تناقضات الموقف الرسمي العراقي تجاه أحداث الثورات العربية

حجم الخط
0

أمير المفرجييرى الكثير من المعنيين بالشأن العربي هذا التفاوت في الموقف الرسمي العراقي تجاه الأحداث الأخيرة في المنطقة، واتساع رقعة مساحة وحجم الثورات العربية, ونجاح شعوب المنطقة في قلب الموازين بإزاحة الأنظمة الدكتاتورية وخصوصا في ليبيا وسورية, إلى وجود التناقض والاختلاف في مواقف حكام العراق الجدد التي برزت في الساحة العراقية. حيث يُعزى هذا كنتيجة ( للالتباس) الذي يعاني منه الزعماء نتيجة لخلطهم ما بين موقف الدولة الرسمي وأيد يلوجيتها السيادية, وما بين النزعات الشخصية المبنية على ثقافة برامج أحزابهم المذهبية المرتبطة بالخارج. فعلى وقع التطورات الأخيرة في اليمن والبحرين وليبيا، وتصاعد ضغط الشعب السوري على نظام الأسد في دمشق, برزت في الساحة السياسية العراقية بعض المؤشرات السلبية الواضحة لحالة من الانقسام الأيدلوجي والسياسي التي يعاني منه هذا البلد, نتيجة للاختلاف في الثقافات والرؤى في تقييم الثورات العربية, وانحياز الثقافات المذهبية لزعماء العراق وتباينها مع الثقافة الوطنية في قراءة إيديولوجية التحرر الواحدة والمشتركة لشعوب المنطقة. حيث كان لضعف وانعدام المشروع الوطني الواحد في العراق على مستوى الأحزاب السياسية, السبب الرئيسي في غياب وحدة الموقف الرسمي للدولة في العديد من القضايا الدولية التي تحتم الاتفاق والإجماع عليها وطنياً.

ولم تنفع حالة الإجماع والوفاق الوحيدة بين الأوساط السياسية في رفضها الموافقة على مشروع ميناء مبارك الكويتي, من حجب الرؤى عن حقيقة التناقض والاختلاف السائد لحكام العراق الجدد, التي برزت في الساحة العراقية نتيجة لأتساع رقعة مساحة وحجم الثورات العربية, ونجاح شعوب المنطقة في قلب الموازين وإزاحة الأنظمة الدكتاتورية التي جثمت على رقاب هذه الشعوب. فبالرغم من هذا الإجماع الشعبي والوفاق الرسمي الشامل بالدفاع عن سيادة الوطن ضد التجاوزات الكويتية, ورفض المساس بالسيادة البحرية الوطنية, بيد إن التوجهات الطائفية والتناقضات المذهبية لا تزالا تتصدران المشهد السياسي الداخلي والخارجي في العراق.

وحيث ان الخصوصيات الوطنية للثورات العربية هي القاسم المشترك للشعب الثائر, تبقى الخصوصيات الطائفية عامل انقسام واختلاف. وبما إنها تـُمثل رأي الجزء على حساب الشعب, فهي مصدر تراجع وتفرق وتناقض في التفسير بين الهوية الوطنية والهوية الثانوية التي يمثلها المذهب أو الطائفة. وقد لا يذهب المرء بعيداً في رؤية هذه التناقض الرسمي لحكام العراق الجدد في تفسيرهم الضيق وغياب الموضوعية فيما يتعلق بثورات الربيع العربي في المنطقة, وتفاوت التصريحات بين التأييد والتنديد تناسبا مع التشابه أو الاختلاف في الهوية الطائفية والمذهبية. حيث انه في الوقت الذي يدين رئيس المجلس التشريعي أسامة النجيفي أعمال العنف التي يواصلها نظام الرئيس بشار الأسد ضد المتظاهرين, وفي الوقت الذي يعلن السفير العراقي في الولايات المتحدة سمير الصميدعي بأن ‘سقوط نظام الأسد لا مفر منه، وسيكون مفيدا للمنطقة, وسوف يضعف إيران في النهاية ‘, عمل نوري المالكي الذي يستمد جزءا كبيرا من سلطته من إيران التي دعمت سوريا من إعلان تأييده لنظام الأسد وإبداء تخوفه من سقوط النظام السوري وتأثر العلاقة القوية التي تربط ضلع حزب الدعوة الحاكم مع ضلعي المثلث الإقليمي في سوريا وإيران. هذه المواقف المتباينة من رئيس المجلس التشريعي ورئيس مجلس الوزراء قد أثارت العديد من التساؤلات فيما يتعلق بالحدود التي تُفصل الهوية الطائفية عن الهوية الوطنية ومدى تأثير التجاوز أو (الالتباس) بينهما في تحديد الموقف الحقيقي للدولة العراقية.

وإذ كان بروز هذه الظاهرة مؤخراً في الساحة العراقية قد أعطى دليلا أخر يضاف إلى سلسلة التناقضات وحالات التشرذم السياسي الموجودة في الدولة العراقية, فأنه يـُمثل في نفس الوقت إشارة واضحة لغياب تأثير الدولة العراقية على مكوناتها, وفشل للمشروع الوطني الموحد للنظام السياسي الجديد. فلا صوت إذن يعلو على صوت الطائفة أو المذهب في العراق بعد أن تداخلت نزعات الهوية الطائفية للنظام الجديد مع ثوابت السيادة للهوية الوطنية. ونظراً للخطورة التي يحملها هذا التناقض في الموقف الرسمي العراقي من الثورات العربية في المنطقة وأثر تداعياته على مستقبل حكم وإدارة البلاد, فقد أثار هذا (الالتباس) للموقف الرسمي العراقي تجاه أحداث المنطقة العربية وثورات شعوبها العديد من التساؤلات فيما يتعلق بالخلط بين موقف الدولة وموقف الطائفة أو المذهب وما قد يسميه البعض بـ(الطائفية الوطنية), والحدود المسموح بها في الفصل ما بين الهوية الطائفية والهوية الوطنية في صياغة الموقف الرسمي العراقي. من هذا المنطق فأن تجاوز حدود الفصل بين الهوية الوطنية والهوية الطائفية في العراق يمكن اعتباره تحديا للدولة الوطنية كما يُمكن قراءته في نفس الوقت ولأسباب داخلية على انه فشل لهذه الهويات المذهبية من دمج نفسها في المشروع الوطني لبناء الدولة وبالتالي عدم تفضيلها لأهمية مكانة الوطن على أهمية العلاقات التاريخية الطائفية والارتباطات المذهبية التي تربطها بدول الجوار.

وعلى الرغم من صعوبة حكم العراق عن طريق طائفة معينة, واستحالة ربط الهوية الوطنية بطائفة ومذهب, لم يكن ظهور(الطائفية الوطنية) في حكم العراق في يومنا هذا ولادة صدفة, فقد تعاملت الولايات المتحدة مع النظام السياسي العراقي الجديد منذ بداية الاحتلال من خلال الطائفة. وقد كانت مسؤولية المُحتل منذ البداية تتركز على بناء الهوية المذهبية للنظام السياسي للعراق الجديد، ومن ثم تسليم السلطة إلى رموز الأحزاب المذهبية, وكان للاحتلال الأمريكي الدور الكبير في رسم وتثبيت مفهوم نظام (الطائفية الوطنية) الذي يعني أحقية طائفة معينة في إقامة نظام مذهبي يشمل ويحكم البقية الباقية من العراقيين. وبمعنى أخر فقد سمحت التغيرات التي حدثت في العراق على إفساح المجال للدين والمذهب في أن يكون عاملا في تشكيل الهوية الوطنية وأسس الدولة الجديدة التي تم تحقيقها بعد الاحتلال الأمريكي للعراق. وهذا يقودنا للاستنتاج الأتي, وهو ان الهوية الطائفية لم تكن لتنمو في العراق لولا هذه النية والإرادة الخارجية الحالية في إضعاف الدولة العراقية التي طالما ساندها الغرب في السابق بعد تجريد المجتمع العراقي من بوصلته الوطنية والسماح (للجمهورية الإسلامية في إيران) وبعض دول الجوار من التحكم باتجاهاتها والتلاعب بمقدرات الدولة العراقية.

فالتغير والالتباس في موقف الدولة الرسمي, وبالتالي هذا التناقض في الموقف العراقي تجاه أحداث الثورات العربية, لم يكن ليرى النور وأن ينجح جزء منه, لولا وجود هذا الفضاء الشاهق وهذا الفراغ الواسع اللذان سـمحا للدول الإقليمية التمتع به وملأه. فالهوية الوطنية العراقية إذن لم تتغير ولم تسقط بسقوط النظام السابق في العراق, وان ما تغير هو غياب الدولة الوطنية بعد إزاحتها وإبدالها بدولة مذهبية, ومن ثم (شرعنة) التعامل بالهوية الطائفية في دوائر الدولة السيادية على حساب الهوية الوطنية في تمثيل مواقف الدولة الرسمية في المنطقة والعالم.’ كاتب من تيار المواطنة العراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية