عزت القمحاوي ولسوف أستشير الخبراء!
ثلاثون عاما قضاها مبارك على سرير الحكم، ولى فيها وعزل، سمسر وسرق، قص أشرطة افتتاح وخطب، ولكنه فعل كل ذلك بلا ألق ومن دون حكمة.
لم يكن هناك من أحد في خارج مصر أو داخلها يترقب خطابه، ولا يمكن أن يتذكر له المرء عبارة مأثورة، باستثناء عبارة واحدة من أول خطاباته، لم تزل تطن في رأسي لا لجمالها، ولكن لتعارضها البين مع حركات جسده لحظة نطقه بها.
في ذلك اليوم البعيد، قبل أن يملأ خدم بلاطه ورجال المخابرات الدولية رأسه بكلام كذوب حول حكمته، قال مبارك يشرح خطته في الحكم: ‘ولسوف أستشير الخبراء’ وقد أخافتني العبارة، لا لعيب فيها، ولكن لأنني أثق كثيرًا في لغة الجسد التي لا تكذب، لأن ‘خبير الكلام’ الذي كتب الخطاب ووقف بعـــــبارته بين الرئيس ولسانه لا يستطيع أن يتدخل في لغــــة جسده التي أضيفــــت تلقائيًا على النص عندما ألقاه الرئيس. وقد كانت العبارة المتواضعة تتعارض تعارضًا بينًا مع حركة الإصبع المهددة. وأثبتت الأيام صدق الإصبع وكذب اللسان؛ فلم يكن مبارك يكره في حياته قدر كراهيته للخبرة والخبراء، باستثناء خبراء بلاطه المجرمين، الذين عرفنا بعد ذلك كيف نكرههم.
خبراء وخبراءفي صراعها المحموم، تتسابق الفضائيات من أجل إقناع عيون وآذان مشاهديها بأن ما تقوله هو الأصوب؛ لأنها تمتلك الحقيقة من خلال شبكة مراسليها، ومن خلال عدد ضخم من الخبراء، تستفتيهم في شئون دنيانا عبر الهاتف أو من داخل الاستوديو. ولأن الأحداث تتسارع في كل شأن وفي كل بقعة من العالم، أصبح من الواجب أن يكون هناك خبراء سياسيون في شؤون القرن الإفريقي، واجتماعيون مختصون بأسماء مواليد العام القادم في القبائل الليبية، وجغرافيون يعرفون مسالك وكهوف تورا بورا، وزراعيون خبراء بسلالات القات اليمني! أصبح على الفضائيات أن تخرج على مشاهديها بعدد من الخبراء أكبر بكثير مما يمكن لأية مطابخ أن تنضج، وهكذا صار علينا أن نجلس في بيوتنا مشدودين إلى القليل من الأحكام الحكيمة والكثير من التُرهات التي يتفوه بها خبير مهزوم الروح منتهي الصلاحية ‘اكسبايرد بتعبير الخبير القذافي’ أو خبير نصف نضج أو بوق دعائي لم يزل يتلقى أموال زعيم هارب، يكذب ويشوه ويطلق كلماته كالرصاص الطائش ضد الثوار هنا أو هناك.
وليس من المهم أن نعرف ماذا يفعل خبير القات اليمني في القاهرة قبل وبعد إطلالته على الشاشة، أو كيف يحول الخبير الآخر معرفته بأسماء المواليد الجدد في ليبيا إلى حرفة يعول منها أسرته، لكن ما يعنينا أن نعرف كيف نكتشف في جلستنا المستريحة أمام التليفزيون الخبير الإكسبايرد من الخبير المفبرك على عجل من خبير الشيكات وصناديق السيجار. والأهم أن نعرف كيف نتشكك في خبرة الخبراء.
الفعل للفلول والتحليل كذلك!
اضطر الثوار للتجمهر مرة إثر مرة أمام سفارة الصهاينة في القاهرة طلبًا لقصاص تقاعس الحكام عن طلبه. وكان واضحا أن حرق السيارات والأحداث العنيفة الأخرى في جمعة ‘تصحيح المسار’ من فعل النظام رموز النظام المتواجدين في الزنازين وفي القصر والطلقاء، وأن هذه الفوضى المصنوعة هي المقدمة لتفعيل الطوارىء تمهيدًا للإجهاز على الثورة. والغريب أن تختار معظم القنوات عناصر من الفلول لتحليل الوقائع والتعليق عليها. مدير إدارة إسرائيل في خارجية مبارك، خبير استراتيجي محتل القلب، وخبراء مجهولون تمت فبركتهم في ليلة الحادث. كلهم يبدأون أحاديثهم بتحوط ضروري: ‘أنا لا أتكلم عن مشاعري، لكن عن الصح والغلط بشكل مهني طبقًا لأحكام القانون الدولي’! وطبقًا لأحكام القانون يبدأ الخبير في شرح جريمة الثوار، لأن السفارة حتى لو كانت أعلى العمارة هي جزء من أرض بلدها، واقتحامها يخول لإسرائيل حق الشكاية في مجلس الأمن، وطلب إجراءات عقابية ضد مصر، كما أن الانفلات الأمني يعطي صورة البلد غير المستقر بكل ما لها من تداعيات.
لا خبير من الفلول الإكسبايرد تطرق إلى تقصير الحكام في التعامل السياسي والقانوني مع العدوان الإسرائيلي الذي أوقع شهداء مصريين، ولم يضع هذه المقارنة الظالمة أمام المشاهد: عدوان رسمي إسرائيلي على الأرض المصرية أوقع شهداء مصريين سكتنا عليه، وتجمهر شعبي أمام السفارة أوقع شهداء مصريين كذلك ولن تسكت عليه إسرائيل!
ولم يقل أحد من الخبراء الفلول، إن الأمن كان مستتبًا أيام الثورة في غياب الشرطة وعاد لينفلت مع عودتها، لا يسأل الفلول هذه الشرطة لمن، فهم يعرفون! جسد الخبيربثت قناة ‘فرنسا 24’ العربية برنامجًا لمناقشة الوضع الليبي ومصير القذافي المختفي. قدمت الحلقة أستاذ علوم سياسية في الاستديو يحلل الوضع على الأرض، وآخر عبر القمر الصناعي من بيروت حمل صفة ‘خبير في الشئون الليبية’. كان الخبير يرتدي بدلة تكفي لإطعام كتيبة مقاتلين لمدة شهر، وتنسدل على أحد كتفيه لفحة جوخ حمراء زائدة على المشهد الصيفي، لكن وظيفتها كعلامة التحاق ببلاط العقيد المزركش ظهرت جلية بعد أن تكلم الخبير.
لم يدع الخبير ثورة إلا وألقى عليها بتهمة الخيانة، وسلك كل خرز العقد الفريد في خيط المؤامرة الأمريكية ضد المنطقة.
يا إلهي! كيف يقفز الخبير على كل الألعاب الدولية لإجهاض الثورات وإفراغها من مضمونها؟! وكيف يجرؤ على محاولة إقناع طفل معتوه بإمكانية عدو أحمق يحلم بأن يكون العالم العربي الحر أضعف من ذلك القائم في ظل حكم السماسرة والمجرمين والمجانين؟!
بعد أن شوه الخبير ذو الوشاح كل ثورات العرب، عاد ـ بحق الوشاح ـ إلى الثورة الليبية يخصها بأسوأ النوايا وأسوأ السيرة وأخطر المصير؛ فهي ثورة تنظيم القاعدة، وهي ثورة عملاء استدعوا الأجنبي، وأنهار دمائها لم تجر بعد!
يقفز خبير الوشاح على سلمية الثورة الليبية عندما بدأت وعلى دموية العقيد المختفي التي أوجبت تدخل الناتو؛ فهو قد خرج بلفاحه لكي يسب الثوار ويمجد محارب النور المختفي الذي لن يعود إلا بطلاً حاكمًا مجددًا أو بطلاً شهيدًا.
علاوة على الوشاح والبدلة الغالية، كانت النعمة تتفصد في وجه الخبير البيروتي. وهذه أخطر صفة لخبير. وإذا كان علينا أن نحذر الخبير الإكسبايرد أو الغرير مرة علينا أن نحذر ألف مرة الخبير المعلوف جيدًا.