أثار الحديث عن نهاية «الصحوة الإسلامية» وهي من الظواهر السياسية -الاجتماعية الأهم في العقود الفائتة، كثيراً من الجدل مؤخراً، مع تضارب كبير في تحديد تاريخ ومظاهر هذه النهاية، فسواء تكلمنا عن تأثير ثورات الربيع العربي، أو عن سقوط حكم الإخوان المسلمين القصير في مصر، أو الممارسات الصادمة لتنظيم «داعش» أو الإصلاحات التي يقوم بها النظام السعودي، لا يبدو أنه من الممكن تقديم أكثر من تفسير سياسي مُبسّط لتراجع مظاهر الأسلمة، أو على الأقل بروز ظواهر اجتماعية جديدة مغايرة لها، وقادرة على الانفلات منها.
ظهرت في العقود الماضية دراسات عديدة تحاول قراءة «الصحوة» بنوع من التعاطف، فبعد أن اعتبر كثيرون الحركات الإسلامية نمطاً من مقاومة سياسية واجتماعية، ذات سمة أخلاقية، للإمبريالية الغربية والحكومات الديكتاتورية المحلية، استثمر كثير من الباحثين الأجواء التي سادت بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول لإعادة ترجمة الإسلاموية للمجتمعات الغربية: بعيداً عن سياسات «مكافحة الإرهاب» المكروهة يسارياً، أو أنماط «الاستشراق» التنميطية، يمكن الحديث عن تقليد إسلامي حي وفاعل، يبني الذات الفردية للمسلمين، من خلال تكرار تقنيات معينة للانتساب للجماعة، أو الوصول للتقوى والصلاح والطهارة. هذه الممارسات ليست مجرد خضوع سلبي للسلطة أو الهرمية الإسلامية، بل هي أسلوب التابعين، لاكتساب القوة والقدرة على المقاومة. أمكن، بالاعتماد على كتابات ميشيل فوكو المتأخرة، ودراسات مفكرين لاحقين مثل جوديت باتلر، صياغة نقد يساري للمفهوم الليبرالي عن الحرية، الذي يفترض أن هنالك ميولاً تحررية فردية تقمعها السلطة، لحساب مفهوم يهتم أكثر بالجماعة وثقافتها، التي تبني الذات الفردية نفسها، وتعطيها مفاهيمها عن الحقيقة والأخلاق، فيصبح اتباع التعاليم طريقة لتأكيد الذات، وليس استلاباً لها. المثال الأشهر، الذي يطرح عادةً، عازف البيانو، الذي كلما ازداد خضوعه للتمارين والقواعد الشاقة للعزف، ازدادت قدرته الذاتية، واكتسب مزيداً من القوة بوصفه عازفاً، بدون أن يكون مجرد نسخة مكررة لغيره من العازفين، فتكراره القواعد يعطيه في النهاية صوته وأسلوبه الخاص.
يمكن نقد هذا المنظور من زوايا متعددة، ولكنه يثير كثيراً من الأسئلة، حتى لو وافقنا عليه، هل يمكن اختزال التقليد، الذي يكرره التابعون، بالإسلام؟ وهل «الصحوة الإسلامية» كانت فعلاً شكلاً من إعادة إنتاجه؟ والأهم: كيف بإمكاننا تفسير ظواهر ثقافية واجتماعية، شديدة المحلية والأصالة، وشديدة الانفلات في الوقت ذاته، اصطدمت بـ«الصحوة» سواء في فترة صعودها أو تراجعها، تؤرق اليوم الدول القائمة والإسلاميون و«قيم الأسرة» وغيرها من السلطات؟
فوضوية التكرار
يمكن بسهولة صياغة نماذج نظرية متعددة عن التقليد، يصعب نقدها بمعايير خارجة عنها، ولكن عند البحث السيسولوجي العياني يبدو الوضع أكثر تعقيداً بكثير، توجد ممارسات من صميم العرف الاجتماعي تصطدم مع المفاهيم الإسلامية الأساسية، بدون أن تخلّ بالمكانة الاجتماعية لفاعليها، بل قد تكسبهم، على العكس، مزيداً من الرأسمال الرمزي، تقاليد الثأر مثال جيد عن هذا. عدا عن أن ممارسات كانت لفترة طويلة من صميم «التقليد الإسلامي» المعيش، مثل زيارة الأضرحة وتقديس الأولياء، صارت مع تأسيس الدول الحديثة، وصعود النزعة السلفية، نموذجاً للجهل والخرافة، البعيدين عن الإسلام الصحيح.
إضافة لهذا يوجد كثير من المؤثرات الأجنبية؛ الأعراف المتعلقة بالفحولة والأنوثة؛ الثقافات الفرعية، يصنع القيم الاجتماعية والثقافية والأخلاقية للبشر، التي لا يمكن حصرها بالتأكيد في تقليد أحادي. تجاهل هذا التنوع الاجتماعي والقيمي يوقع المهتمين بـ«التقليد الإسلامي» باختزالية شديدة، ونزعة تسلّطية متعالية، ليس فقط على خيارات الأفراد، بل حتى على ثقافة، أو بالأصح، ثقافات المجتمع نفسها.
يمكن الموافقة على أن الأفراد يكررون القيم السائدة، ويستبطنونها لتأكيد ذواتهم، ولكنّ هذا التكرار يتم بأساليب شديد التعقيد والتركيب، وعلى أساس قيم متعددة، صار يصعب ضبطها مع اضمحلال الدولة الوطنية العربية، وثقافتها الجماهيرية. حتى الظواهر الثقافية، التي تعتبر بقمة الانفلات، قائمة بهذا المعنى على تكرار ممارسيها لقيم معينة، تكسبهم نوعاً من القوة: الرقص «الخليع» الذي يجري في احتفالات الأحياء الفقيرة، أو على تطبيقات حديثة مثل «تيك توك»؛ الأغاني التي تحتفي بالكحول والمخدرات والجنس؛ بروز صوت فئات جديدة مثل مجتمعات المثليين، كل هذا قائم على تقاليد وأعراف ما، تعني ممارسيها، ولا تتخذ بالضرورة موقفاً جذرياً ضد التقليد الإسلامي المعيش، حتى لو خالفته بشدة، خاصة أن التكرار نفسه تعريفاً يحوي نوعاً من التأويل والتنقيح والقدرة على التهجين.
طرحت محاكمة فتيات «تيك توك» في مصر باسم قيم الأسرة، أو محاولة منع أغاني المهرجان بحجة إخلالها بالذوق العام، أسئلة كثيرة حول ماهية القيم والذوق اللذين يحاكم البشر باسميهما.
ربما كانت «الصحوة الإسلامية» في زمنها شكلاً من استبطان التقليد بالنسبة لكثير من أنصارها والمتأثرين بها، ولكن صعودها الشامل، وقدرتها على إقصاء معظم المظاهر الثقافية المخالفة، لا يمكن فصلهما عن سياسات الدول الحديثة، فعمليات الأسلمة تمت، في غالب الأحيان، بعد انقلابات عسكرية (مثلما حدث في إندونيسيا وباكستان والسودان) أو نتيجة توجيهات حكام ديكتاتوريين في سياق الحرب الباردة وما بعدها (حالة سلطنة بروناي في أيامنا مثلاً) ويمكن اليوم تأريخ معظم الإجراءات، الدموية غالباً، التي رافقت «الصحوة». كثير من الباحثين المتأثرين بفوكو انتبهوا متأخراً لعلاقة الإسلاموية بنمط الدولة الحديثة، فتحدثوا عن «ما بعد إسلاموية» أو عن شريعة إسلامية، يجب أن لا تسعى لدولة، رغم هذا فإن استمرار تركيزهم على «التقليد الإسلامي» وحده يبقيهم في موقع اختزالي وإقصائي، يجعلهم أقرب لمنطق السلطة الحداثية المتعالية، التي ينتقدونها دائماً.
ما «قيم الأسرة»؟
طرحت محاكمة فتيات «تيك توك» في مصر باسم قيم الأسرة، أو محاولة منع أغاني المهرجان بحجة إخلالها بالذوق العام، أسئلة كثيرة حول ماهية القيم والذوق اللذين يحاكم البشر باسميهما. يدلّ قمع ممارسات ثقافية شديدة الشعبية والانتشار، بالاستعانة بعنف السلطة التنفيذية، على خلل كبير في الأجهزة الأيديولوجية للدولة، يدفعها لاستعمال أجهزتها العنفية بشكل دائم، لضمان مفهومها للاستقرار الاجتماعي. إذا وافقنا لويس ألتوسير بأن العائلة هي أحد أجهزة الدولة الأيديولوجية، فإن اللجوء للشرطة والمحاكم لضمان حفظ قيمها يعني أنها باتت جهازاً مُعطلاً، غير قادر على جعل الأفراد يستبطنون القيم، وهي المهمة الأساسية لأي جهاز أيديولوجي، فيتم فرضها عليهم، بوصفها معطى إجبارياً خارجياً، وهي مهمة الأجهزة العنفية، مثل الأجهزة الأمنية. بهذا المعنى فقيم الأسرة، وكذلك الذوق العام، وكل التعبيرات الفضفاضة الأخرى، ليست حاضرة إلا بوصفها سرداً سلطوياً، يمكن تضمينه في قانون العقوبات، أو فرضه عبر السوابق القضائية، وتغدو المشكلة هنا ليست مع «ثقافة المجتمع» الذي يتابع كثير من أفراده بشغف مظاهر الانفلات هذه، ويشاركون فيها، بل مع جهاز الدولة نفسه، الذي يحاول أن يعوّض انهيار هيمنته بالعنف العاري.
ربما يمكن القول إنه بعد تراجع «الصحوة الإسلامية» يسعى جهاز الدولة، الذي ساهم مؤخراً بهذا التراجع، إلى أن يجد مجالاً جديداً للضبط الاجتماعي، عن طريق المزاودة على الإسلاميين، باسم قيم أسريّة أو وطنية أو حتى إسلامية، صُوّر الإسلاميون على أنهم خارجون عنها، وبالتالي فالدولة هي الطرف الأكثر أمانة لـ«التقليد» وبشيء من السخرية يمكن القول إنها الإسلامي الأول.
سياسات التَفَلّت
لا يعني التَفَلّت مما يُعتبر تقليداً سائداً، أن خطوط الانفلات ستؤدي حتماً إلى نتائج سياسية ديمقراطية أو تقدمية، كثير من المظاهر الثقافية، التي تُقمع اليوم، قائمة على قيم ذكورية وتسلّطية، ولا تصلح بالتأكيد لتأسيس ثقافة مضادة للثقافة السائدة، أو استعمالها للخلاص من التقليد. إلا أن فهم الفرصة التي تتيحها تعددية المصادر الثقاقية والقيمية يتيح مجالاً لنمط آخر من السياسات الديمقراطية: المتن الاجتماعي، وقيمه الأحادية التي تسعى السلطة لفرضها، تفكك على المستوى السياسي والأيديولوجي، فلا «التقليد الإسلامي» أو «قيم الأسرة» أو «الذوق العام» قادر على الإحاطة بكل مظاهر الحيوية الاجتماعية والثقافية، وتوجد ظواهر لا يمكن إنهاؤها بالعنف العاري وحده، وسيستمر البشر بالرقص والغناء والتعبير المنفلت عمّا تفترضه العقائد القويمة. النضال لأجل تحقيق الاعتراف بتعددية التعبير الثقافي والاجتماعي يمكن أن يؤدي لمكتسبات قانونية وسياسية مهمة، وبدلاً من الحديث باسم كتلة متسقة ذات توجهات وتطلعات متشابهة، يمكن السعي لتأسيس ائتلافات متعددة الفئات والمطالب، تسعى للديمقراطية انطلاقاً من إدراكها لتعدديتها، مع عدم تجاهل الطابع الطبقي لضحايا الذوق العام، فالتقليد على ما يبدو لا يتجلي بكل عنفه إلا عندما يواجه أفراداً من الطبقة التي لا تملك إلا قوة عملها، ومن هذا العمل ممارسات توسم بالفجور، مثل الرقص و«التحريض على الرذيلة».
يبقى أن تنظيم هذا النوع من الائتلافات ليس سهلاً على المستوى العربي، بسبب عنف السلطة وضعف القوى السياسية، في حين أدى تراجع «الصحوة» إلى اضمحلال القوى الإسلامية التي كانت تشكّل منافساً فعلياً للسلطة، ما يترك كل الاحتمالات السياسية مفتوحة.
٭ كاتب من سوريا