هذا عنوان كتاب للناقد اللإنكليزي وليم إمبسن (1906- 1984) الذي نشره عام 1930 في لندن، وتكرّرت طبعاتهُ في أمريكا على امتداد الأربعينات من القرن الماضي. كان إمبسن من أبرز تلامذة الأستاذ والناقد الكبيرآ.أي. ريتشاردز(1893- 1979) مؤسس مدرسة النقد الجديد، فكان كتاب إمبسن ترسيخاً لتلك المدرسة في النقد في العالم الأكاديمي الأمريكي على امتداد القرن العشرين وما بعده.
يسرد إمبسن سبعة أنماط من الغموض في أمثلة من الشعر الإنكليزي بخاصة، ويقترح طرائق للتعامل مع تلك الأنماط لجلاء الغموض فيها لجعلها مفهومة أمام القارئ الجاد.
والنمط الأول من الغموض في رأي إمبسن هو الاستعمال المجازي في شكل الاستعارة، كما في الشعر الماوراطبيعي metaphysical
وأحسنُ أمثلته شعر جون دَن (1572- 1631) حيث يوصف شيئان أو شخصان بأنهما شبيهان، بينما هما مختلفان في الواقع. في قصيدة دَن بعنوان “وداع يمنع الحزن” يمثل الشاعر نفسه وحبيبته بالفرجال، حيث تبقى الساق ذات الإبرة ثابتةً في المركز بينما تدور الساق الثانية حولها لتعود إلى نقطة البداية لتكتمل الدائرة، إذا بقيت الساق الأولى ثابتة في المركز. كان الشاعر على أهبة السفر، ويريد للحبيبة أن تمتنع عن الحزن لغيابه، لتبقى راسخة في مكانها ليستطيع الغائب أن يعود إلى حيث ابتدأ، وتكون الدائرة المكتملة صورة الحب الكامل!
والنمط الثاني من الغموض كما يراه إمبسن هو وجود اثنين من المعاني أو أكثر في صورةٍ واحدةٍ، أي استعمال استعارَتين في الوقت ذاته. ويستمر الناقد في تناول أنماط الغموض، في الشعر بخاصة، ممّا يفتح آفاقاً للقارئ في تلقي النص الشعري أمامه، على أمل أن يزول الغموض ويتّضح المعنى.
وقد خَطَر لي إمكان تطبيق آراء إمبسن على بعض ما لدينا من الشعر العربي، تغييراً عن المألوف في تناول النصوص الشعرية من البحث عن نسب الشاعر وبمن تأثّر من سابقيه أو معاصريه من الشعراء، وتغييراً عن البحث عن الهفوات النحوية وما إلى ذلك من أمور قد تزيد من معرفتنا عن الشعر والشاعر، إذا لم تكن مناكفات أو مهاترات.
وقد نجد أمثلة من الغموض “الشفيف” في بعض شعر المتنبي، أو الفرزدق، أو ذي الرِّمّة، أو بشار بن برد، وهي أمثلة لا يتّسع المجال لأكثر منها، ولو أن ثمة أمثلةٌ كثيرةٌ من الشعر الجاهلي أو العباسي أو حتى في بعض الشعر العربي الحديث.
ولنبدأ بمثال من قصيدة المتنبي الشهيرة: “واحرّ قلباه ممّن قلبُه شَبِمُ/ ومن بجسمي وحالي عنده سَقَم” وهي قصيدةٌ يتذمّر فيها الشاعر من كثرة حاسديه ومنافسيه على موقعه الأثير عند سيف الدولة. يقول المتنبّي في أحد أبيات تلك القصيدة الفذّة: “وجاهلٍ غرّهُ من جَهلهِ ضَحِكي/ حتى أتَتهُ يَدٌ فرّاسةٌ وفَمُ”. عبارة “مِن جَهلِه ضَحِكي” فيها غموض يُثير التساؤل: الفاعل هنا كلمة “ضحكي” و “مِن جَهلِه” هي بمقام المفعول به. أم أن “من جهلِه” هي بمقام الفاعل للفعل “غرّ” والهاء في “غرّه” هي المفعول به، وتشير إلى جاهل؟ هذا تساؤل ليس من السهل أن يتوقّف، لأن الشاعر معنيٌّ بجاهلٍ يستحق أن يُضحَك منه وعليه، لأنه “لجهله” لا يعرف القائل: أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي/ وأسمَعَت كلماتي من به صَمَمُ. فهل يمكن بعد هذا التساؤل الوصول إلى جوابٍ قاطع أم أن المعنى في قلب الشاعر، أو في بطنه؟
وفي قصيدة أُخرى شهيرة للمتنبّي “يمدح” فيها كافور الإخشيدي، قبل أن يُشبِعهُ هجاء في “عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ” ويتساءل: مَن علَّمَ الأسود المثقوبُ مِشفَرُهُ / أقَومُهُ البيض أم آباؤه الصيدُ؟ بعد قصيدة مدح/ هجاء عجيبة يقول فيها: لقد كنت أرجو أن أُراك فأطرب ُ(فاطربا؟) تبعث على التساؤل غير الخبيث: هل ان رؤية كافور الإخشيدي تبعث على الضحك والطرب كما تبعث رؤية قِرد في حديقه الحيوان؟
ومن أمثلة المتنبّي الرائقة: “إذا اشتَبَهَتْ دموعٌ في خدودٍ/ تبيّن من بكى ممن تباكى”. حقاً: من الذي بكى ومن الذي تباكى، إدّعاء ورياء، طالما أن الدموع “اشتبكت في خدودٍ”. في خدودِ مَن قد اشتبكت تلك الدموع فلا تعرف صدقها من زيفها؟
وفي شعر الفرَزدَق البصري، الذي “لولا شعره لضاع نصف الشعر العربي” وفي رواية “أكثر شعر العرب”. يقول الفرزدق وقد طلّق زوجته وحبيبته نوار:
ندِمتُ ندامةَ الكُسَعي لمّا مُطلّقةً غَدَت منّي نَوارُ
وكانت جَنّتي فخرَجتُ منها كآدم حين لجّ به الضرارُ
فكنت كفاقئ عينيه عمدا ً فأصبح ما يُضيءله نهارُ
ولا بأس أن يُقال لنا إن الكُسَعي رجلٌ من قبيلة كُسَع في اليمن، كان يرعى إبلاً فرأى شجرةً حَسَنَةَ الأغصان فاقتطع منها غصناً عمل منه قوساً يصطاد به الظباء. ثم بدا له بعد أيام أنه لم يوفّق بصيدٍ فكسَر قوسَه غضباً، وما لبث أن رأى عدداً من الظباء كان قد أصابهن ولم يدرِ أنه قد أصاب فنَدِم على كسر ذلك القوس النادر الجودة. ولكن الأهم في أبيات الفرَزدَق هذه الاستعارات: نَوار كانت جنّة الشاعر، والشاعر مثل آدم الذي اخطأ فخسر الجنّة. والشاعر إذ طلّق نَوار الحبيبة يُشبه من فقأ عَينيه عمداً، فأصبح في ظلمةٍ دائمةٍ لا يرى فيها نورَ النهار. التساؤل في هذه الاستعارات هو: مَن المتكلم هنا؟ آدم السعيد بحوّائه أم الشاعر النادم علي فعلةٍ خاطئة؟ أهو الشاعر المبصر أم الأعمى المخطئ؟ هذه الاستعارات لا تقصد الوصول إلى جواب قاطع بل إنها تساؤلات بما فيها من غموضٍ شفيف.
في شعر ذي الرمّة (696-735) ثمة بيتٌ في الغزل فيه من الجمال الفائق ما ينسينا التساؤل عن الغموض في الصيغة النحوية في وصف جمال العينين لغادةٍ حسناء: وعينان قال الله كونا فكانتا/ فعولان بالألباب ما تفعل الخمرُ. هل نقول كانتا فعولان، على رأي القَدَرية في أن المرء مُخيَّر لفعل ما يريد، فكانت العينان فعولان، أم نقول فعولين، على رأي الجَبريّة لأن المرء مُجبَر على فعل ما أراده الله؟ هنا نتجاوز عن احتمال غموض بسبب نحوي ونقول ما قاله ذو الرمّه، غير عابئين بما يقول النُحاة. فأمر الله واضح: “وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كُن فيكون” والجميل في صيغة الأمر هنا هو الأمر للمثنى: كونا، فكانتا استجابةً لأمر الله، فصار لهنّ الخيار أن تكونا “فعولان” بالألباب ما تفعل الخمر من الإطاحة بالعقول.
وقد نختم يمثالٍ من بشار بن برد ( 714-784) وقد جاءه رجلٌ أعمى يطلب منه أن يدلّه على دار رجل من معارفيه. فقال الشاعر: ولكنني أعمى. قال الرجل: أنا أقودك وأنت تدلّني. فخضَع الشاعر وقال: أعمى يقود بصيراً لا أبا لكُمُ / قد ضلّ من كانت العُميان تهديه! والجمال في هذا الغموض أن كلمة بصير هي من كلمات الأضداد في العربية إذ تفيد الأعمى والمُبصِر في آنٍ معا. في هذا البيت مَن هو الأعمى ومَن هو المبصر؟ مَن يقود مَن؟ والسؤال الأخير هل استطاع ذلك البصير أن يقود الأعمى إلى الدار المطلوبة أم أنه قد ضلّ الطريق لأن الأعمى كان قائدُه؟ هل من جواب عن غموض ذلك التساؤل؟