خفت حدة التوتر بين الاطراف المتنازعة في لبنان بعد نجاح الجولات الأولي من الحوار الداخلي، وتحلي معظم المشاركين فيه بروح المسؤولية، وتأكيدهم رغبتهم في اخراج لبنان من محنته الحالية. ولكن هذه الاجواء التي تبعث علي شيء من التفاؤل مهددة بالتبدد بفعل التدخلات الخارجية، والامريكية علي وجه الخصوص.
يوم امس اعلن السفير الامريكي في لبنان جيفري فيلتمان ان بلاده ستدعم طلب الحكومة اللبنانية من الامم المتحدة تثبيت لبنانية مزارع شبعا في القطاع الشرقي من الجنوب اللبناني والتي تعتبرها المنظمة الدولية تابعة للجولان المحتل.
صحيح ان السفير الامريكي انما يصادق بهذا التصريح علي اتفاق القادة اللبنانيين المشاركين في الحوار علي لبنانية مزارع شبعا، وتكليفهم رئيس الوزراء السيد فؤاد السنيورة بالذهاب الي دمشق للتنسيق معها حول هذا الموضوع من اجل تقديم مذكرة مشتركة لبنانية سورية الي مجلس الأمن الدولي، تؤكد سيادة لبنان علي هذه المزارع، ولكن ربما يتم فهمه، اي تصريح السفير الامريكي، علي انه تحريض ضد سورية، ودعم لطرف لبنان في مواجهة الطرف الآخر، ومقدمة للتمهيد لنزع سلاح المقاومة اللبنانية.
فتثبيت لبنانية مزارع شبعا ربما يؤدي الي ايعاز امريكي للدولة العبرية بالانسحاب منها، الامر الذي سيؤدي الي اسقاط مبررات وجود حزب الله واسلحته علي اعتبار ان سلاح المقاومة كان من أجل تحرير الاراضي اللبنانية، وطالما ان آخر قطعة من هذه الاراضي تحررت فلا لزوم لهذا السلاح، ولا لزوم لوجود المقاومة التي تتمسك به. خاصة ان لبنان لم يبخل مطلقا في تقديم التضحيات من اجل القضايا العربية، والآن جاء دور سورية لكي تفتح جبهة الجولان، مثلما قال جنبلاط.
الرئيس اللبناني اميل لحود الذي تطالب قوي الرابع عشر من اذار اقالته من السلطة، تمسك في حديث صريح وغير مسبوق ادلي به الي قناة الجزيرة الفضائية بالمقاومة وسلاحها وعارض نزع هذا السلاح حتي بعد انسحاب اسرائيل من مزارع شبعا، لان هناك لاجئين فلسطينيين علي ارض لبنان، وطالما لم يعد هؤلاء الي وطنهم فالصراع مع اسرائيل مفتوح ومستمر.
ومن المؤكد ان وجهة نظر الرئيس لحود هذه لا تجد قبولا لدي اطراف المعارضة اللبنانية لرئاسته، فالسيد وليد جنبلاط احد ابرز المتحدثين باسمها يريد نزع سلاح المقاومة حتي قبل عودة الاسري اللبنانيين في السجون الاسرائيلية، ناهيك عن عودة اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في مخيمات لبنان.
ان من حق المعارضة اللبنانية للرئيس لحود ان تطالب باقالته باعتباره يمثل الحقبة السورية ونظامها الأمني، وامتداداتها في لبنان، ولكن من حق السيد لحود ايضا ان يدافع عن نفسه بصراحة وجرأة ووضوح وان يقول ان يديه نظيفتان من اي نقطة دم، وانه رفض كل شنط مال الفساد التي اراد اصحابها شراء ذمته، وتفرغ لبناء جيش لبناني غير طائفي، واجهزة امنية وفرت الاستقرار للبلاد وسمحت باعادة الاعمار.
الرئيس اللبناني اعترف بأنه كان من زوار دمشق، ولكنه اشار ايضا وفي الحديث نفسه، ان من يعارضون سورية اليوم، ويطالبون بذهابه باعتباره رجلها، كانوا اكثر ترددا منه علي العاصمة السورية، وتنفيذا لأوامر قادة اجهزتها الامنية في لبنان.
قوي المعارضة اللبنانية تخطئ كثيرا اذا ما اعتبرت التدخل السوري في لبنان امرا مكروها، وهو كذلك، وتفتح ابواب البلاد علي مصراعيها امام التدخل الامريكي.
الرئيس لحود سيخرج من قصر بعبدا، سواء رضوخاً لضغوط المعارضة، او بعد انتهاء مدته، ولكنه سيظل من اكثر القادة الذين عرفهم لبنان طهارة ووطنية ونظافة يد ولسان.
ولن يكون الرئيس اللبناني الوحيد الذي قبل بالوجود السوري في لبنان وتعاون معه، اما بعض خصومه، فسيدخلون التاريخ كمتآمرين علي لبنان واستقلاله ووحدته الوطنية، ومتورطين ليس فقط في حربه الاهلية، وانما في اغتيال بعض قياداته، مسيحية واسلامية علي حد سواء.