إسطنبول ـ «القدس العربي»: بالتزامن مع الغضب والخشية الأوروبية المتصاعدة من اعتزام بولندا الانسحاب من «اتفاقية إسطنبول»، يتصاعد الجدل الداخلي في تركيا مع إعطاء حزب العدالة والتنمية الحاكم إشارات قوية على نية الرئيس رجب طيب أردوغان الانسحاب من الاتفاقية المعنية بحماية المرأة من الاعتداءات.
ومنذ أيام، تتصاعد ردود فعل أوروبية غاضبة على خلفية اعتزام الحكومة البولندية المحافظة الانسحاب من «اتفاقية إسطنبول» التي تهدف إلى تعزيز حماية النساء من العنف، وأعرب نواب أوروبيون عديدون، الأحد، عن قلهم على «تويتر» حيال القرار الذي أشار إليه وزراء في الحكومة البولندية، وسط تظاهرات شعبية متصاعدة. فيما قالت الأمينة العامة للمجلس ماريا بيتشيفونيتش بوريتش، في بيان، الأحد، إن «الانسحاب من اتفاقية إسطنبول سيكون مؤسفاً للغاية وخطوة كبيرة للوراء في مجال حماية المرأة من العنف في أوروبا».
وتبنى مجلس أوروبا، وهو منظمة أوروبية تدافع عن حقوق الإنسان ودولة القانون مقرها ستراسبورغ، «اتفاقية اسطنبول» عام 2011، والأخيرة هي أول آلية فوق وطنية تضع معايير ملزمة قانونياً ترمي لمنع العنف القائم على نوع الجنس، ووقعت عليها تركيا في ظل حكم حزب العدالة والتنمية الذي يسعى نفسه اليوم إلى الانسحاب منها.
وتفجر الجدل بداية الشهر الحالي، عندما صرح نعمان قورتلموش، مساعد رئيس حزب العدالة والتنمية الحاكم بأن حزبه يعكف على بدء العمل للانسحاب من اتفاقية إسطنبول، لافتاً إلى أن الحزب وكما انضم إلى الاتفاقية، يمكنه العمل على الانسحاب منها من دون معيقات.
وعلى الفور، تحركت مجموعة من أحزاب المعارضة التركية والجمعيات الحقوقية والنسائية على نطاق واسع للتحذير من مخاطر الانسحاب من الاتفاقية، واعتبرت أن الانسحاب منها يعتبر بمثابة دعم للاعتداءات ضد المرأة في المجتمع، مطالبين الحكومة بسن مزيد من القوانين لحماية المرأة من الانسحاب من الاتفاقية، ووصف حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، الانسحاب من الاتفاقية «جريمة بحق المرأة في تركيا».
وتقول جمعيات حقوقية ونسائية إن الاعتداءات على المرأة في البلاد تتصاعد بشكل كبير، وبالتزامن مع جريمة كبيرة هزت البلاد قبل أيام تمثلت في قتل امرأة وحرق جثمانها، تطالب الجمعيات بمزيد من القوانين التي تهدف إلى حماية المرأة من الاعتداءات.
لكن الحكومة من جهتها، متمثلة في حزب العدالة والتنمية وحليفه حزب الحركة القومية، اعتبروا أن الاتفاقية تمثل تهديداً على الأسرة التركية وأنها لا تتوافق مع المجتمع التركي ومنظومته الأخلاقية والدينية، معتبرين أنها تؤذي الأسرة التركية وتفككها، كما لاقت هذه الدعوات دعماً من حزب السعادة الإسلامي المعارض الذي اعتبر زعيمه تمل كرمولو أوغلو أن الاتفاقية تدمر مفهوم الأسرة في تركيا وتحاول دعم وتعزيز المثلية الجنسية في المجتمع، وأعلن دعمه لنية الحكومة الانسحاب منها.
وعلى غرار ذلك، وصف وزير العدل البولندي، زبيغنيو زيوبرو، اتفاقية إسطنبول بأنها «بدعة، اختراع نسوي يهدف إلى تبرير إيديولوجيا المثلية الجنسية». كما أثارت «اتفاقية إسطنبول» جدلاً في دول أخرى، فقد رفضها البرلمان المجري في أيار/مايو الماضي، وتعتبر حكومة فيكتور أوربان أنها تشجع «إيديولوجيا الجنس التدميرية». ورفض البرلمان السلوفاكي المصادقة على الاتفاقية في آذار/مارس 2019، بحجة تضاربها مع التعريف الدستوري للزواج باعتباره رابطاً بين شخصين من جنسين مختلفين.
ويقول كتاب وصحافيون معارضون في تركيا إن الحكومة خضعت لضغوط من حزب الحركة القومية وجماعات دينية محافظة تعارض الاتفاقية من منطلقات قومية ودينية، وذلك في محاولة لكسب رضى وأصوات هذه الأحزاب والجماعات في الانتخابات المقبلة، وذلك على غرار الدوافع التي حركت قرار تحويل آيا صوفيا من متحف إلى مسجد، على حد تقديرهم.
وكان النقاش حول المثيلة الجنسية تصاعد في الأيام المقبلة في تركيا عقب الضغط الذي على مارسته الحكومة على شبكة نتفلكس للأفلام والمسلسلات من أجل حذف شخصية مثلية من أحد المسلسلات التي يجري تصويرها وعرضها في تركيا عبر المنصة، وهو ما دفع المنصة للتهديد بوقف تصوير وإنتاج أي أعمال لها في تركيا.