لا تجرح الابيض مجموعة شعرية جديدة لعماد غزالي: عودة صارمة إلي الشكل والكتابة علي البحور المركبة

حجم الخط
0

لا تجرح الابيض مجموعة شعرية جديدة لعماد غزالي: عودة صارمة إلي الشكل والكتابة علي البحور المركبة

محمود قرني لا تجرح الابيض مجموعة شعرية جديدة لعماد غزالي: عودة صارمة إلي الشكل والكتابة علي البحور المركبةالقاهرة ـ القدس العربي أصدر الشاعر عماد غزالي ديوانه الخامس لا تجرح الأبيض عن دار هامش للنشر بالتعاون مع جمعية هليوبوليس مرسيليا / فرنسا التي يشرف عليها الشاعر السوري المقيم بالقاهرة وليد خليفة.ويأتي الديوان بعد أعمال غزالي أغنية أولي 1990، مكتوب علي باب القصيدة 1991، فضاءات أخري للطائر الضليل 1999، ظل ليس لك 2004 والديوان منذ عنوانه وغلافه الرائق يوثق ويؤكد الخطي الرومانسية التي ينحو إليها عماد غزالي مع بعض شعراء جيل الثمانينيات في مصر وهي سمة في سمتها العام تبدو منحسرة إلا عن هذه القلة من الشعراء حيث بدأها فولاذ عبد الله الأنور ثم شقيقه فواز والأصغر سماح عبد الله في معظم دواوينه وكذلك يتبدي هذا الملمح لدي شعراء توقف بعضهم أو كاد مثل مهدي مصطفي وهشام قشطة ومحمد السيد إسماعيل. بيد أن خطي عماد غزالي التي كان يعول عليها كثيرا في دواوينه الأولي لا سيما وأنها مقترنة بموهبة عريضة عادت إلي الخلف سنوات ضوئية. فلم يكن الديوان الجديد مكرسا لهذه الرومانسية البيضاء إلي حد الرخاوة، بل استعاد المضامين العمودية إلي الشعر الحر في إجماليه وبدت الأغراض الشعرية في الديوان ذاهبة في معظم الأحوال مذهب الأغراض التقليدية التي تتراوح بين المدح والهجاء. ولن يغير من طبيعة هذه المضامين نثر سطور القصائد علي الهيئة التي تنتظم الشعر الحر.ومع ذلك تبدو الشعرية المطروحة داخل الديوان مهمومة بالبحث عن قاموس شعري جديد وقواف غير مسبوقة ونادرة الاستخدام في الشعرية العربية.إلا أن مجمل ما أتي عليه عماد غزالي رسخه النموذج الذي طرحه الشاعر محمد إبراهيم أبو سنة كرائد في هذا الاتجاه لذلك تبدو ثمة وشائج قائمة بين لا تجرح الأبيض وديوان أبي سنة البحر موعدنا وهو أحد أشهر دواوينه وربما أهم الدواوين في شعريتنا الحديثة التي استفادت من المرجعية الرومانسية واعتمدها طريقة في الوعي بالعالم. غير أن عماد غزالي ـ فيما أري ـ عاد عن سلفه خطوات حتي لو كان يزعم أنه يحاول تجديد الشكل من حيث محاولته الكتابة داخل البحور المركبة وهي تجربة مسبوقة بدأتها الشاعرة الكبيرة والرائدة نازك الملائكة قبل أكثر من ثلاثين عاما ونشرت أكثر من نص من بحر البسيط إثباتا لنظريتها، وردا علي التقول الواسع علي أن شعر القصيدة العربية الجديدة حصرت بحور الخليل بن أحمد الفراهيدي في البحور السبعة الصافية وأهملت المركب منها إلي غير رجعة.يحاول عماد غزالي العودة إلي هذا البحث منذ أولي قصائده الهتاف لكن ثمة خروجات غير مبررة في الإيقاع الشعري يضع التفعيلة كلها موضع سؤال.ففي بداية القصيدة يقول:إلي السماء التي علت متفعلن فاعلن بزيادة فاصلة من حركتين وسكونثم في السطر الثاني يقول:كشفوا أكفهم متفاعلن فعلن وفي السطر الثالث يقول:في ضراعة هتفوا فاعلن مفاعلتن وبقراءة العروض الشعرية متواصلة للسطور الثلاثة سنجدها علي النحو التالي:متفعلن فعلن بزيادة فاصلةمتفاعلن فعلنفاعلن مفاعلتنوعروض البيت في الإجمال لا يمكن تصنيفه فهو يبدأ من الرجز ثم ينتهي إلي المتدارك فالوافر، وإن تم ضبط الإيقاع التفعيلي للقصيدة كلها في التفاعيل الثلاثة المتوالية: مستفعلن فاعلن مفاعلتن حاول الشاعر عماد غزالي اللعب في معظم قصائد الديوان علي هذا التنوع العروضي الذي يكسر حدة التفعيلة الصافية التي عرفتها الشعرية الحديثة منذ الخمسينيات غير أن التفعيلة بدورها تحولت إلي قيد علي استرسال السطر الشعري والمعني في آن واحد، لا سيما لأن الشاعر ـ حتي يتجنب الزلل اعتمد علي تفاعيل مجزوءة وليست كاملة وهو ما حد بدوره من تدفق السطر الشعري. ويبدو ذلك جليا في قصائد عديدة مثل لك وحدك المهداة إلي الراحل سيد عبد الخالق وقصيدة الصديقان وقصيدة قنص و العائد .ويبدو أن الشاعر عماد غزالي قد نسي أن المشروع الشعري العربي الحديث في مجمله وإن اعتمد علي العروض الخليلي في جانب منه إلا أنه يقوم علي مفهوم آخر للوعي بالعالم لم يبتعد كثيرا عن وعي التجربة العربية العريضة السابقة عليه ويختلف عنها أشد الاختلاف وقد كان هذا الوعي الذي فارق البدهية العربية في شعرها كله بمثابة حقل اكتشف نفسه عبر الوعي المركب بالعالم الذي جعل النص الشعري يحتمل مفاهيم مبتكرة وجديدة عليه مثل قدرته علي التأويل وقدرة الجاذبة بقوة معرفية تعتمد طبقات للنص بينهما الفلسفي والاجتماعي إلي آخر هذه المعاني والتجليات التي جعلت المشروع في إجماليته قادرا علي التعبير عن الوعي العربي إبان مرحلة القومية في العالم كله وفي العالم العربي خاصة.لذلك تبدو عـــودة عمــاد غزلي إلي التشـــكيل علي هذا النحو لا سيما في شكله العروضي نكوصا علي محورين.المحور الأول لكون ذلك يمثل ردة عن الأسلاف القريبين الذين أنجزوا مشروعا هائلا في سياق الوعي العربي الجديد الذي بدأ كنتاج لحقبة نهضوية طويلة سبقت الثورة العربية في كل البقاع ويبدو اختزال التجربة في بعدها العروضي أو الإيقاعي نوعا من عدم الوعي الكامل والسليم بها.أما المحور الثاني فهو ما يمثله ذلك من نكوص في تجربة الشاعر عماد غزالي بشكل خاص وهي تجربة اعتبرها ردة واسعة عن خطواتها التي كانت قد بنت ورسخت لملمح كان يمكن تنميته بأشكال مختلفة.ولا أظن أن عماد غزالي سيسعي إلي إنزال هذا الرأي منزلا معاديا للشعرية العربية التقليدية فهو يدرك أننا تربينا في أسرها وما زلنا نقرأ ونستعيدها كأم رؤوم بل ما زلنا نتأملها ونتملاها لكننا سنكون أضحوكة ـ بالتأكيد ـ إذا ما صممنا علي إعادة اختراع العجلة.ولن يغفر التاريخ لكل من وقف أمام أسطورته التي تطحن كل شيء وأي شيء.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية