“حشيشة الكيف” تملأ سهول بعلبك والهرمل اللبنانية و”القنّب الطبيّ” لا يزال حبراً على ورق وقد يبقى!

رلى موفّق
حجم الخط
0

بيروت-“القدس العربي”: البلد الغارق في المديونية العامة وفي الأزمات الاقتصادية يُراهن على “الحشيشة” لانتشاله من القعر. جاءته التوصية من شركة “ماكينزي” الأمريكية في سياق رؤيتها لكيفية ضمان الأرباح السريعة للنهوض باقتصاد لبنان المتهاوي وإظهار نيّته بالتغيير أمام المجتمع الدولي. آنداك في العام 2018، قدّرت شركة الاستشارات المالية العالمية أن تشريع زراعة القنب الهندي للاستعمال الطبي قد تدرّ على لبنان مليار دولار سنوياً.

لم تكن المطالبات في لبنان بتشريع زراعة الحشيشة غائبة، لكن “ماكينزي” عزّزت هذا المناخ. عَهِدَ مجلس النواب في تشرين الأول/أكتوبر 2018 إلى لجنة خاصة دراسة اقتراحات قوانين قُدّمت لهذه الغاية، فاجتمعت على مدار سنة كاملة لتخرج بعد 17 جلسة بصياغة نهائية لاقتراح موحّد أصبح قانوناً نافذاً في حزيران/يونيو 2020.

أضحى لبنان الدولة العربية الأولى التي تُشرّع زراعة نبتة القنب الهندي. في الأسباب الموجبة للقانون أن “التوجه عالمياً لتنظيم وتشريع زراعة القنب يزداد نتيجة الاكتشافات والأبحاث العلمية والفوائد الطبية والعلاجية”. وتبرز الحاجة لينحو لبنان هذا المنحى “مواكبة للنهج العالمي في تنظيم زراعة القنب وضبطها بما يُشكّل مرفقاً منتجاً للخزينة وتساهم مداخيله في زيادة الناتج المحلي سنوياً، فتشكّل هذه الزراعة رافداً اقتصادياً ومالياً جديداً عدا فرص العمل المعتمدة التي سيقدّمها هذا القانون على المستويات الزراعية والصناعية والصحية كافة، كما سيعتبر فرصة للتنمية المستدامة ولا سيما في مناطق الأرياف”.

ومناطق الأرياف التي يرمي إليها القانون هي منطقة بعلبك – الهرمل البقاعية، المعروفة تاريخياً بزراعة ” حشيشة الكيف” وأصناف أخرى من الممنوعات، ما جعلها خارجة على القانون، وجعل كثيراً من أبنائها “طفاراً” وفي خانة المنبوذين بعيداً عن محيطهم الاجتماعي. على أن النطاق الجغرافي الذي قد تحدده المراسيم التنظيمية لزراعة القنب الهندي قد يشمل مناطق أخرى من البقاع والشمال.

تذهب التوقعات إلى أن قوننة زراعة الحشيشة قد تُسهم في إدخال نحو نصف مليون دولار سنوياً إلى خزينة الدولة. وستؤمن حياة كريمة لنحو 50 ألف عائلة في محافظتي بعلبك – الهرمل كانت ولا تزال تعيش على الزراعات الممنوعة.

“على المكشوف” لكن الحذر واجب

يلحظ زائر المنطقة بسهولة انخفاض منسوب القلق لدى المزارعين. سهول من الحشيشة على “مدّ النظر” مزروعة على جوانب الطرق، وما عاد هناك من حاجة للتمويه بمزروعات شرعية مخافة مداهمات للقوى الأمنية التي قد تعمد إلى عمليات إتلاف غالباً ما تكون لها خلفيات تأديبية ترتبط بحسابات “قوى الأمر الواقع” أكثر مما هي مرتبطة بحسابات الدولة.

على أن الحذر يبقى واجباً لدى هؤلاء. تحتاج على الدوام إلى مَنْ يُمهّد الطريق لأي زيارة أو لقاء صحافي، وأفضل الوسطاء هو أحد من أبناء العشيرة التي تقصدها أو معارفها. نقصد إحدى قرى بعلبك – الهرمل. يلاقيني وجيه العائلة ويصحبنا إلى أرض مزروعة بحشيشة واعدة ومميزة يتوقع أن يكون منتوجها مُضاعفاً. والسبب أنه يرويها على “نظام النقطة” ولا “يبخل عليها” بالمواد المغذية. نجول بين الشتول، ونلتقط الصور لكنه يطلب منها أن نبتعد عن البناء الذي يُمكن أن يُشكّل علامة فارقة، فنأتي له بمشاكل هو في غنى عنها.

نسأل عن أسباب حذره، فتفهم أن وجهتها القوى المهيمنة على المنطقة، التي تتماهى بشكل كبير مع أجهزة السلطة وتؤثر عليها. يتبع المثل القائل: “ابعد عن الشر وغني له” مع الدولة. العشيرة كفيلة بتأمين الحماية لأبنائها وحماية أراضيهم الزراعية، فالسلاح موجود وكذلك الشباب، ولكن “أولاد الحرام كتار”، يقول “أبو مهدي” خصوصاً عندما تحاول أن تخرج على “الإخوان” ويقصد القوى النافذة المتمثلة بـ”الثنائي الشيعي” المسيطرة على المنطقة، “حزب الله” و”حركة أمل”.

“الثنائي”: عينٌ ترعى الحشيشة

وأخرى تترقّب القنّب

هناك في مدينة الشمس، نجلس على مقربة من قلعتها، مع ثلة من أبناء المدينة من جيلها الشاب المتحمس للثورة والناشطين فيها. نسأل عن قانون تشريع القنب للاستخدام الطبي والصناعي، وما إذا كان فعلاً سيُحدث تحولاً في حياة الناس، فتجد إجابات مترددة. القناعة لدى هؤلاء الشباب المتعطش للتغيير بأن القوى النافذة المتحكمة برقاب الناس تريد أن تبقى هي الملاذ لهم، وبالتالي، لن تسمح هذه القوى أن تخرج شبكة المصالح من يدها. فهي تُؤمّن تصريف محاصيل المزروعات الممنوعة من المزارعين وتُدير عمليات التصنيع والإتجار. ويسألون: هل فعلاً يمكن أن يتوقع أحد ما بأنهم سيخلون الساحة بسهولة للآخرين؟ ومن سيكون هؤلاء الآخرون؟

تقول التقارير إن لبنان يقع في المرتبة الرابعة للدول المصدرة للحشيشة في العالم. نبتة “حشيش الكيف” التي تُغطي نحو 3700 هكتار من الأراضي اللبنانية البالغة 10425 كلم2 ليست هي النبتة التي تمَّ تشريعها. القنب الهندي للاستعمال الطبي والصناعي مختلف في نوعيته عن “حشيشة الكيف” التي تُزرع راهناً. في حسابات المزارعين، فإن الدونم المؤلف من ألف متر مربع يعطي محصولاً بقيمة تتراوح بين 1500 دولار إلى 2000 دولار، حين كان الدولار بألف وخمسمئة ليرة لبنانية. على أن التقارير تُشير إلى أن غرام الحشيش من الإنتاج اللبناني يُباع في الخارج بسعر 15 دولاراً أمريكياً، وأن الدونم يُنتج ما قيمته حوالي 15 ألف دولار.

الفائدة بالنسبة للمزارع محدودة. كان قادراً على تأمينها من خلال الزراعات البديلة، لكن التجربة في تسعينيات القرن الماضي أخفقت يوم اتّجه لبنان إلى إتلاف المزروعات الممنوعة على أن يستبدلها بزراعات مُنتجة، فكانت النتيجة كارثية على أبناء بعلبك – الهرمل. فشل الدولة في تأمين بدائل اقتصادية ورعاية المزارعين أعادهم إلى حضن الزراعات الممنوعة مجدداً. فزراعة الحشيشة سهلة، بذورها غير مُكلفة، ولا تحتاج إلى ريّ دائم، ويُناسبها المناخ الأكثر حرارة وجفافاً الذي يمتاز به البقاع. كما أن تصريفها كان مؤمّناً ومضموناً في ظل الشبكات المنظمة والمافيات التي تُدير عملية التصنيع والتوضيب والتهريب، والتي شكّلت مصدراً مالياً ضخماً لـ”حزب الله” ولا تزال، وهو الذي يُوفّر الغطاء الأمني والمالي لهذه الزراعة.

من المستفيد؟

عزا المراقبون رفض “حزب الله” للقانون إلى أنه يضرب مصدر تمويله. “الحزب” سأل عن جدواه الاقتصادية وتحفّظ، لكن القانون مرَّ في الهيئة العامة لمجلس النواب. بعد إقراره، بدأت التساؤلات عن الجهة المستفيدة من تشريع زراعة القنب الهندي، وعما إذا كان سيُتيح للمزارعين التحرّر من سطوة القوى المسيطرة، وفي مقدمها “الحزب”. لا يزال من المبكر الإجابة عن هذه التساؤلات، ولا سيما أن العبرة ستكون في المراسيم التنظيمية التي تنتظر إقرارها في مجلس الوزراء.

