تتجه مجموعة القاص العراقي عبد الله الميالي «رصاص القلم» ـ صدرت عن الرابطة العربية للآداب والثقافة، فرع بغداد 2007 ـ اتجاها أيديولوجيا في إعادة بث وتوزيع مناطق الفراغ الدلالي واللامصرح به والمسكوت عنه، بل إنه يستخدم فلسفة إعادة توزيع المناطق الصامتة، ومن هذا المسكوت، عبر أيديولوجيا إبداعية من صميم حركية الأدب. فعبد الله الميالي يتلاعب بمواقع مركزيات القيم، فالشخصية عنده منظِم يتحكم بمناسيب المتخيل والواقعي، والمفارقة هي الحدث عنده، باعتبارها علامة فارقة في الزمن المتصل بغية خلخلة الصامت والمسكوت عنه.
ومن هنا فالقصة القصيرة جدا عند الميالي في بعض نماذجها، نشاط علاماتي يعيد توزيع المسكوت عنه والصامت في عوالم ممكنة من إنتاج أيديولوجيات، أو تحريك أيديولوجيات موجبة لمقولة الخير والجمال والسلام والتحريض ضد الشر، فكل مسكوت عنه في السرد هو أيديولوجيا كامنة، وتكون المفارقة هي الحدث الحقيقي لا مجموعة أفعال السرد فهذه الأفعال ليست حدثا إنها منتج يومي عادي، أو متخيل، يحاول التنبه إلى عاهة اليومي.
وما يجعل من الحدث حدثا، هو الوقع الدلالي الصادم، وهو يتحرك وفق نسقه الثقافي.
مدلول الشخصيات
إن الشخصيات التي يتعامل معها الميالي، في مجموعته القصصية «رصاص القلم»، هي مداليل ثقافية، ولما كانت مداليل ثقافية فإنها تنمو في دوائر المتلقي لا في بنية التشكيل اللغوي، كي نقول إن قصر القصة القصيرة جدا يمنع نمو الشخصية، ولا يسمح بتناول أبعادها المتنوعة، نتيجة القصر في الشكل ونتيجة نوعية الجنس القائم على الالتقاط والإيحاء، والتكثيف هذا إنما يصح في أنماط الشخصيات الأخرى، لكن القصة القصيرة جدا تتعامل، على الأغلب الأشد، مع شخصية ذات نمط مغاير (باعتبارها مورفيما فارغا، أي بياضا دلاليا، وهي بذلك لا تحيل إلا على نفسها، ما يعني أنها ليست معطى قبليا وكليا وجاهزا، إنها تحتاج إلى بناء، بناء يقوم به النص لحظة «التوليد» وتقوم به الذات المستهلكة للنص لحظة «التأويل» ويتجلى هذا المورفيم الفارغ من خلال دال لا متواصل يحيل على مدلول لا متواصل كذلك، فكما أن المعنى ليس معطى في بداية النص، ولا في نهايته، وإنما يتم الإمساك به من خلال النص كله، كما يقول رولان بارت، فإن ملامح الشخصية لا تكتمل (لا تتلقى دلالاتها النهائية) إلا مع عمليات التلقي (القراءة) ونهاية «مختلف التحولات التي كانت سندا لها وفاعلا فيها».
وهذا يقرب من المنتخبات الإلهية المعروضة في الذكر الحكيم، حيث يتم التقاط شرائط ونتائج الواقعة ومفارقاتها، التي مارست فيها الشخصية سلوكا ما بمعادل لغوي يؤسس عند قراءته أنماط وسنن إدراكه، بمعنى أنه يمارس تسنين الومض لفتح الدلالة، بحيث تنمو الشخصية في متسع التدليل، لا متسع التشكيل اللغوي للآية فمثلا.. «مثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث. مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ذهب الله ما حولهم. فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا. فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا». وغير ذلك كثير من روائع الاستعمال الإله،ي فهو لا يعتني بأبعاد الشخصية، إنما ببعدها الثقافي، معتبرا أيها دال ثقافي ينمو ويتعدد في المصداق عبر الأجيال.
السارد هنا هو عبارة عن (نظرة)، وهي بتصور هامون، كما يقدمها سعيد بنكراد بترجمته، أنها ثيمة مركزية، أنها تقديمية، فمن خلالها تتم بلورة موضوعات مدرجة في النص ستوضع أمام شخصية، أو أمام قارئ محتمل.
ومن جانبه يرى سعيد بنكراد، أن الشخصية ليس كدال لغوي وحسب، بل باعتبارها مدلولا ثقافيًا أيضاً، وبؤرة جذب لكل القيم الثقافية المنتشرة في ثنايا النص السردي، ذلك من المتعذر إدراك الزمن أو الفضاء، على سبيل المثال، بدون التركيز على الشخصية كُبعد ثقافي يتحرك في الفضاء ويجوب الزمن وينشئ عوالمه الممكنة.
قلم
«كتبَ مقالاً عن حُرية التّعبير، داهمهُ جُندُ الحاكم، اعتقلوا خلاياه التي حرّضت على الشغب، أطلقوا سَراحهُ صارَ يطوفُ الشوارع يحرّض الناس على الصمت!»
هذا النص يعيد إنتاج المسكوت عنه، عبر علامات سيميائية، تتجه العلامة ظاهريا إلى المعجم والمرجع ويحرض المتن بسخرية مريرة إلى التدليل المعارض لتجر شخصيات المسكوت عنه، إلى الظهور عبر تحريض العلامات داخل المتن السردي، فالقلم الماتح من نون التاريخ، وما يسطرون به الآن، محاصر بمهيمنات نفسية واجتماعية وسياسية، والنسق المضمر هو الاعتقال كظاهرة استعلائية «إن فرعون علا في الأرض»، فرعون الظاهرة وقلم الظاهرة القلم الشاهد على عصره، إما يخضع لجند لا يراهم إلا القلم كأحياء مجهرية، في مزاج محبرته، كالمثقفين والكتاب التكفيريين، الذين يحرضون على الصمت إزاء الكلام الواعي، أو هم دعاة حق انقلبوا وانسلخوا بفعل الاعتقال الناعم لأنفسهم، باتباع مشتهيات الهوى، فهؤلاء يكتبون الكتاب الحياتي والحضاري، والمشهد الإنساني بأيديهم، وأيديهم هنا هي الخلايا المعتقلة رهبا ورغبا.
نلاحظ أن أفعال النص قامت مقام الوصف، والوصف لا يتقوم إلا بنمو وامتداد الشخصية، فنحن هنا أمام ست حالات نفسية وحركية وفكرية واجتماعية، استعرضها النص بأريحية تامة «كتبَ مقالاً عن حُرية التّعبير/ داهمه جند الحاكم/ اعتقلوا خلاياه/ أطلقوا سراحه/ صار يطوف/ يحرض الناس». هذا يعني قدرة القصة القصيرة جدا على الوصف بتقنية التكثيف المانعة للوصف نفسها، فمن قال إن الوصف هو الاسترسال الكمي، فيمكن أن يكون استقطابا كيفيا (عبس وتولى/ فحشر فنادى/ إنه فكّر وقدّر/ ثم نظر ثم عبس وبسر ثم أدبر واستكبر»، هذه أفعال تقوم مقام الوصف عبر التكثيف.
يخبر النص عن جذر الواقعة اللغوية كتبَ مقالاً عن حُرية التّعبير ثم ينتقل السارد إلى وضع الرائي، كي تكون نظرته بتعبير فيليب هامون، المكون الرئيس في المشروع الوصفي، فالنظرة تضعنا هنا أمام «داهمه/ اعتقلوا/ أطلقوا سراحه/ صار يطوف/ يحرض الناس».
السارد هنا هو عبارة عن (نظرة)، وهي بتصور هامون، كما يقدمها سعيد بنكراد بترجمته، أنها ثيمة مركزية، أنها تقديمية، فمن خلالها تتم بلورة موضوعات مدرجة في النص ستوضع أمام شخصية، أو أمام قارئ محتمل، من خلال أجزائها ومظاهرها وحجمها وامتدادها وعلاقتها مع موضوعات أخرى. إن الأفعال الواصفة هنا تمكن السرد من تقطيع زمنيته، وتشكل حضور الشخصية في واجهات متعددة. وبهذا نزعم أن نمو الشخصية ممكن في رؤى التحليل السيميائي، غاية الأمر، إن الحذف والتكثيف والاختزال يمارس نشاطا لغويا لكنها، أي الشخصية، تمارس نموها خلف الكواليس، أو أنها فعلا تمارسه كونها دالا ثقافيا.
النص الثقافي
يؤكد سعيد بنكراد قائلا.. وإذا كنا قد لاحظنا أن أصل بناء الشخصية هو وجود بنية دلالية مجردة ذات طابع كوني، فإن وضع هذه البنية داخل شكل خاص معناه استحضار النص الثقافي العام الذي ينتج داخله النص السردي. ونتيجة لذلك فإن بناء الشخصية ومثولها أمام المتلقي ككيان متكامل هو بناء ثقافي. فالمتلقي لا يستطيع إدراك هذه الشخصية ومعرفـة أسرارها إلا من خلال المخزون الثقافي المشترك بين محفل الإبداع ومحفل التلقي. «فالشخصية الفنية تبنى لا كتحقيق لترسيمة ثقافية محددة وحسب، بل تبنى أيضا كنسق من الانزياحات الدلالية تجاه هذه الترسيمة، ووجود هذه الانزياحات هو الخالق للوصفات الخاصة.
ولفهم الأيديولوجيا التي يتبناها عبد الله الميالي في هذا النص، وفي نصوص أخرى ضمن مجموعته «رصاص القلم»، يمكن القول إن المبدع يخلق أشكالا جديدة لتحقق القيم من خلال إعادة توزيع المسكوت عنه، والحامل لتلك القيم وفق (الاستراتيجية التي تمليها الأنساق التي يستند إليها في تحقيق هذه القيم، ويجب النظر لهذه الاستراتيجية باعتبارها طريقة خاصة في تنظيم المعنى، وتنظيم المعنى في طبقات هو ما يحدد أيديولوجية المعنى).
تشكل القيم
في مجموعة «رصاص القلم»، نرى أن القصص هي أشكال مخلقة وجديدة، وليست تحديدا لمضامين. وبهذا فإن الميالي في قصصه يتحول من القيم إلى نظام تحقق القيم، وما الأيديولوجيا إلا الوجه المشخص لهذه القيم، ولكنها قيم مجردة تتشكل تشخيصيا في سياقات خاصة، في هذا الخصوص يؤكد بنكراد «ليس النص السردي مجرد تسنين لساني، يحاول أن يوازي أو يماثل بين ذلك التنظيم وتمثلاته الذهنية المرتبطة به، إنه أيضا (وبالإضافة إلى ذلك) «سيرورة خطابية» تتشكل حسب أطوار ومراحل متباينة، وهذا ما يمنح للمستوى الأكسيولوجي والمستوى الأيديولوجي قيمتهما في تحقيق بعض التحديدات الخاصة بتسنين النص السردي».
٭ كاتب من العراق