لا أحد ينام في مصر

كم مسؤولا في هذا البلد سوف يستقيل استجابة لنداء الرئيس السيسي في خطابه الأخير بختام المناورة الكبرى للقوات الجوية؟ فقد طالب الرئيس كل مسؤول غير قادر على أداء عمله بأن يترك منصبه، وأن يقول لنا «السلام عليكم» على حد تعبيره.
ما من فرصة لأن يفعل ذلك أحد من تلقاء نفسه، تماما كما لم يستجب المليارديرات لنداء الرئيس بالتبرع لصندوق «تحيا مصر»، بل لم يعد أحد يتذكر الصندوق، ولا حتى السيسي نفسه يذكره في خطــــاباته، وهو الذي توقع جمع مئة مليار جنيه فورية في الصندوق، وخيب ملــــيارديرات المال الحرام رهانه عليهم، تمــــاما كما تخيب البيروقراطية الفاسدة ظنونه، وتستمسك بمواقعــــها الحاكمة في السلطة، وتتظاهر بالتصفيق لكلامه، ثم تترك الرجل وحده، يحمل آثامها وخطاياها التي تدمر كل شيء في مصر الآن.
وباختصار، فإن أحدا لا يتذكر اسم مسؤول عند وقوع كارثة، لا أحد يتذكر اسم وزير ولا خفير، ولا يحمله المسؤولية مع تلاحق الانهيارات، وتظل المسؤولية كلها معلقة في رقبة الرئيس. فلم ينتخب المصريون مسؤولا من هؤلاء، بل انتخبوا الرئيس السيسي وحده، وبما يشبه الإجماع الوطني، ووضعوا آمالهم كلها فيه، ودفعوا فواتيرهم كلها كاملة، وتحملوا مضاعفات قرارات صعبة بدت ضرورية، من نوع قرار الرئيس بالإلغاء الجزئي لدعم الطاقة، وهو ما أدى لموجة غلاء، تزيد إنهاك الفقراء والطبقات الوسطى، وهم الذين أيدوه، ولم يخيبوا رهانه عليهم أبدا، وتفاعلوا بحماس أسطوري منقطع النظير مع دعوته للاكتتاب الشعبي في مشروع قناة السويس الجديدة، ووفروا 64 مليار جنيه في أيام، لا في شهور كما كان مقدرا، وأثبتوا أن المصريين العاديين هم المستثمر الأعظم في نهوض البلد، وفي بناء مصر الجديدة، وبدون أن يشعروا بالمقابل، أن شيئا ما يتحرك إلى الأفضل، فهم يصارعون المآسي كل يوم، ويواصلون بطولة البقاء على قيد الحياة، بينما يترصدهم الموت على النواصي، بقوافل الموت الجماعي على الأسفلت المشروخ، وبقتل أبنائهم في المدارس المتهدمة، وبانهيار الخدمات الصحية، وتحول المستشفيات العامة إلى مقابر عمومية، وبتعطيل محطات المياه ومحطات الكهرباء، وبالفساد المستشري في كل أجهزة الدولة، وبتركة خراب ثقيل خلفها مبارك، ومن أتى بعده، وبمعدلات نهب عام لا تتراجع، ولا تترك لسواد المصريين سوى المزيد من الفقر والعوز والبطالة والعنوسة والمذلة، وتترك للناهبين ما نهبوا، وبدعوى تشجيع الاستثمار والمستثمرين، وبدون محاسبة ولا مساءلة جدية، ولا استرداد لحقوق البلد المنهوبة، ولا ضرب للبيروقراطية الفاسدة، بل مجرد مناشدات ومطالبات، وكلام عاطفي حار من الرئيس، يصدقه الناس، وبدون أن يجدوا تطبيقا يكافئ توقعاتهم، اللهم إلا قرارات استدعاء مسؤولين من مخازن الأرشيف، وعلى طريقة تعيين وزير داخلية سابق مستشارا للشؤون الأمنية، وتعيين السيدة العتيقة فايزة أبو النجا مستشارة للأمن القومي، وإضافة الأسماء القديمة إلى أسماء أقدم من نوع الدكتور كمال الجنزوري عابر العصور (!).
وربما يكون من حق الرئيس أن يعين من يشاء في مناصب المستشارين، فهذا حقه الذي لا ينازعه فيه أحد، وبلا تعقيب ولا تثريب، فلن يسأل أحد مستشاري الرئيس عن شيء، بل الرئيس هو المسؤول، وكاتب السطور ممن أملوا ويأملون خيرا عظيما في شخص السيسي، وممن يعتقدون بصدق نواياه ونقاء سريرته، وليس لنا إلا أن نبادل الرئيس صدقا بصدق، وأن نقول له الحقيقة التي يعرفها، وهي أن السواد الأعظم من المصريين قلق وغاضب، وألا أحد ينام في مصر الآن من فرط التململ، وأن المشاعر موزعة بين الثقة في الرئيس والخوف على مصير مصر والمصريين، ليس بسبب تلاحق حوادث الإرهاب الإجرامي، ولا بسبب بيئة التفكيك العامة المحيطة بمصر، التي تهدد بلادنا بالخطر في كل اتجاه، ولا أحد يقلل من مخاطر الإرهاب