عن كارثة تدمير الوطن النوبي: دروس وتأملات
د. عبدالوهاب الافنديعن كارثة تدمير الوطن النوبي: دروس وتأملاتفي الأسابيع القليلة الماضية عادت إلي الواجهة قضية تهجير النوبة عقب بناء السد العالي في مطلع الستينات علي خلفية شكوي مستمرة من سوء المعاملة وعدم الإنصاف للمهجرين. وقد تفجرت القضية إعلامياً بعد قيام الأديب المصري النوبي الأصل حجاج حسن أدول بمناقشة مطالب النوبيين في مؤتمر عقد في واشنطن الشهر الماضي، وتعرضه إثر ذلك لحملة إعلامية شرسة بدعوي أنه يدعو إلي انفصال النوبة عن مصر، وهي تهمة ينفيها بشدة. وفي نفس الآونة عرض فيلم وثائقي في إحدي الفضائيات العربية كشف بصورة درامية عن استمرار معاناة أهل النوبة من تهجيرهم إلي منطقة صحراوية ذات طبيعة قاسية، وعدم حصولهم علي تعويض منصف، وإخلاف السلطات لكثير من وعودها في حقهم. وقد قامت فضائية أخري بإجراء مقابلة مع أدول أوضح فيها خلفيات الضجة التي أثيرت حول مشاركته في مؤتمر واشنطن، ونفي أن يكون داعية انفصال، مؤكداً أنه بالعكس يدعو إلي وحدة وادي النيل. وقد احتج أدول علي استمرار منع أهالي النوبة من العودة إلي وطنهم، في حين أن الحكومة فتحت المنطقة لآخرين من خارجها للسكن والإقامة.مصدر العجب ليس إثارة مشكلة النوبة في الوقت الحالي، بل هو أنها ظلت من المسكوت عنه كل هذا الوقت رغم حجم الكارثة ـ حتي لا نقول الجريمة ـ وعدالة القضية. وقد كانت المشكلة أثيرت في الستينات من وجهة نظر النوبيين السودانيين الذين احتجوا بشدة علي إقامة السد العالي أساساً، ورفضوا تهجيرهم من وطنهم لأمر لا مصلحة لهم فيه. وقد كانت احتجاجات أهالي النوبة السودانيين رأس الرمح في الانتفاضة التي أطاحت بحكم الفريق إبراهيم عبود العسكرية في تشرين الاول (أكتوبر) عام 1964. وكان لأهالي النوبة هناك مبرر مقبول للاحتجاج علي قرار تهجيرهم إلي منطقة بعيدة في أواسط السودان، وبيئة جغرافية تختلف اختلافاً كبيراً عن بيئتهم الأصلية التي كانت مقامهم وأجدادهم منذ فجر التاريخ. وفوق ذلك احتجوا علي التعويضات التافهة التي تقررت لهم. ولكن احتجاجات أهالي النوبة السودانيين ذهبت أدراج الرياح، لأن الأمر لم يكن بيدهم وكان قد خرج من يد حكومتهم كذلك بعد أن وقعت علي اتفاق مع مصر، وقام السد العالي.في النوبة المصرية لم يكن هناك احتجاج، لأن أهالي النوبة انطلقوا من حس وطني قبل بالتضحية من أجل المصلحة الوطنية العليا. ولكن السلطات قابلت تضحياتهم باستخفاف، بدءاً من اختيار مكان التهجير، وهو منطقة صحراوية بين مدينتي كوم أمبو ودراو، كان البعض يطلق عليها من قبل وادي جهنم بسبب أحوالها غير المناسبة للحياة. ولا شك أن هناك مدعاة للتساؤل عن بقاء المنطقة خالية لأكثر من خمسة آلاف سنة في مصر المكتظة بالسكان إن كانت تصلح للحياة. ولكن هذا لم يكن كل الأمر. فقد تلقي المهجرون وعوداً رسمية بتوفير مساكن مناسبة للمهجرين وتعويض كل أصحاب الأملاك، بمن في ذلك المغتربون. ولكن المساكن التي تم توفيرها كانت بدائية إلي حد كبير، ومازال المغتربون ينتظرون التعويض، كما أن ما حصل عليه الأهالي من تعويضات عن منازلهم ونخيلهم كان أقل من القليل. ويستغرب أهالي المنطقة أن تعامل الآثار والأحجار أفضل من معاملة الإنسان، فيتم الصرف علي نقلها إلي مكان آمن في نفس المنطقة، بينما يلقي بالبشر في الصحراء كأنهم من سقط المتاع. ويزيد من غضبهم أن السلطات قررت إبعادهم من موطنهم الأصلي إلي مواقع نائية بدون بذل أدني جهد للتفكير في بدائل أفضل. والأسوأ من ذلك هو أن الحكومة تقوم الآن بإعادة تعمير المنطقة، ولكنها تعمرها بغير أهلها، ومرة أخري بدون وضع أدني اعتبار إلي مظالم وشكاوي أهل المنطقة.إن هناك نقطتين مهمتين تثيرهما الحالة النوبية وردود الفعل تجاهها. النقطة الأولي تتعلق بالنظرة للإنسان ليس عند الحكومة فقط، بل عند المثقفين المصريين أيضاً. فمن الواضح أن محنة ومطالب النوبة قد تم التعامل معها بكثير من اللامبالاة، وبما لا يخلو من التمييز. أدول قارن في تعليقاته بين أهالي النوبة الذين تم تهجيرهم ثلاث مرات وحرموا من وطنهم، وأهالي السويس الذين أعيدوا إلي وطنهم بعد تهجير واحد. واستغرب أدول كذلك عدم تضامن بقية المصريين مع النوبة في محنتهم، واستخفاف المثقفين بالأمر، وعدم تأثرهم، إن لم يكن تواطؤهم في ما يتعرض له النوبة من ظلم وتمييز. وفي حقيقة الأمر فإن موقف المثقفين المصريين ـ علي الأقل كما يسجله الإعلام ـ يبعث علي الحسرة والخجل، ويكشف عن أزمة أعمق في الضمير العربي الذي يفتقد إلي الحس الإنساني إلي أبعد حد. وهذه ليست مأساة النوبة بقدر ما هي مأساة عربية مصرية.النقطة الثانية تتعلق بالبعد الإنساني أيضاً ولكن من جهة أخري. فقد كان من أثر سياسة التهجير التي اتبعت في حق النوبة في مصر والسودان أن تم تدمير الوطن النوبي وإفراغه من سكانه الذين ظلوا يعمرون المنطقة لقرون متطاولة ويشكلون حلقة الوصل الأبرز بين مصر والسودان. والوطن النوبي لا يشكل فقط حلقة الربط الأهم بين شعبي وادي النيل، بل هو أيضاً يشكل قلب الوجود الحضاري والاستمرارية الحضارية في وادي النيل. شعب النوبة يمثل حقيقة أقدم وجود إنساني مستمر في المنطقة، حيث ظل بمنأي عن المتغيرات والهجرات والاجتياحات التي أصابت بقية مناطق وادي النيل، فظل مستودع وخزانة الإرث الحضاري الحي لثقافة وحضارة وادي النيل الأصيلة. وعليه فإن تدمير الوطن النوبي وإفراغه من إرثه الإنساني الحالي هو عمل تخريبي يحقق ما عجز عنه الغزاة منذ آلاف السنين، ويطعن استمرارية حضارة وادي النيل في القلب، ويقطع أوصال الوادي باجتثاث محور التواصل الحي المستمر من هذا القلب.الانتقادات التي وجهها بعض المثقفين المصريين لصيحات التظلم الصادرة من النوبيين ضد ما تعرضوا له من ظلم متطاول تركزت علي أن هذه دعوة لتمزيق مصر وإحياء النعرات العرقية المقيتة. بل إنني قرأت لأحدهم يستنكر عرض التلفزيون لرقص نوبي، كما أخذ آخرون يتحدثون عن خطر مزعوم من الدعوات لإحياء اللغة النوبية. ولا شك أن مثل هذا الحديث هو الذي يهدد الكيان المصري، بل هو يكشف هشاشة هذا الكيان وضعف تلاحمه. فلو كانت هناك وحدة مصرية حقاً لكنا شهدنا قيام حركات مثقفين وناشطين من خارج النوبة يستنكرون الظلم الواقع قي حق إخوانهم في الوطن ويتداعون لنصرتهم حتي يتحقق فعلاً التضامن والتلاحم بين أبناء الوطن الواحد. الذي يهدد الوحدة الوطنية هو الصمت المدهش تجاه الظلم، إن لم يكن التواطؤ فيه بالاستفادة من ثمار التهجير دون الالتفات إلي من دفع الثمن الفادح راضياً، ولكنه تعرض للإهمال والتهميش.السد العالي كان مشروعاً عظيماً يمثل لمصر ثروة تعادل الآلاف من آبار النفط. وقد كان من المنظور أن يستفيد من هجروا من وطنهم وفقدوا منازلهم ومزارعهم ونخيلهم من هذه الثروة التي دفعوا ثمنها مقدماً، لا أن يتهموا في وطنيتهم لمجرد أنهم يطالبون بحقهم، بما في ذلك حق العودة إلي وطنهم مكرمين. هناك خيط رفيع يفصل التقصير في أداء الواجب بسبب الإهمال أو الجهل أو عدم الكفاءة، والتقصير بدافع إجرامي كالفساد واللامبالاة. وقد يتحول التقصير بسبب الإهمال إلي جريمة إذا أصرت عليه الجهة المعنية بعد أن ظهر لها خطأ موقفها. ولعل أخطر ما في هذه القضية هو أن المسؤولين يرفضون حتي اليوم الاعتراف بأنهم ارتكبوا خطأ. بل إنني قرأت منذ مدة مقالة لكاتب مصري يستعيد فيها بإعجاب وصف الرئيس جمال عبدالناصر للمسؤولة التي أشرفت علي ترحيل النوبة بأنها كانت تمثل قلب مصر الرحيم . فإذا كان انتزاع مواطنين من مقر آبائهم وأجدادهم علي ضفاف النيل والإلقاء بهم في هجير الصحراء يمثل رحمة وبراً فإنني أرجو ألا أري قلب مصر غير الرحيم أبداً.الذين ارتكبوا جريرة تهجير أهالي النوبة، مثل الذين سكتوا عليها، افتقدوا الحس الإنساني كما افتقدوا الوعي بالجغرافيا والتاريخ فكانوا ـ إن أحسنا بهم الظن ـ كالثور في مستودع الخزف. وحتي لا نصدر أحكاماً غير عادلة في حق من تولي كبر هذه السقطة، فإننا ندعو الحكومة المصرية إلي أجراء تحقيق شامل في ملابسات عملية التهجير، وما صاحبها من أخطاء، والنظر فيما إذا كان للفساد دور في هذا الأمر، وذلك تمهيداً لإحقاق الحق وإنصاف المظلومين. الحكومة السودانية مطالبة بدورها بإعادة النظر في الجانب الذي يخصها من مأساة النوبة، وأهم من ذلك أن تتعظ مما وقع وتستقي منه الدروس الملائمة، حتي لا تتكرر الأخطاء (وهي بصدد التكرار)، لأن تكرارها بعد العبر والدروس الماثلة سيكون هذه المرة جريمة لا عذر فيها ولا ظروف مخففة بدون أدني شك.9