فالقانون نصَّ على إنشاء هيئة ناظمة لا تقل في أهميتها عن الهيئات الناظمة في قطاعات الكهرباء والاتصالات والطيران المدني التي يُطالب المجتمع الدولي الحكومة بإنجازها كجزء من الإصلاحات التي يشترطها لمنح المساعدات للبنان. و”الهيئة الناظمة لزراعة نبتة القنب للاستخدام الطبي والصناعي” صلاحياتها الرقابة والترخيص للمنشآت والعمليات، وهي معنية بوضع الاستراتيجية الوطنية للقنب بعد التنسيق مع الجهات المحلية والدولية والرسمية والخاصة المعنية بهذا القطاع. أنواع التراخيص متعددة بلغت تسعة، من تراخيص استيراد البذور والشتول إلى إنشاء مشاتل القنب، فترخيص الزرع والحصاد وترخيص التصنيع، والنقل والتخزين، وترخيص البيع والتوزيع، واستيراد المواد الكيميائية القياسية.

ومَن يقرأ القانون، يراه عصرياً، متقدماً، يمكن أن يُشكّل فرصة حقيقية للبنان لدعم اقتصاده وتنويع مصادر دخله، والأهم أنه يُمكّن الدولة من تنظيم ومراقبة هذه الزراعة ومشتقاتها واستخدامها وإدخالها في المجال العلمي وتحقيق التنمية المستدامة للمناطق المتضررة جرّاء الزراعة غير المشروعة لنبتة القنب واستخدامها العشوائي وتخفيف عبء نظام العدالة الجنائية من خلال الحدّ من الجريمة المنظمة القائمة على الإتجار غير المشروع بالقنب عبر تشديد العقوبات الجزائية على المخالفات المرتكبة ضد أحكام القانون.

الشيطان يكمن في التفاصيل

ولكن ليس هناك من وهمٍ أن التفاصيل كثيرة ومعقدة، وضمان حسن تنظيم وسير القطاع صعب في ظل تراخي الدولة وأجهزتها وتنامي السلطات الموازية بفعل قوة الطوائف وأحزابها وتحالفاتها من فوق. فالمسألة لا تتعلق فقط بـ”حزب الله” وإن كان هو الأكثر استفادة وقدرة على توظيف هذا القطاع لمصلحته، لكن هناك أيضاً قوى سياسية أخرى مستفيدة. فالعلاقة بين دير الأحمر المسيحية ومحيطها الشيعي محميّة ليس بقرار سياسي فقط بل أيضاً بقرار مصلحي يرتبط بهذا البُعد، على أن متابعين يعتبرون أن القوى المستفيدة من خارج بوتقة “حزب الله” دفعت في اتجاه إقرار القانون بهدف شرعنة هذا القطاع وتطويره طبياً وصناعياً، وهي تتوق إلى وضعه تحت الإشراف الدولي.

صحيح أن لبنان شرّع زراعة القنب على الورق، لكن الطريق لا تزال طويلة لترجمته واقعاً يتوافق مع القوانين والمعاهدات الدولية. المحاصيل الزراعية لهذه السنة لا غطاء قانونياً لها، وليست مُدرجة في إطار الاستخدام الطبي والصناعي. إنها “حشيشة كيف” تضرب المجتمع اللبناني كما غيره من المجتمعات التي تُصدّر إليها بطرق غير شرعية. أما القنب للاستخدام الطبي، فلا يزال على الورق ينتظر في أدراج رئاسة الحكومة بوصفها سلطة وصاية لإعداد المراسيم التطبيقية، التي قد تطول لتُبصر النور في ظل تشابك المصالح وتضاربها وطغيان منطق المحاصصة.

وحتى لو حصل أن زُرعت الأراضي بنبتة القنب للاستخدام الطبي، فإن حشيشة الكيف ستبقى تُزرع، وستصبح أكثر ندرة وأغلى ثمناً. وليس متوقعاً أو مُنتظراً أن تُواجه الدولة في المدى المنظور مزارعي “حشيشة الكيف” الذين سيكونون محميين بشكل أكبر، لأنها التجارة التي تحصد مليارات الدولارات خارج الأطر القانونية سنوياً لمن ينتمون إلى “المافيات” وشبكات الجريمة المنظّمة والتنظيمات المصنّفة إرهابية على المستوى الدولي، وهذه هي الأقوى حتى إشعار آخر.

الدول المُنتجة لـ”الذهب الأخضر”: العدد إلى ارتفاع!

انضم لبنان إلى الدول التي سنَّت قوانين لزراعة نبتة القنب الهندي للاستعمالات الطبية والصناعية وهي: الأرجنتين، بلجيكا، استراليا، النمسا، بوليفيا، هندوراس، البرازيل، كمبوديا، كندا، التشيلي، كولومبيا، كوستاريكا، كرواتيا، قبرص، تشيكيا، الدانمارك، الإكوادور، أستونيا، ألمانيا، اليونان، الهند، إسرائيل، جامايكا، لوكسمبورغ، مقدونيا، مالطا، المكسيك، النيبال، هولندا، النروج، بنما، الباراغواي، البيرو، بولندا، البرتغال، روسيا، سلوفينيا، إسبانيا، تركيا، أمريكا (31 ولاية)، الأوروغواي، زامبيا، زيمبابواي، والصين.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية