تونس: انتصار الدّولة مناورة الثورة

حجم الخط
0

تحظى التّجربة السياسية التونسية باهتمام بالغ سواء في الأوساط الإعلامية أم الإستراتيجية، لأنّ «الحالة» التي شكّلتها في مضمار السّباق العربي نحو الإنعتاق من الدّيكتاتورية والغباء السياسي القاتل، وفنتازيا التّغيير التي تبيد الأثر الحضاري والإنسان باسم «الثورة». لقد اجتازت تونس أخطر مرحلة في بناء صرح الحراك السياسي عن طريق الاحتكام إلى الصندوق والقبول بنتائجه. لعله من المفيد التذكير بأنّ تونس خرجت من الحالة الثورية إلى الحالة المدنية، لكنّها أثبتت خلال ذلك أنّ ما يحدث باسم الثورة في بعض البلدان العربية ليس منها (الثورة) في شيء، لأنّ الحالة الثورية مسار ولحظة حاسمة تُجتث فيها جذور نظام وتحلّ فيها قواعد نظام جديد، ولهذا هي ليست تدميرية إلا في الحدود التي تتجاوز فيها البحث عن الحق الشرعي والطبيعي للإنسان الذي يجب أن يعيش إنسانيته بكل كرامة وحرّية وعدالة، فتنسى بذلك حسمها في البث في مشروع الإنقلاب الجذري في الحياة السياسية.
أفرزت «الحالة التونسية» سؤالا مهما على مستوى الوعي التّغيير العربي، والسّؤال ذو حساسية مفرطة لكل ما هو مظهر سياسي: هل ما حدث في تونس من صعود «نداء تونس» وهبوط الثلاثية يعدّ إخفاقا، وإخفاقا كبيرا للتيار الإسلامي المعتدل؟ بمعنى أنّ صعود التيار الإسلامي في تونس لا يخضع سوى للخطاب العاطفي وهبوطه معناه الإخفاق.
كان هذا يكون صحيحا لولا أنّ رمزي الترويكا الشيخ راشد الغنّوشي والدّكتور منصف المرزوقي، حاولا ولو من بعيد أن يؤثّرا على مسار وحركة الترويكا والسّلطة من خلال شخصيهما المتمركزين كقطبي الرّحى في العملية السياسية برمّتها، لكنّهما آثرا الخضوع لمطالب الفعل التّغييري الذي أنجزته تونس الجماهير، والتي هبّت من تحت رماد الجسد البوعزيزي.
كان ذلك أيضا يكون صحيحا لو أن الشخصيتين كانتا مستظلتين بظلّ سماء عربية ناشزة من كل تغيير وديمقراطية، لكن الظّاهر أنّهما تشبّعا في منفاهما من أسس ومبادئ الدّيمقراطية واحترام إرادة الإنسان في اختيار من ينوب عنه في المجالس الشعبية والبرلمان، ورغبته في الإنعتاق والحرّية ورفض الأبوية، فمناخ الحرّية في لندن وباريس كان بردا وسلاما على فكريهما في تطويعه لصالح المبدأ الإنساني الطبيعي والمشترك.
إنّ التّحليل الذي يذهب في اتّجاه الحكم على المنجز التونسي، أو القيمة المضافة التونسية، من خلال حسابات الرّبح والخسارة، والإندحار والإنتصار، إنّما يبخس هذه التّجربة الفتيّة والرّائدة حقّها، كونها نبّهت الوعي العربي برمّته إلى أنّ ما يتوهّمه ثورة، لا يعدو أن يكون مجرّد مناورة لا تقترب من الفعل الثوري في شيء، بقدر ما تكشف عن لاوعي في تقدير الأمور التي آلت إلى عبث وفوضى ورغبة تدميرية، وهذا الإتّجاه، بذاك الحكم يثبت أنّه يرى بعيون الرّغبة في تفكيك المسعى الدّيمقراطي وتسنيد الزاوية التي يحتمي بها لكي لا تفرز الصناديق سوى أقدارا سياسية تكون بالضرورة الطرف الذي يريده وليس الذي تنشده الإرادة الشّعبية.
ما حدث في تونس يكشف عن انتصار للدّولة واندحار مسعى الثورة أو تسكين مفاهيمها الدالة على الإنقلاب الجذري واقتلاع نظام بائد وإحلال كيان سياسي جديد، ثوري ومختلف، وهو ما لم يحدث في كافّة دوّل ما اصطلح عليه «الرّبيع العربي»، بما في ذلك تونس، فما حدث أنّ بقايا النّظام السّابق والتي أفلتها التّغيير، استفادت من المناخ الديمقراطي وحالة التّسامح التي انتشرت بين التونسيين، وأسندت أمرها إلى الصندوق، وكانت المفاجأة، فالتوانسة عرفوا كيف يديرون عمليتهم الديمقراطية بكل شجاعة وهمّة، حيث اعترف الطرف الأوّل بهزيمته وهنّأ الطرف الثاني على انتصاره، وهذه مفارقة في الحياة السياسية العربية.
لقد عملت الترويكا على أن تؤسّس لتقاليد القبول بالآخر، وتفويت الفرص على من يريد الإصطياد في المياه العكرة، انتصارا للدّولة وتونس الوطن، فزلزال اغتيال شكري بلعيد ومحمد الإبراهيمي كان كفيلا بأن يفجّر الوضع في تونس لولا حكمة الطبقة السياسية، كما أنّ الترويكا في داخلها استفادت من طبيعتها المعارِضة في طرح قضاياها بكل صراحة وصرامة، وهو ما عهدناه على الأقل في شخص الرّئيس المنصف المرزوقي.
هناك من ينظر إلى النّموذج التونسي على أساس أنّه ظاهرة، ويبدو لي أنّ الظاهرة تتأسّس معزولة عن مقابلها، بينما «الحالة» تتأسّس موضوعة أمام مقابلها، فالحالة التونسية «صحيّة» لكنّها داخل فضاء مرضي، لأنّ تجربة الخروج إلى الديمقراطية والقضاء على الدّيكتاتورية كان سلميا مثّل فيه الجيش العنصر الأقوى والأنضج في عدم التدخل لحماية طرف دون آخر أو الإنتصار لذاته وهو ما لم يحدث في دول أخرى، حيث مازالت مقولة «على الخوف أن يبدّل من معسكره» ترنّ في الأسماع، وهو ما كان يعني في دولة القائل، اللجوء إلى الحل الأمني وتكثيف روح الانتقام، وهو ما لم يحدث في تونس على الأقل بعد اغتيال الزّعيمين اليساريين.
إنّ «نداء تونس» سواء استفاد من المال المتراكم والموجّه لإحداث التّوازن في اللعبة الدّيمقراطية بحيث لا تكمل دورتها داخل السياسة الرّشيدة النافرة من المال والإستغلال البرجوازي لمقاليد الحكم، بما يحفظ للأطراف المساهمة في تعديل اللعبة الدّيمقراطية التونسية باستمرارها في التسيير القديم لأجهزة السلطة ودواليب الدولة، وهو مطلب العديد من الجهات التي تعمل وفي وضح النّهار على حماية الأنظمة التقليدية، أو سواء جاء نتيجة مطلب شعبي خالص، يبقى الرّهان قائما في تونس على نزاهة تسيير السلطة وترتيب بيتها الداخلي ضمن أطر الفعل الدّيمقراطي الناجز في الوعي التغييري السلمي التونسي.
عبد الحفيظ بن جلولي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية