الناصرة-“القدس العربي” تتواصل حالة التوتر والتأهب المتبادل على الحدود بين لبنان وإسرائيل منذ نحو الأسبوعين وتجلى التصعيد بإعلان تعليمات وزير الأمن الإسرائيلي، بيني غانتس إلى جيش الاحتلال بتدمير منشآت لبنانية في حال نفذ حزب الله أي هجوم ضد جنود أو مواطنين إسرائيليين، ردا على ما ينسب لإسرائيل من مقتل أحد ضباطه في القرب من دمشق في 22 تموز/يوليو. ونقلت القناة الإسرائيلية “أي 24” عن مصدر إسرائيلي مطلع قوله إن هذه التعليمات أصدرها غانتس في جلسة عقدت أمس الأول بحضور رئيس هيئة الأركان افيف كوخافي وعدد من كبار القادة العسكريين. منوهة أنه تماشيا مع هذه الأوامر، بدأ الجيش الإسرائيلي بالاستعداد لمثل هذه المهمة على الحدود الشمالية مع لبنان، وذلك يعني أن الجيش سيضرب ليس فقط مواقع تابعة لحزب الله، وانما سيدمر منشآت لبنانية كذلك في حال نفذ حزب الله تهديداته. وترى أن التهديدات الإسرائيلية جاءت لدفع الحكومة اللبنانية والرأي العام في لبنان إلى ممارسة الضغط ضد حزب الله من أجل العدول عن نواياه. وبهذا المضمار أكد قائد سلاح الجو الإسرائيلي، أميكام نوركين أن كتيبة تشغيل القبة الحديدية زادت من حالة التأهب، حيث أجرت عدة تدريبات مع جميع بطاريات القبة في الجليل الأعلى. وقال نوركين خلال زيارة ميدانية في مناطق الشمال: “كانت الكتيبة تعمل في الأيام الأخيرة للتحضير للدفاع عن المناطق التي نتوقع استهدافها، وأيضا في المناطق التي لم نكن مستعدين فيها من قبل. على عكس منطقة غلاف غزة فإن المنطقة الشمالية واسعة، وبالتالي فإن شبكة الدفاع لتغطية كل المنطقة مطلوبة لتوفير حل وقائي”. وتشير تقديرات جيش الاحتلال بحسب الإذاعة العبرية أن الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله مصمم على تنفيذ عملية ثأرية، منوهة أن القادة في الميدان يجدون صعوبة باقناع الجنود بالبقاء في حالة تأهب مستمر في درجة حرارة عالية جدا في هذه الأيام. وأوضح المحلل العسكري في صحيفة “معاريف” تال ليف رام، أن “التأهب في الشمال سيستمر لعدة أسابيع، وتقديرات الجيش تؤكد أن حزب الله يبحث عن هدف عسكري إسرائيلي، لتنفيذ رد ثأري. فيما قالت القناة الإسرائيلية الرسمية إن تقديرات المنظومة الأمنية الإسرائيلية، تشير إلى أن حزب الله ربما يرد خلال أيام العيد. وذكر محلل الشؤون العربية جال بيرجير في القناة، أن تقديرات المنظومة الأمنية الإسرائيلية، تشير إلى أن نصر الله سوف يرد قبيل انتهاء مدة عيد الأضحى. وعزز الجيش الإسرائيلي قواته في القطاعات التابعة لقيادة المنطقة الشمالية، على نطاق هو الأوسع منذ حرب لبنان الثانية في تموز/يوليو عام 2006. ذلك وفق ما جاء في تقرير لموقع “واللا” الإخباري الإسرائيلي نقلا عن مصادر عسكرية أكدت أن الجيش الإسرائيلي أبقى على قواته بحالة تأهب، وأنه تم تعزيز القوات الحدودية بالمدفعية المتطورة ووحدات استخباراتية وقوات خاصة. وأضاف أن التعزيزات تأتي بأوامر مباشرة من غانتس، لمنع “هجوم آخر” قد تقدم عليه قوات حزب الله، ضد أهداف إسرائيلية، في ظل حالة التوتر القائمة والخشية الإسرائيلية من التصعيد. وترافقت هذه التطورات مع ارتفاع مستوى تهديدات إسرائيل بالرد على أي هجوم يستهدفها، مقابل تأكيد حزب الله أن رده على مقتل أحد عناصره في سوريا آت حتما.
تحاشي الانزلاق لحرب
في المقابل يوضح المعلق الإسرائيلي البارز نحوم برنيع في تحليل شرته صحيفة “يديعوت أحرونوت” أن قائد جيش الاحتلال أفيف كوخافي، وضع ثلاثة أهداف استراتيجية لعمل قواته في الشمال: وقف التموضع الإيراني في سوريا؛ منع نصب صواريخ دقيقة في لبنان؛ ردع حزب الله عن العمل داخل أراضي إسرائيل. معتبرا أن “قصة خلية حزب الله، التي تسلقت جبل الشيخ الغربي قبل أيام تندرج في اطار لاءاته الثلاث. موضحا أنه حسب التقدير في إسرائيل، اعتقد نصرالله بانها ستحتوي قتل جندي أو اثنين وقد ترد بعملية من جانبها ولكنها لن تفتح حربا مع لبنان. وتابع ضمن تحليله لخطورة حالة التوتر الحالية “في 2006 لم يكن نصر الله يريد الحرب ولا إسرائيل وبالتالي قاد أسر وقتل جنديين الطرفين إلى حرب طويلة كانت مصيبة عليهما كليهما. وقبل أيام قامر نصر الله مرة أخرى”. ويشير لرغبة إسرائيل نتيجة اعتبارات كثيرة داخلية وخارجية تحاشي الانزلاق لحرب مع حزب الله مما دفعها لعدم تنفيذ قدرتها العملياتية لقتل عنصر خليته التي تسللت في السفوح الغربية لجبل الشيخ وكانت في طريقها للقيام بعملية ثأرية. المنطق في القرار واضح: قتل رجال الخلية كان سيؤدي بالضرورة إلى يوم قتالي في الشمال، وربما أكثر من يوم قتالي واحد. أمام ناظر صناع القرار كان التورط في 2006: هم لم يرغبوا بالتدحرج إلى حرب لبنان الثالثة. وكان الافتراض ان نصر الله سيكون ملزما بالرد بالهجوم على أهداف عسكرية في إسرائيل وربما أيضا أهداف مدنية. ونصر الله في رأي نحوم برنيع ومراقبين إسرائيليين آخرين في وضع حساس الآن: فقد أحد قادته في غارة جوية نسبت للجيش الإسرائيلي في سوريا وهو يبحث عن سبيل للانتقام. من الأفضل ألا يدفع نحو خسائر إضافية. وبالأحرى: فليعلن نصر الله بان الخلية أحرزت نصرا هائلا على الجيش الإسرائيلي وليهدأ. فور الاشتباك أنزل الجيش الاسرائيلي ستارا دخانيا على الجبل. أطلقت الدبابات قذائف. قذيفة طائشة سقطت على سطح قرميدي في قرية تدعى البرية، على مسافة نحو 5 كيلو مترات من جبل الشيخ. أحد لم يصب بأذى: في الجانب الإسرائيلي تنفسوا الصعداء. تبدو هذه كلعبة حرب، وليس كحرب. بالفعل، في شبكة العلاقات المركبة بين إسرائيل وحزب الله توجد عناصر من اللعبة. مثلما في قصيدة الشاعر العبري حانوخ لفين، الطرفان يلعبان بينهما الشطرنج، الملك يلعب مع الملكة. والمواطنون في الطرفين ليست لديهم أي فكرة.
الأوضاع الداخلية المرتبكة
كما يرى أن نصرالله لا يمكنه أن يسمح لنفسه بحرب، على خلفية الوضع الاقتصادي الصعب، الكورونا، المظاهرات ضده، المال الذي لا يسارع إلى الوصول من إيران. في المقابل إسرائيل أيضا لا يمكنها أن تسمح لنفسها بعد أشهر من الجفاف في فرع السياحة على الجليل أخيرا بدأت خطوات نحو الازدهار والتوتر العسكري سينزل المستجمين جنوبا. ويخلص برنيع للقول بلهجة لا تخلو من السخرية إزاء الوضع الإسرائيلي الداخل المربك “الثأر على موت مقاتل حزب الله في لبنان لا بد سيأتي. رسالتان متضاربتان خرجتا من إسرائيل. واحدة قالت، نصر الله صعد إلى الشجرة: نحن نضع له سلما مريحا للنزول عنها؛ والثانية قالت، الويل لك إذا بقيت على الشجرة. سنضربك دون رحمة. بسرعة شديدة تغلبت رسالة التهديد على رسالة التهدئة. لإسرائيل يوجد رئيس وزراء ورئيس وزراء بديل. كما يوجد لها وزير أمن ورئيس وزراء يرى نفسه كوزير أمن بديل. كلاهما ظهرا في تصريحات على التلفزيون وهددا، كل واحد بطريقته، حزب الله. سافر نتنياهو إلى الشمال، لتلتقط له صورة وهو يهدد نصر الله. غانتس هدد من الجنوب. والجيش الإسرائيلي ساهم بدوره، ببلاغات عن تعزيز القوات. أن الخصومة بين جزئي الحكومة، الرئيس والبديل، تركزت حتى الأسبوع الأخير على مسائل سياسية، قانونية، اقتصادية وشخصية. أما الأمن فكان خارج المجال فلماذا نُدخل إلى هذه القصة السيئة أيضا حروب الشمال؟ لماذا نفرح نصر الله.
صفعة جديدة
في المقابل وحول الاتجاه الذي يمكن أن تسلكه الأحداث عقب التطورات الأخيرة، قال الخبير الإستراتيجي خالد حماده لشبكة “الجزيرة” إن القصف الإسرائيلي على الأراضي اللبنانية يدل على إصرار نتنياهو على التعامل بجدية مع أي تهديد يطال إسرائيل. واعتبر حماده أن ما حصل مؤخرا في الجنوب يشير إلى وجود عمل أمني ما من جانب حزب الله وربما كشفه الإسرائيليون مبكرا، ورأى أن الطرفين لا يسعيان للحرب، لكن نتنياهو يريد إظهار قوته كونه لا يحتمل أي صفعة جديدة تضاف إلى مشكلاته التي يعاني منها بالداخل. وقال إن وضع حزب الله في الداخل اللبناني مربك أيضا نتيجة الأزمات الكبيرة التي تعصف بلبنان، ولا سيما الاقتصادية وتحميل بعض اللبنانيين الحزب جزءا من المسؤولية عن هذه الأزمة. وأبدى الخبير الإستراتيجي اعتقاده بأن يكون رد حزب الله المقبل من سوريا لتجنيب لبنان أي تداعيات محتملة، مؤكدا أن حزب الله لن يهاجم من منطقة عمل قوات اليونيفيل بسبب اقتراب مناقشة التجديد لها في مجلس الأمن الدولي.