخلي أمره بقتل «لينون»، الذي تعرض كثيرا لملاحقة «مكتب التحقيقات الاتحادي» (FBI)، ومضايقة «مكتب الأمن القومي» (INS)، إلى جانب محاولات السلطات الأمريكية طرده خارج الولايات المتحدة!!
وفرق وجماعات «العنف المسلح» يقترب سلوكها من «البرمجة البشرية» رغم أنها متنوعة ومن مشارب عدة؛ منها من ولد ونشأ في الغرب، ومن انتقل إليه واستقر في واحدة من بلاده؛ بعضهم استقطبته دوائر غربية، وشدته إليها وواتتها فرص إعداده وتدريبه بجانب ما جرى في المحابس والمعتقلات وحواضن «غوانتنامو» و«أبو غريب» وسجون ومراكز التأهيل في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وأسبانيا وبلجيكا وهولندا وغيرها، وتم اصطياد بعضهم، ودُفع بهم إلى المناطق الساخنة، ونراهم الآن في سوريا وليبيا واليمن ومصر.. وللتذكرة فحكام العراق بلا استثناء عادوا على ظهور دبابات الغزو، وكلهم تدربوا في معاهد ومراكز الدول الغازية!!.
وأشرت على هذه الصفحة في 9/7/2011 إلى ما نُشر على موقع «ديلي بيست» بشأن «مدرسة المدونين الثوريين»؛ التابعة للخارجية الأمريكية، واشتراك شاب مصري في أحد دوراتها عام 2008، وحرصت الدورة على حجب اسمه تجنبا لملاحقة الأمن المصري، وبالقطع لم يكن هو المصري والعربي الوحيد المشارك في مثل هذه الدورات!. ويمكن الرجوع إلى محفوظات (أرشيف) «القدس العربي»، والاطلاع على الموضوع.
لما باغتت ثورتا تونس ومصر الدوائر الغربية، أضحى من الطبيعي أن تستنفر «خلاياها النائمة» لإفساد الثورتين، والمصادرة على أي تحرك محتمل، واحتواء أي انفجار مفاجئ قبل تهديده للمصالح الصهيو غربية وقواعدها ووجودها في المنطقة العربية. وهذا هو حال مصر والعرب في لحظة تاريخية فارقة يستغلها الصهاينة لهدم المسجد الأقصى.. فهل يتوحدون ويلتقون على هدف إنقاذ الأقصى الشريف؟ لا أظن!!
للحديث بقية.

٭ كاتب من مصر يقيم في لندن

محمد عبد الحكم دياب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية