العزلة هي سلوك إنساني قد يلجأ إليه الفرد في زمان ومكان معينين، اضطرارا أو اختيارا، هو تفاعل إيجابي أو سلبي مع سياق اجتماعي معيّن، بل يمكن القول إنه انتصار للذات وهروب من المحيط، وقد يكون رغبة في إثبات قدرة الإنسان على تحقيق الرضا المعرفي اتجاه قضية معينة؛ إنها مساحة ضوء خضراء لتحفيز التحول الذاتي بشكل كبير، وكيف يتعاطى مع دورة الحياة في سكونها. هي إعمال للعقل والفكر والابتكار، والحفاظ على دوام التواصل مع عالمنا الداخلي بلغة أنتوني ستور، بانسجام مع المخيلة لمعانقة أفكار ورؤى جديدة، تسهم في تحقيق أهداف وطموحات ورغبات وأعمال وإبداعات، قد تبدو صعبة المنال، أو مستعصية عن القبض في لحظات المعيش اليومي. ولعل من أوجه العزلة التي أغرت الباحثين والمهتمين، نجد ما قام به العديد من المفكرين والمبدعين في معارف شتّى؛ وهي عملية تزاوجت بين الاختيار الطوعي لذلك، وطرف آخر كان ضحية العزلة القسرية، والسجن الانعزالي. ومن القامات المعرفية القديمة، التي أبدعت في عزلتها؛ سواء كانت اختيارية أو قسرية؛ نجد أبو العلاء المعري الشاعر، وعبد الرحمن بن خلدون المؤرخ، والشيخ ابن سينا الطبيب.
رهين المحبسين:
يعتبر المعرّي من الشخصيات المثيرة للجدل في تاريخ الشعر والنثر العربيين، التي أغرت النقاد لدراسة نتاجه الشعري، ولعل أهم ما ميّز حياة المعري؛ هو اختياره العزلة في بيته بعد فقده لأبويه اتباعا، وإصابته بمرض الجدري الذي أصابه بالعمى؛ فغدا «رهين المحبسين» كما سمّى بذلك نفسه. مختليا بنفسه معتزلا الناس، عدا طلبة العلم الذين كانوا ينهلون من مخزونه الأدبي شعرا أو نثرا، لكن تبنّيه لخيار العزلة لأكثر من أربعين سنة كانت فرصة للإبحار في عالم الإبداع الشعري والكتابة النثرية، بلغة أصابت المتلقي بالدهشة، لأن كتاباته تجاوزت أفق تلقيه في أحايين كثيرة؛ من قبيل «سقط الزند» و«اللزوميات» أو «رسالة الغفران»؛ فلم «يدع لنفسه شهوة إلا أذلّها ولا عاطفة إلا أخضعها لسلطان العقل» كما أخبرنا طه حسين. فرغم نفحة التشاؤم والقلق والحزن، التي تسم معظم نتاجه، ونظرا لامتثاله للمنطق والفلسفة في نتاجاته؛ إلا أنها كانت حبلى بالصور الشعرية التي عجز الشعراء المبصرون عن الإتيان بها؛ ساعده في ذلك ما حظي به من تعليم منذ صغره، في مجموعة من الفنون والعلوم، وكذا توقّد قريحته التي أطلق عنانها ليغوص في عوالم الدنيا والآخرة، إنها لغة لا يفهم أسرارها إلا من تملّك ناصية اللغة وخبر مضامينها. فقد فرّ إلى ذاته عساها تحضن آلامه وأحزانه، وتفكّ أسره وقيده الذي ألزم نفسه به، فاختبر القصيدة ليبوح لها بكل أسراره، محاولا أن يخلو بنفسه في «رسالة الغفران» ليبحر في عوالم لا تُرى إلا في مخيلته. ظانّا أن ذلك فسحة أمل عساه ينجو من نظرة محيطه له، إلا أنّ كلّ ذلك لم يمنعه من جودة الإبداع وروعة السفر، الذي دام طويلا وانتهى بباكورة أعمال امتدت ليومنا هذا. ملخّصا فلسفته في الحياة في قوله:
تعبٌ كلها الحياة فما أعجبُ
إلا من راغبٍ في ازديادِ
إنّ حزنا في ساعة الموت أضعاف
سرورٍ في ساعة الميلادِ
خُلقَ الناسُ للبقاء فضلّت
أمةٌ يحسبونهم للنّفادِ
إنما ينقلون من دار أعمال
إلى دار شقوةٍ أو رشادِ
ضجعةُ الموتِ رقدةٌ يستريح
الجسم فيها والعيش مثلُ السهادِ
عبد الرحمن بن خلدون:
سرّعت السياسة وتقلباتها ودسائسها دخول عبد الرحمن بن خلدون نادي كبار المؤرخين، وخلّدت اسمه كفاتح لمعرفة جديدة سبقت عصره بكثير، وجعلت مجموعة من المهتمين بالعمران البشري يعتبرونه أوّل من أسس مبادئ علم الاجتماع. وبعيدا عن السياسة وتقلباتها التي لم تنصفه، بل كادت أن تعصف به في أحايين كثيرة؛ بعيدا عن كلّ ذلك فطنة إلى خطورة الطريق الذي ركبه، وقرّر العزلة الاختيارية ليستمع لنبض المعرفة، مبتعدا عن الأضواء لفترة تواصلت لأربع سنوات، في مغارة تقع في مدينة فرندة في ولاية تيارت في الجزائر؛ وهي منطقة استراتيجية عرفت بمرور القوافل التجارية، ممّا مكّنه من ملازمة أخبار الناس وأحوال الحكام، فأعانه ذلك على دراسة الظواهر الاجتماعية والاقتصادية والسياسية آنذاك، التي بثّها في «المقدمة»؛ إذ رصد فيها وبدقة متناهية تطوّر المجتمعات البشرية وتفاعلاتها، وما يعتريها من تقدّم وازدهار وأفول. فتناول ابن خلدون جميع ميادين المعرفة، من الشريعة والتاريخ والجغرافيا والاقتصاد والعمران والاجتماع والسياسة والطب والأدب والموسيقى إلخ.
ابن سينا:
الشيخ ابن سينا أحد أعمدة الفكر العربي والإسلامي في مجموعة من الحقول المعرفية؛ ولعلّ أبرزها الطب ـ إلى جانب الفلسفة والموسيقى ـ حيث خبر هذا الميدان وتقدّم فيه على من سبقه ومن جايله ومن أتى بعده. وقد كانت مداواته الملك نوح بن منصور من مرض ألمّ به، فرصة لبداية عزلة ذاتية بين رفوف مكتبة الملك المشافَى، الذي سمح للشيخ ابن سينا بالاستفادة من معينها لمدّة ليست باليسيرة، كردّ لجميل صنيعه بعدما شخّص حالته وأعطاه الدواء المناسب الذي سرّع بشفائه. لقد كانت هذه مرحلة فيصلية في حياة الشيخ ابن سينا ليختلي بعالم الكتب ويطّلع على ما حوته المكتبة الملكية من نفائس وذخائر أوراق المجلدات. وهي خلوة كان دافعها تنمية شخصيته المعرفية، وإضافة زاد معرفي آخر، وبذلك انتصر لذاته وطموحه، مفضّلا العزلة المعرفية على ملذات الحياة وشهواتها. لكن السياسة غالبا ما كانت تخاصم المفكرين، وعقبة أمام تحقيق أهدافهم الفكرية، وكأنهم خلقوا لزمن غير زمن السياسة ولهيبها وتجاذباتها. ففي قلعة «فردقان» سيكتشف الشيخ الرئيس عزلة من نوع آخر، عندما قضى أياما طوالا في السجن، عقب اعتقاله في همذان بأمر من أميرها لتهم لا ذنب له في ما نسب إليه، لكن مكر السياسة وصراعاتها، أدخلته غياهب العزلة الاضطرارية، إلا أنّ طموحه حوّلت ظلام السجن إلى نور أضاء للبشرية طريقها وأهداها «القانون في الطب» بعدما خطّ أجزاء مهمّة منه في عزلته؛ وهو المعتمد في الطب العربي وحتى الغربي لقرون طويلة، كما ألّف مصادر أخرى «الهــــداية، ورسالة القولنج، ورسالة حي بن يقظان».
فالعزلة لدى هؤلاء العباقرة لم تكن فسحة أو نزهة للاختلاء بالنفس من ضجيج العيش، كما أنها لم تعتبر انسحابا كلّيا من الحياة الاجتماعية، وفرارا من أداء المسؤولية، التي كان يقوم بها كل واحد، بل هو اختفاء عن الأنظار للحظة وعود للمجتمع من جديد بلذة الإبداع، وتوثيق للغة التحدي وانتصار لمنطق السؤال الذي يجد إجابته في ما تم بثّه بين ثنايا كتبهم من أفكار لا تقدّر بثمن؛ إنها العزلة التي تصنع المعرفة في مجالات شتّى، فاستحقّوا أن يخلّدوا في عالم الإبداع.
٭ كاتب من المغرب