وجماعاته، لكن الإرهاب أهون الشرور التي تصادف مصر الآن، فالثقة عظيمة وراسخة في مقدرة الجيش المصري، ومصر دولة عصية على التفتيت والتفكيك، وجماعات اليمين الديني الإرهابى تنتهي إلى عزلة شعبية قاسية، فلم يعد من خطر كبير يأتي من جهة الإخوان، وقد فقدوا عطف الناس، بل الخطر الأعظم يأتي من داخل بدن الدولة المصرية نفسها، من تضخم جهاز الدولة وركاكته وانعدام كفاءته، ومن الفساد الذي ينهش وينخر، ويمتص طاقة النهوض والتقدم، ويغرق الرئيس في تفاصيل التفاصيل، ويريد أن يدفعه بعيدا عن الرؤية الشاملة، وعن التصميم الكافي، وأن يعيدنا إلى سيرة سياسة اليوم بيومه، وملاحقة الكوارث التي تترى، والتصدعات التي تتوالى، والآلام التي تتناسل، والتحرك كفرقة مطافئ بوهم العمل الميداني، وبدون التحري عن أسباب الحريق، ولا البدء في حرب تطهير تسند حرب التحرير، والمطلوب، إنهاك طاقة الرئيس، ودفعه للتسليم بما هو قائم، بدعوى أن تطهير العفن يفتح جروحا، وقد يهز الاستقرار المطلوب، وتلك لعبة تجيدها البيروقراطية الفاسدة المدربة، فتشكل لجانا تتفرع عن لجان، ثم تشكل لجانا تخلف لجانا، وهكذا إلى أن يضيع الخيط الأصلي، ويضيع البلد في المتاهة اللعينة نفسها الموروثة عن المخلوع مبارك، وهذا هو الخطر الأعظم على الثقة الشعبية بالسيسي، فالرئيس يحكم بحكومة مبارك نفسها، التي لم تتغير جوهريا، رغم ألعاب التبديلات والتوفيقات، وباستثناء وزير أو اثنين، تكاد لا تلحظ جديدا في أي أداء، وتكاد لا تحس أن شيئا ما تغير، أو أنه في سبيله للتغيير، فلم ينته تحقيق من أي نوع إلى طريق سالك، ولا إلى نتيجة محققة، ولا يزال التباطؤ هو سيد الموقف، وعلى أمل تبديد قوة الدفع، وإبقاء الأمور على حالها المزري، فقد جرى صرف تريليونات الجنيهات على المرافق والبنية الأساسية في سنوات مبارك الثلاثين، وضاعت أغلب المبالغ المهولة في مجاري النهب العام، ثم تبين أن كل شيء منهار ومغشوش من وقت بنائه، وبلا مواصفات قياسية ولا صيانة دورية، ومن الطرق إلى المدارس والمستشفيات ومحطات المياه ومحطات الكهرباء، وكلما بدأ التحقيق في جناية، ضاعت الحقيقة، وخرج الكبار بسلام كما الشعرة من العجين، ومع عقاب لطيف لأسماك فساد صغيرة، ذرا للرماد في العيون، بينما تبقى البيروقراطية الفاسدة ـ رأس العفن ـ في مواقعها تحكم وتتحكم، ومع نثر تصريحات وردية على مقابر أحزاننا، وبدون وصول إلى محطة ختام، ولا إلى قطيعة مع ما كان، فلم يعد لمصر مليم واحد من الأموال المهربة خارج البلد، ولم يعاقب فاسد كبير واحد بما يستحق، ولم يصادر مليم من خزانات الناهبين لأصول الداخل، بل يحدثونك كل فترة عن حملة تحقيقات لاسترداد أموال الدولة، وعن سعي لاسترداد مئتي مليار جنيه ضاعت في تخصيص الأراضي على طريق القاهرة ـ الإسكندرية وطريق القاهرة ـ الإسماعيلية، ثم لا تجد مليما واحدا يدفع أو يستعاد، وعلى كثرة اللجان التي تخلف اللجان، وتتحمل الخزانة العامة مصاريفها وحوافزها المقدرة بالملايين، وربما بمئات الملايين، فوق تعيينات المستشارين بالآلاف في الدواوين، وكأنهم يواصلون حلب البقرة التي جفت ضروعها، ويضربون عرض الحائط بكلام الرئيس الذي قال «ماعادش فيه حاجة تتسرق».
وبالجملة فإن الكرة الآن في ملعب الرئيس، وأغلب الناس يثقون بصدقه، لكنهم ينتظرون فعله الحاسم الذي تأخر، ينتظرون أن يكنس الفساد، وأن يطهر جهاز الدولة، وأن يقيل العاجزين، لا أن ينتظر استقالاتهم التي لن تأتي طوعا، وأن يعيــــد حقوق مصــــر المنهوبة بالأمر السيادي، وليس بصناديق التبرع الخاوية، وأن يضرب ضربته الكبرى لمليارديرات المال الحرام، وأن يغضب لمصر المنهكة المتفحمة على الطرقات، وأن يفعلها الآن قبل فوات الأوان.

٭كاتب مصري

عبد الحليم قنديل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية