أوليفيا دي هافيلاند… أسطورة «الزمن الجميل» في هوليود

قالت الممثلة الشهيرة جَون فونتين عن شقيقتها أوليفيا دي هافيلاند: «تزوجت قبلها، وحصلت على جائزة الأوسكار قبلها، وأنجبت قبلها. وإذا توفيت، فسوف تستشيط غضبا لأنني مرة أخرى قمت بشيء قبلها». وتوفيت جَون فونتين عام 2013، ولا نعرف إن استشاطت أوليفيا دي هافيلاند غضبا بسبب وفاة شقيقتها قبلها، ولكنها توفيت يوم الأحد المصادف السادس والعشرين من تموز/ يوليو عام 2020 في منزلها في العاصمة الفرنسية باريس.
ولدت الممثلة البريطانية الشهيرة أوليفيا دي هافيلاند، في اليابان عام 1916 لعائلة معروفة، حيث كان والدها مديرا لشركة للمحاماة هناك، وكان ابن عمه مؤسس شركة «دي هافيلاند» الشهيرة لصناعة الطائرات. ودخلت عالم التمثيل في الثلاثينيات، أي في فترة ازدهار صناعة السينما الأمريكية، بتشجيع من والدتها، ومثّلت هذه الفتاة المتوسطة الجمال والقصيرة القامة (1.6 متر) في أكثر من عشرين فيلما قبل عام 1939، ومنها «كابتن بلد» (1935) و»هجوم كتيبة الفرسان الخفيفة» (1936) و»مغامرات روبن هود» (1938) مع الممثل الأسترالي أيرول فلين (مثلا معا ثمانية أفلام). قدّمت عام 1939 على اختبار لتمثيل دور «ميلاني» في فيلم «ذهب مع الريح»، الذي كانت شقيقتها قد تم اختبارها له ورُفِضَت على أساس أنها كانت تبدو جذابة بينما يحتاج الدور إلى ممثلة غير ذلك، فاقترحت عليهم إعطاء الدور لشقيقتها أوليفيا. ولكن دور «ميلاني» في الواقع كان قريبا جدا من الأدوار السابقة التي مثلتها أوليفيا لكونها رقيقة ومحبة للجميع. ونجحت في الاختبار، ولكنها واجهت مشكلة حيث كانت مرتبطة بعقد مع شركة «وورنر برذرز» بينما كان الفيلم من إنتاج شركة «أم جي أم»، ولذلك كانت أوليفيا تحتاج إلى رخصة خاصة من شركة «وورنر»، فتكلمت مع زوجة مدير الشركة لإقناع زوجها، وكان لها ما أرادت وحصلت على الدور الذي أصبح أشهر أدوارها على الإطلاق وجعل اسمها خالدا في التاريخ السينمائي، بسبب الشهرة الواسعة لهذا الفيلم، الذي يعتبر الأشهر في تاريخ السينما الأمريكية. وترشحت أوليفيا لجائزة الأوسكار عن دورها في الفيلم، ولكنها لم تحصل عليها، وكان هذا ترشحها الأول، إذ ترشحت للمرة الثانية عام 1941 عن فيلم «أوقف الفجر» ومثلت فيه دور مدرّسة أمريكية في المكسيك، تعشق لاجئا أوروبيا، مثّل دوره الفرنسي شارل بواييه، فإذا بشقيقتها جَون تفوز بالجائزة عن دورها في فيلم «شك». وعندما هنأتها أوليفيا تجاهلتها شقيقتها بشكل واضح. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، وبدأ معها أشد خلاف بين شقيقتين في هوليوود، ولكن أوليفيا نجحت أخيرا في الحصول على الجائزة عام 1947 وردت الصاع صاعين لشقيقتها عندما حاولت تلك تهنئتها، وبذلك أصبحتا الشقيقتين الوحيدتين اللتين حصلتا على جائزة الأوسكار لأفضل ممثلة رئيسية. وأصبحت أوليفيا أيضا أحد أشهر نجوم السينما في هوليوود في أربعينيات القرن العشرين، على الرغم من أنها لم تتلق أي تدريب رسمي في التمثيل.
ومما زاد من شهرتها القضية الشهيرة التي رفعتها وربحتها ضد شركة «وورنر برذرز» عام 1943 التي سببت تغييرات في قوانين تشغيل الممثلين. وكان سبب القضية أن النظام المتبع آنذاك كان يربط الشركة بالممثل بعقد يدوم لعدة سنوات، وإذا عرضت الشركة عليه فيلما ورفضه، فإنها توقفه عن العمل لعدة أشهر، وبدون أجر، ثم تضاف هذه الأشهر إلى فترة العقد بعد ذلك. ولكن القضية التي رفعتها أوليفيا غيّرت ذلك، إذ ألغيت إضافة أشهر الإيقاف. وقد أتاح هذا التغيير الفرصة لأوليفيا لاختيار أفلامها التالية. ثم ظهرت في عدة أفلام شهيرة مثل «المرآة المظلمة» (1946)، الذي مثلت فيه دور توأمتين؛ إحداهما طيبة القلب، بينما الأخرى مجرمة وقاتلة. وكان هذا الدور من أصعب الأدوار بالنسبة لها، ولكنها برزت أكثر في أحد أشهر أفلامها وهو «حفرة الثعابين»، الذي مثلت فيه دور المضطربة نفسيا، التي يدخلها زوجها مستشفى للأمراض العقلية. وكسبت إعجاب النقاد، فلم تكن ممثلة موهوبة وحسب، بل إنها أعدت نفسها للدور جيدا عن طريق مقابلة نساء مضطربات نفسيا، وزيارة مستشفى للأمراض العقلية. وكانت مشاهد إجبارها على تناول العقاقير اللازمة والتعرض للصعقات الكهربائية من المشاهد التي أثارت مشاعر الجمهور والنقاد على حد سواء. وتلا ذلك فيلم «الوريثة»، الذي مثلت فيه دور فتاة تصارع محيطها المتمثل بوالدها القاسي ورجل (مونتغومري كلفت) يحاول الزواج منها بسبب ميراثها، وكان ذلك الفيلم سبب حصولها على جائزة أوسكار ثانية لأفضل ممثلة عام 1950.

بقيت النجمة أوليفيا دي هافيلاند، متقدة الذهن حتى النهاية، فلم تفقد ذاكرتها أو تركيزها بعد حياة مهنية متميزة، حيث أصبحت إحدى أشهر ممثلات السينما الأمريكية، وحصلت على جائزتين للأوسكار وخمسة ترشيحات للجائزة نفسها.

ولكن مسيرتها الفنية أخذت بالأفول في الخمسينيات، فتركت هوليوود وذهبت إلى باريس لتستقر هناك، بدون أن تتخلى عن جنسيتها الأمريكية، وتعيش حياة هادئة تخللتها بعض الأعمال، حيث أصبحت أول امرأة تترأس لجنة التحكيم في مهرجان «كان» السينمائي في فرنسا، وظهرت في عدة أفلام، منها فيلمان مع بيتي ديفز، وفيلم «مطار 77»، وكذلك في مسرحيات مع نجوم كبار في فترة السبعينيات مثل، مسرحية «هدية الزمن» مع هنري فوندا، وفي التلفزيون مثلت في مسلسل «جذور». وحصلت على جائزة الكرة الذهبية لدورها في مسلسل «أناستاسيا: سر أنّا» الذي كان عن فتاة ادعت أنها ابنة آخر قياصرة روسيا. وأثار ادعاء تلك الفتاة ضجة شهيرة بسبب اعتراض من بقي من عائلة القيصر.

توقفت أوليفيا دي هافيلاند عن العمل عام 1980، ولكنها لم تتوقف عن الظهور في المناسبات العامة، واستلام الجوائز الكثيرة، حيث حصلت على الميدالية الوطنية للفنون عام 2008 في الولايات المتحدة، ووسام جوقة الشرف من قبل الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي عام 2010، ومنحتها ملكة بريطانيا لقب «سيدة» (Dame) عام 2017. وكان لها نشاط واضح في الكنيسة أثناء إقامتها في باريس.
كانت لأوليفيا دي هافيلاند علاقات غرامية كثيرة مع المخرج جون هيوستن والممثل جيمس ستيوارت ورجل الأعمال الشهير هوارد هيوز، وصدت محاولات شاب أعجب بها وأصبح في ما بعد رئيسا للجمهورية، ألا وهو جون كينيدي. وكانت هناك شائعات قوية حول علاقة غرامية لها مع أيرول فلين الذي اشتهر بعلاقاته مع الممثلات اللواتي يعملن معه، إلا أن أوليفيا نفت كل ذلك قائلة إنها كانت هائمة به، ولكن لم يحدث شيئا بينهما، والعهدة على الراوي. ولكنها على ما يبدو كانت تفضل الكتّاب، حيث كان زوجها الأول الكاتب الأمريكي ماركوس غودرتش، وأنجبت منه ولدا واحدا توفي بعد ذلك بالسرطان. ثم تزوجت الكاتب الفرنسي بيير غالانت وأنجبت منه ابنة واحدة.
وإذ يعتقد الجميع أن التقدم في السن يلين من شخصية الإنسان، فقد أثبتت أوليفيا دي هافيلاند خطأ هذا الاعتقاد، حيث تم عام 2017 إنتاج مسلسل تلفزيوني من ثماني حلقات بعنوان «عداء» عن الخلاف الشديد والشهير الذي ظهر بين الممثلتين بيتي ديفز وجَون كروفورد، أثناء تمثيلهما فيلم «ماذا حدث للطفلة جَين؟» عام 1962. وتطرق المسلسل للخلاف الذي حدث بين أوليفيا دي هافيلاند وشقيقتها، حيث ظهرت الممثلة البريطانية كاثرين زيتا جونز بدور أوليفيا وهي تقول أشياء غير لطيفة عن شقيقتها، فإذا بأوليفيا دي هافيلاند وفي يوم واحد قبل بلوغه عمر العام الأول بعد المئة، ترفع قضية ضد الشركة المنتجة على أساس أن شخصيتها ظهرت في المسلسل، بدون إذن منها وأنها لم تقل تلك الأشياء. وبعد صراع حامي الوطيس في المحاكم الأمريكية كادت أوليفيا أن تنتصر، إلا أن القرار الأخير كان ضدها، حيث على أساس أن التاريخ ليس ملكا لأحد، وعلى أوليفيا أن تدفع للجانب الآخر تكاليف محاميه.
توقع الجميع أن تنشر أوليفيا دي هافيلاند كتابا عن حياتها وعن جميع من عرفتهم في سنوات نشاطها السينمائي، حيث عاشت أكثر منهم جميعا. ولكن هذا لم يحدث أبدا، ما سبب خيبة أمل حقيقية لجمهور السينما ودارسي التاريخ السينمائي. ومع ذلك نشرت عام 1962 كتابا واحدا عن انطباعاتها عن فرنسا.
بقيت النجمة الكبيرة أوليفيا دي هافيلاند، متقدة الذهن حتى النهاية، فلم تفقد ذاكرتها أو تركيزها بعد حياة مهنية متميزة، حيث أصبحت إحدى أشهر ممثلات السينما الأمريكية، وحصلت على جائزتين للأوسكار وخمسة ترشيحات للجائزة نفسها.

٭ باحث ومؤرخ من العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية