الصمت العربي ازاء ما يحدث في العراق يخدم امريكا وايران
هارون محمد الصمت العربي ازاء ما يحدث في العراق يخدم امريكا وايرانلعل أخطر ما تحمله دعوة رئيس الائتلاف الشيعي عبدالعزيز الحكيم بخصوص المفاوضات الايرانية الامريكية بشأن العراق هو: التلاعب بمصير ومستقبل العراق، بما يقود الي تقويض سيادته وتدمير كيانه وانهاء دولته، وتحويل هذا البلد العربي الأصيل صاحب الحضارات الي سلعة تتقاذفها الأيادي الامريكية تارة والايادي الايرانية تارة أخري، مع وجود المشترك الصهيوني الذي يلعب من خلف الستار مرة، وعلناً مرات.وفي التقييم السياسي لدعوة الحكيم انه أوصل رسالة ايرانية واضحة الأهداف والمعالم والأجندة الي الإدارة الامريكية للتعاون الثنائي والتنسيق بين الطرفين، بحيث يتحول النفوذ الايراني القائم في العراق الان الي وجود شرعي تعترف به قوات الاحتلال كمرحلة اولي، وتقره واشنطن رسمياً في مرحلة تالية، خصوصاً وان دعوة الحكيم ليست جديدة علي هذا الصعيد، كما اعترف بذلك جلال طالباني الحليف الكردي لايران وهو صرح ان احمد الجلبي كان أول من بدأ هذا المسعي قبل ان يحيله البنتاغون علي التقاعد من هذه المهمة، كما ان طالباني اعترف ان الايرانيين ابلغوه خلال لقاءاته الاخيرة معهم في مطلع العام الحالي انهم مستعدون للتفاوض والتباحث مع الامريكيين شرط ان تكون المباحثات سرية، وهذه لعبة ايرانية القصد منها ان يبقوا صخبهم الاعلامي ضد الاستكبار العالمي والاستعمار الامريكي علي وتيرته العالية، فيما تدور لقاءاتهم ومفاوضاتهم مع الامريكان سراً وفي الغرف المغلقة.أما الشرط الايراني الثاني كما يقول جلال، فهو ان تكون المباحثات الايرانية الامريكية شاملة لكل الموضوعات والمشكلات العالقة بين الطرفين وعدم اقتصارها علي المشكلة العراقية، وهذا يعني تحويل العراق الي صفقة ثنائية يتم من خلالها التفاهم بين الدولتين علي جميع القضايا الاخري كالملف النووي والدور الايراني في المنطقة وخصوصاً في الخليج العربي.وواضح ان الايرانيين عندما كلفوا عبدالعزيز الحكيم بهذه المهمة الان واوكلوا اليه الاعلان عنها بنفسه، وهو رجل مسؤول في السلطة الحالية، ويشرف علي الحكومة الانتقالية المنتهية ولايتها، وله دور بارز في تشكيلة الحكومة الجديدة، فانهم يقولون للامريكان بصريح العبارة اننا موجودون في العراق ونتحكم في مفاصل أساسية في الوضع العراقي، ولنا رجالنا وأدواتنا وصلاتنا، ولنا القدرة علي تغيير مسارات ما يسمي بالعملية السياسية بما يخدم مصالحنا، والأمريكان من جانبهم يعرفون هذه الحقيقة رغم انهم يحاولون التهرب منها، ويعرفون ايضا ان الحكيم رجل ايران الأول في العراق، وهم علي اطلاع بانه ينفذ السياسيات والاجراءات الايرانية في العراق، منذ احتلاله وتحديداً منذ مقتل اخيه باقر في نهاية آب (اغسطس) 2003 ولدي الاجهزة الامريكية ملفات مفصلة بهذا الخصوص.وتاريخياً.. فان إرتباط اسرة الحكيم بايران ليس جديدا، وانما هو حسب الوثائق والأحداث قائم منذ وفد محسن الحكيم والد عبدالعزيز مع نفر من اقاربه في العام 1908 الي النجف للدراسة الدينية والالتحاق بالحوزات الشيعية التي يديرها الايرانيون انفسهم، والوثائق التأريخية تشير الي ان الشاه محمد رضا بهلوي هو الذي نصب محسن الحكيم مرجعاً أعلي للشيعة في العام، بعد ان كان مرجعاً محليا ينحصر دوره في العراق وبعض المناطق خارج ايران، والقصة تعود الي العام 1960 عندما توفي المرجع الشيعي الايراني الاعلي آية الله حسين بروجردي حيث كان التقليد الشاهنشاهي يقوم علي ان يبعث بهلوي برقية تعزية بوفاة المرجع المتوفي الي المرجع المرشح ليكون مكانه، وكان عدد من المراجع الايرانيين مؤهلين لاشغال الموقع من بينهم آيات الله شريعة مداري وكلبيكاني وميلاني وخونساري، ولكن الشاه بدلاً من ان يوجه برقية التعزية الي واحد من هؤلاء، فقد عمد الي ارسالها الي محسن الحكيم في النجف بالعراق، اعترافاً منه بانه المرجع الاعلي، وهذا ما حصل بالفعل، ويمكن الاطلاع علي معلومات وافية بصدد هذا الامر عند قراءة كتاب (الحياة السياسية للامام الخميني) لمؤلفه محمد حسين رجبي وترجمة عباس بهزاديان والصادر عن دار الروضة للطباعة والنشر في بيروت 1993).واستطراداً لهذا الموضوع، يقول وزير البلاط الشاهنشاهي أسد الله علم في مذكراته ان بهلوي اراد طرد خطر المرجعية الايرانية علي برامجه الاصلاحية، فعمد الي نقل المرجعية من قم الي النجف لان مراجع الاخيرة كانوا يقفون معه ويؤيدون سياساته، بعكس المراجع في ايران المعروفين بمعارضتهم للشاه.لذلك فان اسرة الحكيم منذ محسن مروراً بباقر وانتهاء بعبدالعزيز هي في خدمة ايران سواء كان الحاكم في طهران الشاه او الخميني او خامنئي، وقد حاول الخميني بعد عودته الي طهران في شباط (فبراير) 1979 ان يحجم نفوذ هذه الاسرة وكان يمثلها يومذاك مهدي الحكيم الذي كان يتنقل بين لندن ودبي والكويت وباكستان، فأصدر تعليماته بمنع زيارته الي ايران وكان يتهمه بالعمالة الي أكثر من دولة وجهة، ولكن تداعيات الاوضاع السياسية في ايران ونشوب الحرب الايرانية العراقية جعلته يستقدم باقر الحكيم الذي كان يعيش في سورية ويعينه ناطقاً باسم المجلس الاعلي للثورة الاسلامية عند تشكيلته الاولي ومن ثم تنصيبه رئيساً له، وكان الخميني يردد في جلساته انه اضطر الي استدعاء باقر الحكيم وتكليفه برئاسة المجلس، ولكنه لن ينسي اساءات ابيه محسن اليه ايام كان يقيم في العراق، لان الخميني يعرف تماماً بان الرئيس الراحل عبدالسلام عارف عندما وافق علي مجيء الي العراق من منفاه في تركيا احتج محسن الحكيم وبعث الي رئيس الوزراء عهد ذاك المرحوم الفريق طاهر يحيي برقية جاء فيها : لقد طرق سمعنا بانكم سمحتم للملا الايراني المشاكس المدعو روح الله الموسوي الخميني بالقدوم الي العراق، فاذا صح ذلك فاننا نبلغكم بعزمنا علي مغادرة العراق مغاضبين لكم علي عملكم هذا.ورفض الزعيمان عارف ويحيي تهديدات محسن، وجاء الخميني معززاً مكرماً، واسكن في سامراء لاربعة شهور الي ان هدأت ضجة الحكيم ونقل الي النجف وافتتح فيها مدرسته المعروفة وتجمع حوله انصاره ومريدوه، ومن النجف بدأ يخطط لثورته ضد الشاه كما هو معروف.وعندما تغيرت الاوضاع في ايران، واستحوذ الخميني علي مقاليد السلطة والحكم، غير آل الحكيم ولاءاتهم القديمة للشاه الذي تاه قبل ان يموت ويدفن في القاهرة الي الخميني، ولكن الاخير أصرعلي موقفه ضد مهدي الحكيم، فتقدم باقر وأخوه عبدالعزيز يعرضان الخدمة للخميني الذي وجد نفسه مرغماً علي استقبالهما في طهران علي مضض، لعدم وجود عراقيين حقيقيين وأصلاء يقبلون لانفسهم الارتهان لدي دولة تعادي وطنهم وتتحين الفرص للانقضاض عليه.إن دعوة عبدالعزيز الحكيم الي شرعنة التدخل الايراني في العراق، وتحويل العراق الي صفقة ايرانية امريكية هي صفحة اخري من صفحات انهاء الوطنية العراقية والغاء عروبة العراق، فمن مصلحة ايران ان تشطب الدولة العراقية تماماً، ويتخبط البلد بأزمات مستوردة ومشاكل مفتعلة، تدفع بفئة معينة للاستقواء بطهران ضد فئات اخري، وهذه الدعوة الجديدة هي مكملة لدعوة اقامة اقليم شيعي في المحافظات العراقية في الجنوب والوسط، هذا الاقليم الذي يشكل مع نظيره الكردي في الشمال العراق كماشة لخنق السنة العرب ومحافظاتهم التقليدية في بغداد والموصل وكركوك وتكريت وديالي والانبار، واجبارهم علي قبول الحل العلقم المتمثل بالتقسيم والفيدراليات والاقاليم، وفي هذا السياق، فان المراقبين للمشهد السياسي في العراق يلاحظون بدون عناء ان ثمة انسجاما بين ما يطرحه الحكيم وما يصرح به السفير الامريكي زلماي خليل زاد وما يلمح اليه جلال طالباني ومسعود بارزاني بضرورة التصدي لما يسمونه بالصداميين والتكفيريين وهذه التسمية يقصد بها السنة العرب بلا استثناء، وإذا ربطنا هذه التهم الظالمة وما تشهده مناطق السنة العرب في الرمادي وسامراء وديالي وكركوك وبيجي وتكريت والموصل من حملات امريكية وهجمات عدوانية نكتشف جزءا من المخطط الامريكي الصهيوني الايراني الذي يرمي الي تفكيك العراق، هذا التفكيك الذي يؤمن به صناع القرار في واشنطن وتل ابيب وطهران، كخيار مشترك يلبي اهداف الاطراف الثلاثة في انهاء شيء اسمه العراق وحذفه من الخارطة كدولة وكيان وسيادة ومستقبل.إن الدول العربية وخصوصاً المملكة العربية السعودية والاردن وسورية ومصر والكويت وبعضها يشترك في المؤامرة علي ما يجري في العراق بشكل مباشر او غير مباشر، مستهدفة في المرحلة اللاحقة بعد العراق، وعليها ان تتدخل بأي وسيلة للتشويش علي اللقاء الامريكي الايراني المرتقب لسحق العراق لضمان أمنها علي الأقل، وعندما نقول التشويش لأننا ندرك ان الحكومات والانظمة العربية لا تقدر علي منع المخطط الامريكي الايراني المشترك، جبناً من واشنطن، أو ارتماء في احضانها، فهذا الصمت العربي إزاء ما يحدث في العراق يخدم في المحصلة الاجندة الامريكية ونظيرتها الايرانية في المنطقة العربية تبدأ في العراق وتمتد الي دول الخليج العربي والسعودية وسورية والاردن ولبنان وفلسطين ومصر، وبقية الدول يأتي دورها واحدة تلو أخري.. وانتظروا.9