تركيا: مزيد من الأحزاب الجديدة من رحم القديمة تجر البلاد لحقبة «الحكم الائتلافي»

إسماعيل جمال
حجم الخط
0

إسطنبول ـ «القدس العربي»: منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم بمفرده في تركيا قبل نحو 18عاماً، يتفاخر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن حزبه تمكن من تخليص البلاد من حقبة «الحكومات الائتلافية» التي ولدت حالة من عدم الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي في البلاد، لكن اليوم وعلى الرغم من وجود النظام الرئاسي الذي غير تركيبة الحكم في البلاد، إلا أن الأمور تتجه تدريجياً نحو عودة «الحكم الائتلافي».
وبعد سنوات طويلة حكم فيها حزب العدالة والتنمية البلاد بمفرده نتيجة تمكنه لفترات متتالية من حصد الأغلبية في البرلمان التركي، اضطر في السنوات الأخيرة إلى التحالف مع حزب الحركة القومية لتأمين الأغلبية البرلمانية التي فقدها ولم يعد قادراً على استعادتها بسهولة في ظل تشتت أصوات الناخبين لصالح الأحزاب السياسية التي تتشكل تباعاً.
ويبدو أن الرئيس التركي تنبه لهذا الأمر مبكراً عندما طرح عبر استفتاء شعبي تغيير نظام الحكم في البلاد من برلماني إلى رئاسي، وذلك في خطوة تهدف إلى ضمان بقاء الحكومة موحدة وغير خاضعة لحسابات البرلمان المتجه نحو التنوع والتشتت بشكل أكبر خلال السنوات المقبلة، لكن هذه الخطوة وإن ساهمت في استقرار عمل الحكومي الاعتيادي إلا أنها لا تعفي الحزب الحاكم من حسابات البرلمان المعقدة، حيث يجري تمرير كافة القرارات الكبرى والتغييرات الدستورية من خلال البرلمان الذي لا يمتلك الرئيس سلطة عليه.
وبدأت تركيبة الأحزاب السياسية تتغير في البلاد بشكل لافت، منذ انشقاق ميرال أكشنار عن حزب الحركة القومية وتشكيلها حزباً جديداً «حزب الجيد»، حيث سحبت جزءاً مهماً من أصوات ناخبي الحزب الأم، وتمكنت في أول انتخابات تخوضها من حصد نسبة غير متوقعة من أصوات الناخبين، وشكلت كتلة برلمانية وازنة داخل البرلمان.

محرم إنجي يتجه لتشكيل حزب جديد على غرار باباجان وداود أوغلو

ولاحقاً، انشق عدد من قيادات حزب العدالة والتنمية الحاكم عن الحزب الأم وباشروا بتشكيل أحزاب سياسية جديدة، حيث شكل رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو «حزب المستقبل»، كما شكل وزير الاقتصاد السابق على باباجان «حزب الديمقراطية والتقدم»، وسط تكهنات حول إمكانية لجوء قيادات أخرى مبتعدة عن الحزب لتشكيل أحزاب جديدة خلال الفترة المقبلة.
هذه الانشقاقات يتوقع أن تطال أيضاً قريباً حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، حيث يتجه محرم إنجي، مرشح الحزب السابق للانتخابات الرئاسية، لتشكيل حزب سياسي جديد عقب خلافات حادة جداً مع قيادة الحزب وهو ما سيفتح الطريق لحزب سياسي جديد من رحم الشعب الجمهوري، وهو ما سيؤدي بدوره إلى مزيد من التشتت في أصوات الناخبين.
وفي ظل هذا المشهد المعتقد، ستكون الساحة السياسية التركية أمام تركيبة مختلفة تماماً عما كانت عليه طوال العقدين السابقين، حيث كانت تتصدر 4 أحزاب سياسية رئيسية فقط، وهي حزب العدالة والتنمية والشعب الجمهوري والحركة القومية والشعوب الديمقراطي الكردي.
ولكن الانتخابات المقبلة سيكون فيها أحزاب جديدة أبرزها حزب الجيد والمستقبل والديمقراطية والتقدم، وربما يضاف إليها حزب إنجي المتوقع، والأحزاب الصغير السابقة كالسعادة والديمقراطية والوطن والطريق القويم، وغيرها من الأحزاب. كل هذه الأحزاب ـ باستثناء حزب الجيد ـ وعلى الرغم من عدم منافستها على حصة كبيرة في البرلمان إلا أنها باتت سبباً في تشتت أصوات الناخبين وحرمان أي حزب سياسي من الحصول على الأغلبية داخل البرلمان.
ومع انتهاء حقبة وفرص حصول حزب سياسي واحد على الأغلبية البرلمانية، لجأت الأحزاب التركية في السنوات الأخيرة إلى التحالفات، فشكل العدالة والتنمية مع حزب الحركة القومية «تحالف الجمهور» الذي يمتلك الأغلبية في البرلمان الحالي، فيما شكلت أحزاب المعارضة «تحالف الأمة».
ولم يعد حزب العدالة والتنمية الحاكم على إدارة شؤون البلاد بمفرده، حيث يضطر للعودة والتشاور مع حزب الحركة القومية لتمرير أي قرارات كبرى، ولا سيما التعديلات الدستورية داخل البرلمان، حيث لا يمكن للحزب تمرير أي قرار داخل البرلمان بدون الحصول على أصوات حليفه حزب الحركة القومية، الذي بات يتهم بأنه «يبتز» الحزب الحاكم لتمرير كثير من القوانين والقرارات في الآونة الأخيرة.
وربما يكون الحزب مجبراً على توسيع تحالفه في الانتخابات المقبلة، وبالتالي سيكون مضطراً للحصول على دعم أكثر من حزب، ثم الخضوع لضغوطها وميولها السياسية. كما أن المعارضة، في حال فوزها، ستكون مكونة من 4 أحزاب سياسية على الأقل، وهو ما يعني حكماً ائتلافياً غير مستقر يقود البلاد إلى حالة من تراجع الاستقرار السياسي والاقتصادي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية