لندن ـ «القدس العربي»: ينظر للغارات الأمريكية الأخيرة على مواقع جبهة النصرة في شمال سوريا وقريبا من الحدود التركية كإشارة على زيادة التورط الأمريكي في هذا البلد.
وتزيد الغارات من تعقيد موقف الإدارة الأمريكية لباراك أوباما، سواء من ناحية الحملة على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، المعارضة السورية المعتدلة ونظام بشار الأسد. فهذه هي المرة الثانية التي تستهدف فيها الطائرات الأمريكية مواقع تابعة لتنظيم غير داعش. وبحسب بيان القيادة الأمريكية الوسطى فقد تم شن خمس غارات ضد الجماعة المجهولة حتى الآن «خراسان» وهناك تقارير غير مؤكدة عن مقتل صانع متفجرات فرنسي.
وتستخدم الإستخبارات الأمريكية عبارة «خراسان» للإشارة لمجموعة إرهابية تعمل من داخل جبهة النصرة التي تقاتل نظام الأسد وتواجه كذلك الجيش السوري الحر الذي يمثل المعارضة المعتدلة. وعلى خلاف الرواية الأمريكية يقول ناشطون ومقاتلون يعيشون عند معبر باب الهوى، المنطقة التي حدثت فيها الغارات، يقولون إن الهدف كان مواقع لجبهة النصرة وان بعض القنابل سقطت بعيدا عنها.
وهي شهادات لم يتم التأكد منها. وتأتي الضربات بعد أسبوع حافل من المواجهات بين جبهة النصرة ومقاتلي حركة حزم وجبهة ثوار سوريا الذين انسحبوا من مواقعهم بعد سيطرة النصرة الموالية للقاعدة على عدد من القواعد في ريف إدلب، ولم تستجب وزارة الدفاع الأمريكية للنداءات المتكررة من الجيش الحر لوقف تقدم النصرة.
ولكن صحيفة «واشنطن بوست» قالت إن وزارة الدفاع الأمريكية ـ البنتاغون- فكرت مليا بالقيام بغارات تمنع سيطرة جبهة النصرة على باب الهوى الذي يعتبر واحدا من معبرين تستخدمهما الولايات المتحدة وغيرها من داعمي المعارضة المعتدلة لنقل إمداداتها في السلاح والدعم اللوجيستي.
ولاحظت الصحيفة البيان غير العادي من القيادة الوسطى، والذي أعلنت فيه عن الغارات وأكدت أنها لم تكن ردا على المواجهات بين النصرة والمعتدلين السوريين «لم تستهدف جبهة النصرة بالمطلق».
وأكد قائد القيادة الوسطى الجنرال لويد أوستن في كلمة له أمام المجلس الأطلنطي في واشنطن «لم يتم شن غارات ضد جبهة النصرة»، ورفض أوستن التكهن حول فعالية مؤكدا القيادة تقيم نتائج الضربة.
وبحسب بيان القيادة الوسطى فهناك دلائل أولى عن إصابة عدد من عربات ومنصات إطلاق. ورفض المسؤولون الأمنيون تقديم معلومات عن سبب الغارات وإن كان هناك تهديد جديدا نابع من التنظيم. ونقلت الصحيفة عن مسؤول قوله إنه لم يتم التأكد فيما إن قتلت الغارات خبير المتفجرات ديفيد دروغون أم لا.
ضحايا
وعلى خلاف التقارير الأمريكية قال ناشطون إن الغارات أصابت مواقع لجبهة النصرة وأحرار الشام، وهذه الأخيرة ليست مصنفة على قائمة الجماعات الإرهابية مثل جبهة النصرة.
وتقول لجان التنسيق المحلية في بلدة حارم إن غارة على البلدة قتلت أربعة أطفال، ووضعت اللجنة أشرطة فيديو فيها صور جثتي طفلين قتلا جراء الغارات.
ويقول عبدالله جدعان، وهو صحافي من إدلب إن غارة استهدفت محكمة شريعة في بلدة سرمدا ولكنها أخطأت الهدف وأصابت قهوة للإنترنت.
ورغم المواجهات بين النصرة والجيش الحر إلا أن الغارات الأخيرة أغضبت الكثير من السوريين حيث يرون أن داعش ليس له حضور في مناطقهم وان العدو الرئيسي يظل نظام الأسد. ومن هنا فستزيد الغارات من الدعم للنصرة ولأحرار الشام لأنهما تقاتلان النظام ويعارض السكان والحالة هذه استهدافها بغارات جوية.
ويقول تشارلس ليستر من معهد بروكينغز الدوحة الذي يراقب الشأن السوري ان غارات يوم الخميس قد تترك أثرا بعيد المدى على الإستراتيجية الأمريكية الهادفة لتقوية المعارضة «ربما خسرت الولايات المتحدة سوريا» كتب في تغريدة على التويتر، «وهذا سيعزز الإعتقاد من أن الولايات المتحدة لا ترغب بحل شامل وأنها تريد تعزيز وضع الأسد على الأرض» كما يقول عبدالرحمن صالح المتحدث باسم «الجبهة الإسلامية».
ويقول منذر أقبيق، المستشار للائتلاف الوطني السوري إن الولايات المتحدة بحاجة للالتفات لمظاهر قلق المعارضة السورية حول الإستراتيجية. ووصف إقبيق الوضع بالمعقد «ففي حالة لم يتم النظر لمظالم السوريين من نظام الأسد فستؤثر سلبا على كل الحملة».
رسالة تأكيد
وفي هذا السياق كتب إيان بلاك محلل شؤون الشرق الأوسط في صحيفة «الغارديان» إن استراتيجية مواجهة داعش تعمل في صالح الأسد.
ونقل عن سوري قابله في دمشق قبل أسابيع أن الاسد كان في مزاج هادئ ومرتاح. «صحيح، تقود الولايات المتحدة تحالفا يهاجم تنظيم الدولة الإسلامية على التراب السوري وكذلك العراق، ولكنه ـ الأسد- تلقى تأكيدات من أن الغارات لن تستهدف قواته». ومصدر القلق الوحيد الذي اعترف به الرئيس ويؤرقه هو عدم الثقة بالأمريكيين.
وقال ضيف الأسد إن النظام السوري تلقى رسالة من الأمريكيين عبر المبعوث الدولي إلى سوريا تؤكد على تركيز الرئيس باراك أوباما على التهديد الجهادي و «لا نية له لمساعدة الجماعات المقاتلة الاخرى الراغبة بالإطاحة بنظام الأسد».
ويقول بلاك إن السياسة الأمريكية والغربية في حالة من التشتت وتواجه الكارثة وهذا هو السبب وراء تفاؤل الاسد.
فقد راقب التطورات الأخيرة في إدلب حيث تلقى أعداءه ضربة قوية، عندما أجبرت جبهة النصرة كلا من جبهة ثوار سوريا وحركة حزم على الانسحاب من قواعدها، وكلا الحركتين تلقت دعما من برنامج المساعدة الأمريكي المحدود.
وفي الوقت نفسه ضربت الطائرات الأمريكية قواعد النصرة، أي أضعفت أعداء الأسد. وعليه فلا يملك أوباما رؤية واضحة لمكافحة الإرهاب في سوريا أو حرف ميزان المعركة لصالح القوى المعتدلة، كما يقول نقاده.
بل ودفع غياب الإستراتيجية النصرة التي تقاتل النظام فقط إلى أحضان داعش. وينقل عن المحلل السياسي فيصل عيتاني قوله إن الولايات المتحدة «تريد من حلفائها في سوريا قتال أعدائها وليس عدوهم، ولكنها لا تقدم لهم الدعم العسكري». ويلاحظ محللون تناقضا في مواقف الإدارة الأمريكية بين الوعد والفعل/ الاستثمار.
فبحسب إيميل هوكاييم الباحث في المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية «وضعت الإستراتيجية الأمريكية تجاه داعش المعارضة السورية في وضع مستحيل». فبرنامج تدريب 5000 مقاتل سوري والميزانية المخصصة له بـ 500 مليون دولار متواضعة ولم تبدأ بعد. ويضيف بلاك ان الاوضاع على ساحة المعركة لم تتوقف فالولايات المتحدة تواصل فيها غاراتها، ويرمي النظام براميله المتفجرة دون خوف من العقاب. فيما لا يلقي أحد أذنا صاغية للنداءات المتكررة لإقامة منطقة عازلة تحمي المدنيين من طيران النظام.
وإن استمر الحال على ما هو عليه فلن يحصل هادي البحرة، رئيس الإئتلاف السوري، على شيء عندما يحضر اجتماع المجموعة المتلاشية المعروفة باسم «أصدقاء سوريا» في الأسبوع المقبل في لندن.
تحركات واسعة
ويشير بلاك إلى اقتراح قدمته منظمة غير حكومية اوروبية تقترح فيه تجميد الوضع على الأرض. ويرى مؤيدو هذا المقترح أنه الطريقة الوحيدة التي يمكن بها الخروج من المأزق مع إقرارهم بأنه يعطي الحكومة السورية اليد العليا.
ومن يعارضونه يحذرون من إمكانية تعاون الدول الأوروبية وخاصة أجهزتها الأمنية مع الأسد والتركيز على خطر داعش. كما أن هناك إشارات عن تململ الحلفاء العرب الذين يخشون من ردة فعل سنية ويشككون بسياسة شكلتها قطع رؤوس أربعة صحافيين غربيين وليس مقتل 200 ألف سوري كما أنه يجب الأخذ بالحسبان عدم الثقة بأوباما والصفقة النووية الأمريكية المتوقعة مع إيران الشيعية. وينقل عن نوح بونسي من «مجموعة الأزمات الدولية» حديثه عن «محدودية السياسة الأمريكية في سوريا، وهي واضحة منذ البداية وأصبحت الآن أكثر وضوحا».
ويضيف أن «لا أحد يعرف أن الغارات الجوية على داعش كانت خطوة للأمام. فيما أصبح نظام الأسد أقرب إلى المرحلة التي يستطيع فيها توجيه ضربة قوية لإمكانية بقاء القوى التي تعتبرها واشنطن حليفة. كما أن النظام يفضل أن تدوم الحرب مع داعش ويشعر بأن الغرب سيضطر للتعامل معه».
وهو ما يفسر حسب المعارضة «شعور الأسد بالإرتياح بدلا من شعوره بالحصار هذه الأيام».
جردة من الأرقام
وتعلق مجلة «إيكونوميست» البريطانية في عددها الأخير على مسار الحملة الأمريكية التي تقول إنها جاءت ردا على قتل داعش أربع رهائن غربيين في آب/ أغسطس، ولكن لم يكن هناك أي اهتمام أمريكي بما توصلت اليه هيئة محلفين في لندن تشرين الأول/ أكتوبر من أن النظام السوري لبشار الأسد قتل «وبنية مدبرة ومقصودة» الطبيب البريطاني عباس خان.
فقد اعتقل خان عندما دخل مدينة حلب لمساعدة الجرحى هناك. وسمح لوالدته بزيارته عندما كان في السجن بدمشق ولاحظت آثار التعذيب عليه المعروفة في سوريا، حيث لم يبق منه سوى هيكل عظمي، وقلعت أظفاره وتعرضت قدماه للحرق. وتضيف أن العالم ركز جهوده على مكافحة داعش في الوقت الذي استغل فيه الأسد التدخل الأمريكي وواصل غاراته الجوية بدون معوقات.
وشن في الفترة ما بين 20 – 31 تشرين الأول/ أكتوبر 850 هجوما بما فيها رمي البراميل المتفجرة ضد المدنيين. ففي 29 تشرين الأول/ أكتوبر قام النظام بقصف معسكر للمشردين في محافظة إدلب، وقتل في الشهر الماضي ستة صحافيين محليين – مقارنة مع داعش، وكان منهم صحافي مات تحت التعذيب بعد عامين من الاعتقال.
وتقول المجلة إن النظام لا يحظى باهتمام قدر ما يتم التركيز فيه على داعش إلا أن جرائمه هي أكثر من تلك التي يرتكبها تنظيم الدولة. فيما لا يزال النظام يواصل تعذيب المعتقلين وبطريقة بشعة.
وتشير المجلة إلى ما قامت به منظمة العفو الدولية «أمنستي إنترناشونال» من توثيق 31 طريقة للتعذيب، بعضها لم يكن معروفا في الماضي. ويقول المقاتلون السوريون إن النظام استخدم كميات قليلة من غاز الكلور رغم تسليمه ترسانته الكيميائية بعد الهجوم الكيميائي الذي قتل ألف أو يزيد من المدنيين فى آب/ أغسطس 2013.
ولا يزال ناشطون سلميون مثل مازن درويش، مدير المركز السوري لحرية التعبير رهن الاعتقال. وتعتقد المجلة ان عمليات القتل المسرفة التي يقوم بها النظام تؤثر على استراتيجية الولايات المتحدة لإضعاف داعش.
حنق سني
وتضيف ان السنة في سوريا والذين يشكلون نسبة ثلاثة أرباع السكان حانقون على الضربات الأمريكية ضد جماعات سنية، فيما لا يتم عقاب النظام العلوي على جرائمه. وتقول إن الأيام لبناء دولة تقلد الديمقراطية في الأوروبية قد مضت، ومن يطالب بها اليوم يتهم بالنفاق.
مشيرة لاعتراف وزير الدفاع الأمريكي تشاك هيغل باستفادة النظام السوري من الهجمات. وترى المجلة إلى ان الجانب الآخر من الإستراتيجية الذي أعلن عنه الرئيس أوباما في 10 إيلول/ سبتمبر لتدريب المعارضة لم يبدأ بعد، وقد لا تجد الولايات المتحدة من تدربهم منها، خاصة ان قوات المعارضة في تراجع منذ عام 2012. وبعد أن سيطرت قوات الجهاديين من النصرة على الساحة القتالية. وتعلق على تراجعات المعتدلين وموقف البنتاغون منها، حيث لا ترى الإدارة فيها «نكسة كبيرة» ولكن جماعة النصرة تقترب من باب الهوى مما يعني عزل القوى المعتدلة.
وترى المجلة ان استمرار الوضع الحالي قد يؤدي لسيطرة جبهة النصرة على شمال- غربي سوريا وداعش على شرقها والنظام السوري على الوسط، وهذه ليست النتيجة التي كانت واشنطن وحلفاؤها تسعى إليها. وهذا راجع لارتباك السياسة الأمريكية.
تغيير طاقم
ومن هنا يرى ديفيد إغناطيوس في صحيفة «واشنطن بوست» ان الرئيس الأمريكي الذي أضعفته الانتخابات بحاجة لإعادة صياغة سياسته الخارجية، فهو وإن لن يقلق بعد الإنتخابات النصفية وفيما تبقى له من سنوات في البيت الأبيض على الإنتخابات إلا أنه وعد بتحقيق إنجازات في الربع الأخير من ولايته.
وأمامه عدد منها فقد يتوصل لصفقة مع إيران وأخرى مع الصين حول قضايا المناخ واليابان بشأن التجارة الحرة، ولكن الكابوس الذي يواجه أوباما هو داعش. مشكلة كبيرة يقول إغناطيوس للرئيس «فسياسة أوباما لا تزال غامضة وحذرة».
و «مع ذلك فالتوسع السريع لداعش قد توقف والحملة على التنظيم ستستمر حتى بعد رحيل أوباما». وينقل عن مسؤولين في البيت الأبيض قولهم إن أوباما يعرف أنه بحاجة لدماء جديدة.
وما يعنيه هذا الكلام هو محل تكهنات لأن الرئيس لم يقرر بعد. ويقدم الكاتب بعض التكهنات منها أن البعض في البيت الأبيض يريد انتقال نائب مدير الأمن القومي أنتوني بيلنكين ليحل محل بيل بيرنز كنائب لوزير الخارجية. وقد ينضم لفريق سوزان رايس مايكل موريل، نائب مدير سي أي إيه سابقا. وهناك توقعات بترك تشاك هيغل، وزير الدفاع قبل رحيل أوباما وربما حلت محله ميشيل فلورنوي.
وقد يلعب الجنرال جون ألن المكلف بملف متابعة مواجهة «داعش» في العراق وسوريا دورا في تحقيق سياسة أوباما. ويقول إغناطيوس، على الرغم من رفض الناخبين لحزب أوباما إلا ان الرئيس لديه سياسة خارجية عملية ويمكن إنجازها حال تمت متابعتها بشكل جيد.
إبراهيم درويش