الرباط – «القدس العربي»: الساعة تشير إلى حدود الثانية عشرة زوالا، جموع من المواطنين المغاربة ينتظرون في محطة الترامواي المحاذية لمحطة القطار في مدينة الرباط، ينتظرون الترامواي الذي سيعيدهم بعد دقائق إلى مدينة سلا، قبل أن يعيدهم الخط ذاته مجددا بعد استراحة الغذاء إلى العاصمة المغربية في الوقت المناسب لاستئناف عملهم أو دراستهم. تمثل هذه الساعة بالذات وقت الذروة لذلك يتجمهر المواطنون، وتحديدا الطلبة والموظفون،على أكشاك بيع التذاكر وعلى محطات الإنتظار في انتظار سماع رنة حضور الترامواي، فخدمة الترامواي التي انطلقت قبل حوالي ثلاث سنوات تعرف إقبالا كبيرا من المواطنين الذين وجدوا فيها ضالتهم ومعينا لهم على التخفيف من مشاكل النقل الحضري التي أضنت سكان محور الرباط – سلا لسنوات طويلة رغم أن ثمن التذكرة يعتبر مرتفعا بالمقارنة مع الحافلة إذ يبلغ 6 دراهم مغربية (أقل من دولار أمريكي) وهو ثمن يبقى غاليا بالنسبة إلى الشرائح الفقيرة من المجتمع المغربي.
وصفة سحرية للطلبة والموظفين
أسماء، على سبيل المثال طالبة جامعية من مدينة سلا، كانت في انتظار الترامواي الذي يعيدها إلى حيها في مدينة سلا لتناول طعام الغداء قبل أن تعود بعد أقل من ساعتين إلى الكلية لاستكمال إجراءات تسجيلها لإجتياز إختبارات الماجستير. وترى أسماء أن الترامواي قد ساهم في حل العديد من المعضلات التي كانت تواجه الطلبة في وقت سابق في التنقل بين أمكنة الدراسة والسكن، وتضيف: « إنه مشروع إيجابي وسهل أمورا عديدة، أولا إنه قريب من الكليات فبالقرب من معظم الكليات والمعاهد تجد محطة يتوقف فيها الترامواي وهذا يعفينا من تكاليف إضافية أو من عناء التنقل سيرا على الأقدام من محطات الحافلة أو سيارات الأجرة الكبيرة. الآن أستطيع العودة إلى المنزل في منتصف النهار ثم استئناف الدروس في الزوال وهذا لم يكن متاحا لنا قبل الترامواي». وتابعت أسماء التي قطعنا إلى جانبها مشوار الرحلة من الرباط إلى سلا : «الثمن المخصص للطلبة مناسب جدا وفي المتناول، ما كنا ننفقه على سيارات الأجرة ذهابا وإيابا كان يفوق بكثير عن 150 درهما شهريا، لذلك أرى أن حسنات الترامواي كثيرة ولا أمانع في أن أقضي وقت الرحلة واقفة ما دمت أصل إلى وجهتي بسلام ودون أي مشاكل على عكس الحافلة التي يمكن أن تتعرض داخلها للسرقة دون أن ينقذك أحد».
وترى أمينة، وهي طالبة أيضا وباحثة تقيم في الحي الجامعي أن الترامواي سهل عليها العديد من الأمور، ففي السابق لم تكن تتمكن من لقاء أصدقائها بعيدا عن مدينة العرفان معقل المؤسسات الجامعية في الرباط بسبب بعد المسافة بينها وبين مركز المدينة، وتسترسل أمينة: «لم يكن في وسعي أن أدفع ثمن سيارة أجرة ذهابا وإيابا بين مدينة العرفان ووسط المدينة حيث يتواجد معظم أصدقائي، فضلا عن مواعيد إغلاق باب الحي الجامعي في المساء، لكن الآن لم تعد هذه المشكلة قائمة، ففي ظرف ربع ساعة فقط يمكنني أن أتنقل من الجامعة للقاء أصدقائي ثم أعود إلى الحي الجامعي دون أي متاعب خصوصا وأن الترامواي يستمر إلى ما بعد العاشرة مساء».
« أنا أقيم في سلا، وأعتقد أنني واحد من مئات أو آلاف من الموظفين والطلبة الذين يقيمون في سلا ويتنقلون بشكل مستمر إلى الرباط، لقد تنفسنا الصعداء حينما جاء الترامواي لأنه أنهى معاناة تكبدناها لسنين، إنه عملي ويأخذني إلى أي مكان أريده، فضلا عن أنه رخيص جدا فقد كنت أنفق حوالي ضعف ما أنفقه اليوم مع مجيء الترامواي»، يقول محمد طبيب جراح في الثلاثينات من عمره يشتغل في مستشفى الشيخ زايد ويستعمل بدوره الترامواي كوسيلة للوصول إلى مقر عمله، أما حميد وهو مدير شركة خاصة في الخامسة والأربعين من عمره فقد ركن سيارته أمام منزله واستقل الترامواي لكسب الوقت وتجاوز أعباء حركة المرور الخانقة.
إلى جانب الراحة، التي يوفرها الترامواي نسبيا فإن هناك عامل السرعة، حيث قلص إطلاق الترامواي المدة الزمنية الطويلة التي كان يقطعها عدد من المواطنين بين المناطق، فالطالبة أسماء مثلا كانت تستغرق ساعة زمنية كاملة بين الرباط وحي كريمة في سلا وأصبحت الآن تقطع هذه المسافة في مدة لا تتجاوز نصف ساعة، وتختم أسماء: «صحيح أن هناك عامل الاكتظاظ وأحيانا بعض التأخر لكن من دون أي شك لا مجال للمقارنة بين الترامواي والحافلة».
جوانب سلبية
ورغم ذلك فإن الأمر لا يخلو من بعض الجوانب السلبية، إذ تسبب الترامواي في وقوع عدد من الحوادث أدى بعضها إلى وفيات كما حدث مع الشاب أيوب قبل بضعة أشهر، ما جعل العديد من المواطنين يطرحون علامات استفهام حول غياب وسائل تأمين الأطفال في محطات الترامواي. ويعلق حميد على الأمر بالقول: «صحيح أنه لا توجد حواجز أمنية لتأمين المعابر، لكن الأمر مرتبط أكثر بسلوك الناس، فحوادث السير تستمر في الحدوث رغم وجود رجال أمن يسيرون المرور. أعتقد أن الحوادث التي وقعت لم يكن من الممكن تفاديها لأن ضحاياها لم يكونوا منتبهين، فالسائقون يقومون بجهدهم ويتقدمون بروية سواء مع إقتراب بداية السير أو نهايته».
كما يشتكي سكان بعض الأحياء الشعبية في الرباط من عدم مرور الترامواي من أحيائهم، وبالتالي استمرار معاناتهم مع وسائل النقل العمومي، إذ يقول ياسين الركيك إن سكان أحياء اليوسفية والتقدم والنهضة يعانون من مشكل النقل العمومي، ويستفيض: «نحن نعاني لأن خطوط الترامواي لم تشمل أحياءنا، ولا أعرف السبب، فحتى الشطر الجديد الذي ينتظر أن تنطلق أشغاله قريبا لا يشمل أحياءنا رغم أنها الأكثر تضررا من مشكل النقل والاكتظاظ».
إلى جانب هؤلاء، نجد أن فئة سائقي سيارات الأجرة الصغيرة والكبيرة لم تستقبل هذا المشروع بترحاب، سعيد سائق أجرة صغيرة لا يزال غير مقتنع بجدوى هذا المشروع، ويقول: «المشكل أن الترامواي أخذ مساحات كبيرة من الشارع الذي لم يكن يكفي أصلا لكل العربات والسيارات التي تمر، وبالتالي أصبحت بعض الطرق محتلة بشكل شبه كامل من طرف الترامواي. ففي الوقت الذي كنا ننتظر فيه من الدولة تأهيل قطاع النقل الحضري وإيلاء أهمية أكبر لقطاع سيارات الأجرة خرجوا علينا بالترامواي الذي أعتقد أنه غير مناسب لمدينة كبيرة مثل الرباط» ويقول عزيز هذا ممتعضا وهو يضطر للتوقف في انتظار أن يمر الترامواي.
نموذج بيئي مثالي
وتعتمد إدارة الترامواي على خدمة المراقبة الإلكترونية، حيث تزود التذاكر بشرائط مغناطيسية لاصقة تسمح بتمريرها عبر آلة إلكترونية، بشكل يبسط عمل المراقبين. إذ تمكن هذه التقنية من معرفة الساعة التي ولج فيها الراكب العربة، وزودت كل محطات الترامواي بأكشاك مهمتها خدمة الركاب عبر تقديم كل المعلومات عن وجهته ومواعيده، بالإضافة إلى جميع المحطات التي يتوقف فيها. ويبقى الترامواي بالمقارنة مع باقي وسائل النقل العادية أقل تلويثا للبيئة على اعتبار أنه يستهلك عشر مرات أقل مما تستهلكه السيارة العادية وأربع مرات أقل مما تستهلكه الحافلة. حيث كانت شركة «ترانس ديف» التي تتولى استغلال شبكة ترامواي الرباط – سلا قد حصلت على شهادة تقدير «إيزو 2004» من أجل نظامها الإيكولوجي الذي جعل من تجربة الترامواي وسيلة نقل صديقة تتحكم في الأداء والسرعة البيئية. وتعتزم شركة ترامواي الرباط – سلا تمديد خطوط شبكتها لتشمل أحياء جديدة وهي: أحياء مولاي إسماعيل وقرية سيدي موسى بسلا، وأحياء توجد في جنوب الرباط كالرياض (شارع النخيل) والمحطة الطرقية الشهيرة بـ «القامرة»، لتأمين انسيابية أكبر لحركة النقل بين العدوتين.
هكذا إذن يبدو أن الترامواي منذ أن اقتحم حياة سكان العدوتين قبل نحو ثلاث سنوات، قد نجح في تغيير جزء من عاداتهم في التنقل، ورغم أنه لم يسلم هو الآخر من الاكتظاظ في أوقات الذروة إلا أنه يمثل نقلة نوعية في المقارنة مع بقية وسائل النقل العمومي، فهو دقيق في مواعيده ويعطيك الإحساس بالإطمئنان والراحة بحسب معظم مستعمليه الذين حدثتهم «القدس العربي” مع كل محطة يطالعك صوت نسائي يذكر الركاب المتوجهين إلى محطة ما، بأن موعد نزولهم قد اقترب وما عليهم إلا انتظار توقف الترام ليضغطوا على الزر الأخضر لينطلق كل منهم إلى أشغاله اليومية. أحد المراقبين يقول: «في البداية كان الترامواي كائنا غريبا وغير معتاد يثير الريبة بالنسبة لكثير من المواطنين، لكنهم الآن اعتادوا عليه بل واستطاعوا التأقلم معه، بل إنهم يحاولون تغيير سلوكهم والعادات التي اعتادوا عليها في وسائل النقل التقليدية».
عماد استيتو