حرب الأسعار في سوق أدوية كورونا

حجم الخط
0

شركات تحلم بالمليارات من وراء التربح

اشتعلت حرب الأسعار في سوق أدوية كورونا، بين الساعين إلى التربح والحصول على أقصى سعر ممكن لأدوية العلاج واللقاحات، وبين الذين يعلنون أن النجاح في الحرب على الوباء يتطلب استبعاد هدف تحقيق الربح من الأصل، والعمل على إتاحة الأدوية واللقاحات بأسعار التكلفة أو أقل لكل العالم. لكن الأسابيع الأخيرة شهدت تحولا يشير إلى أن حرب الأسعار لها علاقة بالسياسة أكثر مما لها بمعايير التسعير على أساس اقتصادي. ويتصدر ترامب طابور تحويل أسعار أدوية كورونا إلى فرصة هائلة لتحقيق أرباح استثنائية، بينما يقف الاتحاد الأوروبي على الطرف النقيض، داعيا إلى أن تكون أدوية كورونا متاحة للجميع، لأن الفيروس لا يفرق بين مواطني الدول الغنية والدول الفقيرة، ولا دول الشرق ودول الغرب.

وبسبب طابعها الاقتصادي-الاجتماعي، فإن معركة أسعار أدوية كورونا انتقلت إلى لجان الكونغرس الأمريكي، وإلى شاشات المحطات التلفزيونية العالمية، ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث يستمتع الرئيس الأمريكي بتغريدات يومية، منها تغريدة نشرها قبل أيام يتهم فيها شركات الأدوية بالكذب بشأن إعلان يتم بثه، يتهمه بالتدخل لتحديد سعر للقاح المتوقع إنتاجه في الولايات المتحدة بما يتجاوز قدرة أصحاب المعاشات وذوي الدخل المحدود. وقال ترامب أن شركات الأدوية تكذب، لأن السعر الذي حدده لجرعة اللقاح سيقلل قيمة فاتورة العلاج بنسبة 50 في المئة، ولهذا السبب فإن شركات الأدوية تهاجمه في إعلاناتها! ترامب يحسب قيمة فاتورة العلاج، من منظور حملة أسهم شركات الأدوية، والمستشفيات الخاصة، وشركات التأمين، وليس من منظور المريض.

وقد أبدى الرئيس الأمريكي اهتماما كبيرا باحتكار الولايات المتحدة لأدوية كورونا، وأنشأ وكالة للإشراف على ذلك داخل البيت الأبيض، تحت رئاسة زوج ابنته جاريد كوشنر، وعقد صفقات بمليارات الدولارات مع شركات الأدوية التي تجري تجارب على إنتاج لقاحات للوقاية وأدوية للعلاج من الفيروس. ولهذا السبب أيضا فإن حرب الأسعار تحولت إلى صراع بين الشركات المنتجة حول نصيب كل منها من كعكة كورونا، خصوصا بعد أن أعلنت شركة فايزر أنها لن تتعاقد على بيع اللقاح الذي تعتزم إنتاجه بسعر أقل من ذلك الذي تعاقدت عليه مع الولايات المتحدة. وكانت الحكومة الأمريكية قد تعاقدت مع فايزر وبايونتيك الألمانية على شراء كمية من جرعات اللقاح تكفي لتطعيم 50 مليون مواطن بقيمة 1.95 مليار دولار. وطبقا لهذه الصفقة قدرت الشركة أن سعر الجرعة الواحدة من اللقاح يبلغ 39 دولارا.

ولم يكتف ترامب بالتعاقد مع شركات الأدوية الغربية على شراء حصة من إنتاجها من اللقاحات والأدوية، بل إنه شجع الشركات الأمريكية على قيادة تحالف عالمي يحدد الأسعار في السوق، وهو ما يتناقض تماما مع كل قواعد المنافسة، ويثير اتهامات ضد هذا التحالف بالسعي إلى الاحتكار. ويضم هذا التحالف عددا من الشركات الأمريكية التي تعاقد معها البيت الأبيض، ويطلق عليه “تحالف جافي للقاحات – GAVI Vaccine Alliance”. ويسعى إلى التحكم في تسويق  ملياري جرعة على الأقل من لقاحات فيروس كورونا بسعر 40 دولارا للجرعة. وطبقا للمعلومات المتوفرة حتى الآن في السوق، فإن ما يقرب من 75 دولة على مستوى العالم أبدت رغبتها في الحصول على اللقاحات عن طريق تحالف “جافي”. ومن أهم الشركات المنضمة إلى هذا التحالف شركة تدعي كوفاكس، تلعب دورا مهما في تسويق اللقاحات التي ما تزال في مرحلة الإنتاج. وقال المسؤولون في هذه الشركة أن سعر 40 دولارا للجرعة يمثل الحدود القصوى للسعر. ومع ذلك فإنهم ذكروا أيضا أن ذلك السعر ما يزال استرشاديا، لأن اللقاحات ما تزال في مرحلة التطوير حتى الآن، ومن الصعب تحديد الأسعار بشكل نهائي. وطبقا لتقديرات تحالف “جافي” فإن السعر الذي تم التعاقد به مع الولايات المتحدة يتضمن هامش ربح تجاري يتراوح بين 15 إلى 20 في المئة من قيمة التكاليف.

انتقادات قاسية

لكن الاتحاد الأوروبي وجه انتقادات قاسية إلى تحالف “جافي” وبدأ اتصالات مع شركات الأدوية لتوريد الكميات المطلوبة من اللقاحات والأدوية بأسعار التكلفة وبدون ربح تقريبا. وقد تعاقدت الدول الرئيسية في الاتحاد الأوروبي، ومنها ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وكذلك بريطانيا مع شركة “أسترازينيكا” البريطانية على توريد الكميات الأولى التي ستنتجها من اللقاح. وقال مسؤولون في إيطاليا أن المفاوضات مع الشركة أظهرت أن تكلفة الإنتاج تقدر بنحو 2.8 دولار للجرعة الواحدة، بينما أن السعر المقترح من تحالف “جافي” يبلغ 40 دولارا للجرعة، أي ما يزيد على عشرة أمثال تكلفة الإنتاج لدى “أسترازينيكا”. وقد أكد الرئيس التنفيذي للشركة باسكال سوريو في حوار مع التلفزيون البريطاني في شهر تموز/يوليو، أن اللقاح الذي يتم تطويره بواسطة “أسترازينيكا” ومعامل التجارب في جامعة أكسفورد سيباع للحكومات في دول العالم بسعر التكلفة، وأن الشركة لا تهدف لتحقيق الربح، نظرا لطبيعة الأوضاع التي تواجه الاقتصاد العالمي، ولأن من مصلحة العالم ككل أن يكون اللقاح متاحا بأسعار في متناول الجميع. وقد ارتفعت أسعار أسهم الشركة بنسبة 13.6في المئة قبل نهاية تموز/يوليو 2020.

وإلى جانب دعم حكومات الاتحاد الأوروبي، والصفقة التي عقدتها لبيع اللقاح المتوقع إنتاجه إلى الولايات المتحدة، فإن “أسترازينيكا” تتمتع أيضا بدعم مؤسسة “غيتس” الخيرية، حيث قال بيل غيتس “إذا تركنا الأدوية واللقاحات تذهب إلى من هم أقدر على دفع سعر أعلى وليس للناس والأماكن الأكثر احتياجا، فإنه ستظل لدينا جائحة أطول أمدا وأشد فتكا في العالم كله”.

فساد الصفقات

ونظرا لقيمة التعاقدات الأولية الضخمة في سوق أدوية كورونا، فإن شركات مغمورة، عديمة الخبرة في مجال إنتاج الأدوية مثل شركة مودرنا الأمريكية التي حصلت على ما يقرب من مليار دولار من البيت الأبيض، استطاعت أن تحقق مكاسب ضخمة في سوق الأسهم الأمريكية، وقد أفادت صحيفة “نيويورك تايمز” في تحقيق استقصائي عن فساد الصفقات في سوق أدوية كورونا، أن سعر سهم الشركة المدرجة في بورصة نيويورك ارتفع بعد الصفقة مع البيت الأبيض إلى 130 دولارا مقابل 24 دولارا فقط في بداية العام الحالي. كذلك تعاقد البيت الأبيض مع شركة تدعى “نوفوفاكس” لم تنتج أي دواء للسوق من قبل، وذلك لتطوير وإنتاج 100 مليون جرعة لقاح للوقاية من فيروس كوفيد-19 بقيمة 1.6 مليار دولار، وهي أكبر صفقة عقدتها إدارة ترامب في مجال إنتاج اللقاحات والأدوية من خلال برنامج  Operation Wrap Speed  الذي يرأسه جاريد كوشنر. وبسبب الصفقة قفز سعر سهم الشركة إلى أكثر من 146 دولارا في أواخر تموز/يوليو مقابل 3.9 دولار في 2 كانون الثاني/يناير 2020.

أحدث الشركات المستفيدة من موجة التربح هي شركة كوداك المتخصصة في إنتاج أحماض ومعدات التصوير، فقد حصلت الشركة على عقد مع الحكومة الأمريكية تحصل بمقتضاه على تمويل بقيمة 765 مليون دولار للمشاركة في إنتاج مكونات كيميائية للأدوية واللقاحات، وهو ما أسفر عن قفزة لأسعار أسهم الشركة بنسبة 1500في المئة قبل الإعلان عن الاتفاق، وهو ما يؤكد وجود تسريبات تسمح لكبار مالكي الأسهم بتحقيق أرباح استثنائية.

الأكثر من ذلك أن هناك شركات أخرى تعمدت نشر أخبار إعلامية عن اختيارها ضمن الشركات التي يتعاون معها البيت الأبيض لإنتاج أدوية لعلاج كورونا، وحققت أرباحا كبيرة من وراء ذلك. ومن الأسماء التي أوردها تقرير “نيويوك تايمز” شركة تدعي “فاكسارت” ارتفعت أسعار أسهمها من 35 سنتا للسهم إلى 3.66 دولار، ثم إلى 14 دولارا بنسبة زيادة تصل إلى 3600 في المئة.

وقد أظهرت التجربة الأولى في سوق أدوية علاج فيروس كورونا أن شركات الأدوية الأمريكية تريد اقتناص فرصة انتشار الفيروس لتحقيق أقصى ربح ممكن، بصرف النظر عن اعتبارات سلامة الناس والاقتصاد. وخلال المناقشات التي جرت في الكونغرس الأمريكي بخصوص تسعير دواء “ريمديسفير” الذي تنتجه شركة “جلياد” الأمريكية، قال المدافعون عن تسعير الدواء على أسس ربحية، إن قيمته السوقية يجب أن تعكس مدى احتياج المريض له، والتكلفة التي يتحملها الاقتصاد في حال استمر انتشار الفيروس، بما في ذلك شركات التأمين على الصحة والمستشفيات الخاصة، خصوصا على ضوء خطة الإنعاش الاقتصادي التي وضعها البيت الأبيض التي تتجاوز ستة تريليونات دولار. وعلى هذا الأساس فإن الكونغرس قرر أن السعر العادل لدواء ريمديسفير يتراوح بين 390 إلى 520 دولارا للأمبول الواحد. وطبقا للمعادلة السعرية التي وضعتها الشركة، فإن تكلفة برنامج العلاج الذي يمتد إلى خمسة أيام تصل إلى 3120 دولارا للمريض الواحد.

وقد انتقلت “جلياد” بالفعل إلى مرحلة تسويق الدواء على مستوى العالم، بعد النجاح في الحصول على موافقة هيئة الدواء الأمريكية. كما بدأت الشركة في منح تراخيص للإنتاج إلى شركات منتجة لأدوية في الخارج. وفي العالم العربي اتفقت جلياد مع شركة “راميدا” المصرية للأدوية على الترخيص لها بإنتاج “ريمديسفير”. ومن المتوقع أن يتم طرح الإنتاج المصري من الدواء محليا في ايلول/سبتمبر المقبل بسعر 680 جنيها للأمبول، أي أن تكلفة الحد الأدنى للبرنامج العلاجي المحلي (6 أمبولات في خمسة أيام) يتكلف 4080 جنيها، وهي لا شك تكلفة لا يقدر على تحملها الفقراء وأصحاب الدخل المحدود في مصر  والعالم العربي وأفريقيا، وهي الأسواق المستهدفة بالترخيص الذي حصلت عليه الشركة.

الطرف البعيد عن حرب الأسعار في سوق أدوية كورونا حتى الآن هو الصين، وهي اللاعب الذي يمكن أن يقلب السوق رأسا على عقب، إذا تمكنت شركاتها من إنتاج لقاحات وأدوية بأسعار في متناول الدول الفقيرة والنامية، خصوصا في أفريقيا وجنوب آسيا وأمريكا اللاتينية. وحتى الآن فإن الشركات الصينية تركز على تطوير لقاح ناجح، بعد ذلك ستنتقل إلى مرحلة إنتاج اللقاح بكميات كافية للصين والخارج، ثم ستكون المرحلة الثالثة منح تراخيص لشركات منتجة خارج الصين والاتفاق على صيغة الأسعار. ولا تبدو الشركات الصينية في الوقت الحاضر مشغولة بالسوق العالمي مثل الشركات الأمريكية والأوروبية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية