إسطنبول ـ «القدس العربي»: عقب أسابيع من الجدل في أروقة السياسية والمجتمع، وأيام من النقاشات الحادة داخل أروقة البرلمان، نجح حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا وحليفه حزب الحركة القومية من تمرير قانون مثير للجدل حول مواقع التواصل الاجتماعي، تقول الحكومة إنه يهدف إلى تنظيم عملها وحماية المجتمع، وتخشى المعارضة أن يستخدم للتضييق على الحريات في البلاد.
ويفرض القانون الذي مرر في البرلمان بأغلبية أصوات حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية، على شركات مواقع التواصل الاجتماعي الذي يصل إليها أكثر من مليون شخص يومياً من تركيا أن تفتح مكاتب تمثيلية لها في تركيا وأن تتعامل مع الشكاوى ضد المحتوى المنشور على منصاتها والذي يطلب القضاء التركي متابعته أو حذفه أو التحقق منه.
وبناء على المحددات الموجودة في القانون، يشمل ذلك مواقع التواصل الاجتماعي الكبرى وعلى رأسها «فيسبوك» و«تويتر» و«انستغرام» و«سناب شات» و«لينكد إن»، حيث ستكون هذه الشركات مجبرة على فتح مكاتب تمثيلية لها في تركيا، بشروط تفصيلية منها أن يكون ممثلها يحمل الجنسية التركية.
ويوجد في تركيا التي يبلغ عدد سكانها 82 مليون نسمة قرابة 54 مليون متابع لهذه المواقع، وفي حال رفضت شركات وسائل التواصل الاجتماعي تعيين ممثل رسمي، فإن التشريع يفرض غرامات باهظة على هذه الشركات وحظر الإعلانات وتخفيضات النطاق الترددي.
وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اعتبر أن القانون يهدف إلى حماية الحقوق الشخصية للمواطنين ووضع حد للأعمال غير الأخلاقية عبر شبكات التواصل الاجتماعي، مشدداً على أن هذه الشركات يجب أن يكون لها تمثيل مالي وقانوني في تركيا وأنها ليست فوق القانون، ملوحاً بإغلاقها.
وبموجب حكم قضائي، سيتم تخفيض النطاق الترددي إلى النصف، ثم خفضه بصورة أكبر. وهو ما يعني أن عمل شبكات التواصل الاجتماعي سيكون بطيئاً جداً، وسيكون ذلك بمثابة حظر مقنن على المواقع التي ترفض الانصياع للقانون الذي يفرض أيضاً على الشركات تخزين بيانات المستخدمين في تركيا، وهو تحد كبير للشركات التي ستحاول الحفاظ على جمهورها وإعلاناتها الهائلة في تركيا وبين قدرتها وقابليتها للاستجابة إلى الشروط الجديدة للعمل في تركيا.
وسيتم تكليف مندوبي هذه الشركات بالرد على الطلبات الفردية لإزالة المحتوى الذي ينتهك الخصوصية والحقوق الشخصية في غضون 48 ساعة أو تقديم أسباب الرفض. وستتحمل الشركة المسؤولية عن الأضرار إذا لم تتم إزالة المحتوى أو حظره في غضون 24 ساعة.
وتقول الحكومة التركية إن القانون يهدف بدرجة أساسية إلى محاربة المحتوى الذي يتضمن دعماً أو ترويجاً للإرهاب، ومكافحة الجرائم الإلكترونية وحماية المستخدمين والمجتمع من الأشخاص الذين يستخدمون مواقع التواصل للابتزاز أو التشهير أو التنمر الإلكتروني أو الإهانات بحق النساء.
في المقابل، تحذر المعارضة التي تصف القانون الجديد بأنه «قانون الرقابة» من أنه سيعزز من سلطة الدولة على مواقع التواصل، وبالتالي سيحد من الحريات في البلاد، ويمكن أن يستخدم لتقييد حرية المواطنين والمعارضين السياسيين وملاحقة الصحافيين. في المقابل، دافع نواب وصحافيون موالون للحكومة عن القانون الجديد من جانب قومي، معتبرين أن مواقع التواصل الاجتماعي التي تخضع لقوانين مشابهة في العديد من الدول الأوروبية تتعالى على تركيا وتحاول الإضرار بالمجتمع، مشددين على أن الحكومة بإمكانها من الآن فصاعداً أن تمارس دورها في حماية المجتمع، على حد تعبيرهم.
وقال كتاب مقربون من الحكومة إن ألمانيا تطبق قانوناً مشابهاً يتضمن عقوبات رادعة على شبكات التواصل الاجتماعي في حال لم تتعاون مع الحكومة، وكذلك نيوزيلندا التي تصل فيها عقوبة عدم حذف المحتوى الذي تطلبه الحكومة إلى سجن ممثل الشركة، كما أن أستراليا لديها رقيب حكومي يفرض بالقانون قرارات تتعلق بحذف مقاطع إباحية أو إرهابية أو وقف حملات تشهير.
وسبق للحكومة التركية أن أغلقت «يوتيوب» و«يكيبيديا» بسبب رفض إدارة الموقعين التجاوب مع طلبات للحكومة بإزالة محتويات صنفت على أنها دعاية إرهابية أو مضرة بالمجتمع، ويؤيد مواطنون قرارات الحكومة باعتبارها قرارات وطنية وقومية، لكن كثيرين يخشون من تحولها إلى أداة للرقابة على الحريات، وهو ما تنفيه الحكومة.