قراءة في كتاب «أنا ديناميت»… نيتشه كما لم نعرفه من قبل

ترجمة: لينا شدود
حجم الخط
1

بدءاً من العلاقات العاطفية وصولاً إلى السراويل المفقودة.. تأخذ هذه السيرة الذاتية المفعمة بالحيوية، بعين الاعتبار الوقائع التي شكّلت تفكير الفيلسوف نيتشه، وتفسّر لماذا أُسيء فهمه. ثمة قواعد غير تقليدية حول كيفية تناول السيرة الذاتية الحديثة، مثلاً أن تبدأ بتاريخ الولادة، أو حتى الموت فهذا يجعل الأمر أكثر عمومية ومبتذَلاً.
بدلاً من ذلك من المرجّح أن تعثر على حادثة في منتصف العمر، أو أمر دراماتيكي وخاص، على سبيل المثال كمخطوطة قديمة، مبارزة، أو حادثة ما أعادت تكوين البطل جذريّاً. وعليها أن تكون مباغتة وموتِّرة من ذلك النوع الذي يجعل القراء يشعرون وكأنهم قد حطّوا في وسط أحداث سرقة مثيرة في فيلم، ومن غير الواضح ما إذا كان أحد ما سينجو.
أقام نيتشه على مدى ثلاثة أعوام مع لو سالومي ومع صديقه الحميم في مثلث فلسفي شهواني لا ينطوي على الجنس، بل على الكثير من وجهات النظر، لذلك حينما تقرّر سو بريدو أن تكشف ذلك الجانب من حياة نيتشه المختلف كليّاً، فعليك أن تدرك أنك بين يدي كاتبة سيرة ذاتية، إما أنها ليست كفوءة أو واثقة من نفسها إلى حد كبير. من غير المرجّح أن كتبها السابقة عن سترندبرغ ومونك قد حصدت جوائز، فبدلاً من أن ترينا نيتشه في منتصف العمر وهو يصدر أصوات حيوانات مريعة، بينما تستقبل أمه الزوّار في غرفة الجلوس أو نيتشه الهزيل متسلّقاً جبال الألب، متخيّلاً نفسه الإنسان الأعلى الذي يُتَرجَم عادة إلى سوبرمان، ولو أن ذلك يبدو هزليّاً، بل على العكس تماماً تقوم بريدو بتقديم نيتشه غير المحدود لنا، قبل أن يدرك نيتشه ذات نفسه، أو أي شخص آخر من هو في الواقع.
تبتدئ بريدو السرد مع اقتباس طويل من رسالة كتبها نيتشه الشاب بتاريخ 9 نوفمبر/تشرين الثاني من عام 1868، حينما كان لا يزال طالباً يدرس فقه اللغة؛ العلم الذي لم يكترث لأمره كثيراً في جامعة لايبزيغ. صحيح أنه يصف ذلك اليوم بالخاص جداً، حينما التقى بريتشارد فاغنر لأول مرة؛ المؤلف الموسيقي الذي سيغدو في ما بعد معلمه الخاص، ومصدر إلهامه. غير أن ذلك الرجل البالغ من العمر أربعة وعشرين عاماً والمتورّط في قدر كبير من التفاصيل الطارئة، التي تصرّ بريدو على اقتباسها كاملة: على سبيل المثال كفقدان بدلة جديدة وأنيقة، برنامج تعليمي ارتجالي في المدرسة الإيلية (المدرسة الفلسفية اليونانية).
ذلك هو نيتشه الذي لم يعرفه أغلبنا من قبل: حالة من الإنكار للذات، وحينما يفقد سرواله يجد الأمر مضحكاً، كما أنه لا يمكن التنبوء بكل ما يخصّه، ثم إن هناك الكثير من الأصدقاء ممن يتقرّبون منه، ومن ثم يغادرون، بينما هو يبدّد الوقت في مطعم طلابي شعبي قبل أن يتهيأ أخيراً للقاء الرجل العظيم، ومن الملاحظ أيضاً أن بريدو تقاوم إغراء التعبير عن رأيها في أن تشدّ بعصبية على أكمامنا، لتتأكد إن كنا قد أدركنا حقيقة أن نيتشه ليس أكثر من شرير منتصف القرن، أو فاشي أو حتى قاتل متسلسل، لاسيّما أن سفّاح المستنقعات إيان برادي كان أحد معجبيه. بالتأكيد أن ذلك كان ممتعاً للغاية، ولكن هل يجرؤ أحدهم على قول إن ذلك كان عادياً. غير أنه لا شيء من هذا القبيل سيكون مصدر إلهام ووحي للفلاسفة الأكاديميين، الذين أشرفوا على إعادة تأهيل نيتشه قرابة الربع قرن.

في كتابه الأخير الذي ألّفه قبل إصابته بمرض عقلي، طرَحَ نيتشه سلسلة من أقوال غير سويّة: مثلاً «لمَ أنا ذكيّ جداَ؟ ولماذا أؤلف أعمالاً عظيمة كهذه؟ وفي حال تساءل أحدهم، أنا لست إنساناً، أنا ديناميت». إلى حدّ ما يمكن أن نطلق عليه تسمية شاعر الأداء.

وحتى سبعينيات القرن العشرين كان نيتشه؛ ابن القس البروسي، غالباً ما يوصَف ودونما اهتمام بالمتعاطف مع النازية. على الرغم من وفاته عام 1900 إلا أنه من السهل اكتشاف سبب نشوء تلك الفكرة. كما يمكن بسهولة إعادة صياغة أفكار نيتشه عن «الإنسان الأعلى» كحجة للتفوق الآري، بينما يبدو عنوان كتابه «إرادة القوة» الذي نُشر بعد وفاته. ولكن في ما بعد، ومع تعاقب السنين، من الجليّ أن القراءات الإصلاحية لأعمال نيتشه بدأت مؤخّراً بالسماح للمفكر الأصلي بالظهور للعلن. في هذه الأيام يُنظَر إلى نيتشه كصاحب رؤية إلى ما بعد الحداثة، «ليس ثمة حقائق، بل تأويلات» فقد كان هذا أحد أقوال نيتشه الشهيرة بالإضافة إلى «مات الله».
في كتابه الأخير الذي ألّفه قبل إصابته بمرض عقلي، طرَحَ نيتشه سلسلة من أقوال غير سويّة: مثلاً «لمَ أنا ذكيّ جداَ؟ ولماذا أؤلف أعمالاً عظيمة كهذه؟ وفي حال تساءل أحدهم، أنا لست إنساناً، أنا ديناميت». إلى حدّ ما يمكن أن نطلق عليه تسمية شاعر الأداء. على كل حال، تخبرنا بريدو مراراً وتكراراً، أن كبار النازيين لم ينظروا إلى نيتشه كواحد منهم. وقد أشار إرنست كريك وهو أحد الأيديولوجيين البارزين للرايخ الثالث؛ بسخرية وبصرف النظر عن حقيقة أن نيتشه لم يكن اشتراكياً ولا قوميّاً، بل معارضاً للتفكير العنصري، بل ربما هو في الواقع مفكر اشتراكي وطني رائد. لم يكن هتلر ذكيّاً أو مرحاً مثل كريك، ذات مرة أخبر صديقته ليني ريفنستال: «لا يمكنني الاستفادة كثيراً من نيتشه.. هو ليس معلمي». في الواقع لا يوجد دليل على أن الفوهر قد قرأ له.
المتطرّف السياسي الوحيد الذي كان سعيداً ومقرّاً بنفوذ نيتشه عليه هو ليون تروتسكي، الذي كان يرغب في أن يتخيّل أن إنسان نيتشه الأعلى على شاكلة عامل سوفييتي عَرِق. تشعر بريدو في مجالات أخرى من مشروعها وتحت ضغط أقل أن عليها أن تقدم مراجعات مقنعة لعناصر قصتها. على سبيل المثال ليس ثمة إنكار لحقيقة أن نيتشه بقي غريب الأطوار بالنسبة للأمور التي تتعلق بالنساء، بالإضافة إلى درجة معقولة من السخرية اللاذعة.
تروي بريدو قصة افتتان نيتشه بكوزيما واغنر، ولا شيء غريب بالنسبة لذلك فهي زوجة ريتشارد فاغنر الثانية، التي كان وجودها آسراً، إلى أن تدرك أنه وبينما كان نيتشه يتأوه على صدر سيدته، كان أيضاً يجول في كلّ الأماكن بغرض تحديد مكان سروال الحرير، الذي بدونه سيشعر المؤلف الموسيقي ريتشارد فاغنر بأنه ليس بإمكانه أن يكتب أي نوتة موسيقية أخرى، ومن ثم هناك المرأة الروسية الجامحة والفاتنة لو سالومي، التي من المحتمل أو غير المحتَمل أن تكون قد حشَت صدريتها. غالبية مفكري أوروبا أثاروا الجدل وبقسوة بخصوص تمثالها النصفي الكبير غير المألوف.
أمّا شقيقة نيتشه الصغرى فقد كانت أكثر النساء من حوله إرباكاً وتعقيداً.
فإثر عودتها من ألمانيا، وبعد فشل المحاولة في إنشاء مستعمرة آريّة في باراغواي مع زوجها المعروف بمعاداته للسامية، إذ اكتشفت إليزابيت فرصة جديدة لتجعل التاريخ يسير بالطريقة التي تريدها هي، وبسبب اعتلال صحة نيتشه في ذلك الوقت. بريدو حيرى ما إذا كان مرض الزهري هو الملام، وهكذا وضعت إليزابيت يدها على الملكية الأدبية لأعمال شقيقها، وأمضت السنوات الأربعين المقبلة في تحرير نصوصه الرئيسية والرسائل الخاصة إلى أن شرع يبدو لافتاً للنظر أن نيتشه يكاد يشبه شقيقته، وكما يقال بوطنيته الفجّة والعنصرية. في ظل إشرافها المتسلّط والقادر والسيء، أصبح أرشيف نيتشه ميداناً لدعاة الحقوق اليمينية، الذين رأوا أن أعمال نيتشه المنشورة هي بالكاد ذات أهمية، لأن المغزى الحقيقي من عمله كان موجوداً في مجموعة من المخطوطات والملاحظات والمراسلات.
ملكية الأعمال الأدبية غير المنشورة قولبت لصالح أهداف شقيقته الخاصة.
في الواقع إنها لصدمة أن تكتشف أن كتاب «إرادة القوة» ليس من تأليفه على الإطلاق، ولكنه يحتوي على أجزاء جُمّعت معاً في وقت لاحق من قبل الآخرين، الذين كانوا يعتقدون فعلاً أنهم يعرفون ما الذي يعنيه نيتشه أفضل مما يفعله هو شخصيّاً. المتعة الهائلة لتلك السيرة المفعمة بالحيوية، التي أنجزتها بريدو، والتي هي رصد للفلسفة في طور نشأتها. إن القراءة عن حياة نيتشه ذات البدايات الزائفة، والتقلبات الخاطفة، كغيره من الأشخاص هي للتذكير أن أنظمة الفكر لا تصل إلى حد الخطر في المكاتب، أو قاعات المحاضرات، ولكن يتم استنباطها في خضم الحياة اليومية.
ولأجل كل قناعاته الانفعالية طوّر نيتشه أفكاره في قلب العلاقات العاطفية، والسراويل المفقودة، وشقيقته الصغرى المتسلّطة، ربما يراود الفلاسفة الأكاديميون ذلك الإحساس أنه ليس هناك أشياء كثيرة هنا تستدعي انتباههم. بالنسبة لنا تلك السيرة الذاتية ليست أكثر من ذلك النوع من الكلمات التي صنعت الجسد.

عن الغارديان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية