بغداد ـ «القدس العربي» من : يقترح الدكتور معن الطائي مفهوماً جديداً مقابل ما يعرف بـ»السرديات الكبرى» التي اقترحها فرانسوا ليوتار عام 1979. مبيناً في كتابه الجديد «السرديات المضادة… بحث في طبيعة التحولات الثقافية» الصادر مؤخراً عن المركز الثقافي العربي في بيروت، فقد سعى الطائي من خلال الكتاب إلى تقديم نظرية جديدة في تفسير طبيعة التحولات الثقافية التي تقع في سياق اجتماعي كوني خلال حقبة محددة من الزمن. معتقداً أن هذه النظرية تقوم بتجسير الانقطاعات بين عدة نظريات طرحها مفكرون ونقاد ثقافيون بارزون من كارل ماركس وحتى فرانسوا ليوتار.
اختص الفصل الأول بمجتمع التقنية وسرديات الاستهلاك الفائق، وتناول الفصل الثاني سرديات الصورة وعوالم الترفيه، والفصل الثالث سرديات اليسار الجديد، بينما بحث الفصل الرابع في فلسفة هابرماس وسرديات الحداثة التواصلية، والفصل الخامس في السرديات الكبرى والسرديات المضادة، وتقصى الفصل السادس سرديات النهايات التي شاعت مع نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحالي.
يقترب مفهوم «السرديات المضادة» من مفهوم «السرديات الصغرى» عند ليوتار، ويقترح الكتاب مصطلح «السرديات المضادة» كبديل عن «السرديات الصغرى» لأنه يأخذ بعين الاعتبار العلاقة بين أنماط السرديات المختلفة التي توجد وتتزامن في الفضاء الثقافي لمجتمع معين.
يشير الطائي في حديثه معنا إلى أن السرديات الكبرى تمثّل ذلك النمط من الخطابات التي تتمركز حول افتراضاتها المسبقة ولا تسمح بالتعددية والاختلاف حتى مع تنوع السياقات الاجتماعية والثقافية، فضلاً عن أنها تنكر إمكانية قيام أي نوع من أنواع المعرفة أو الحقيقة خارجها وتقاوم أي محاولة للتغيير أو النقد أو المراجعة. ودائماً ما تكون السرديات الكبرى ذات طبيعة سلطوية واقصائية تمارس التهميش ضد كل أنواع الخطابات الأخرى الممكنة.
لم يعرف التاريخ الإنساني حالة ثقافية أو حضارية هيمن فيها نمط واحد وفريد من أنماط السرديات الكبرى أو الصغرى، فالمجتمعات الإنسانية تتكون من عدة طبقات وشرائح وفئات تدخل في حالة صراع ومقاومة وممانعة في ما بينها من خلال آليات الحراك الاجتماعي، وتحاول كل طبقة أو فئة أو شريحة فرض أو إنشاء سردياتها الخاصة، لمواجهة السرديات الأخرى وتعزيز خصوصيتها الثقافية والهوياتية. فكل قضية تقترح بالضرورة نقيضها، وكل سرديات كبرى أو خطاب أيديولوجي يعمل على إنتاج خطابات معارضة ومضادة، في الوقت الذي يسعى فيه لبناء منظومته الفكرية والرمزية الشاملة. غير أن هذا التضاد لا يفضي إلى نوع من أنواع التمازج بين الخطاب المركزي ونقيضه الهامشي، حيث أن طبيعة العلاقة الاشكالية بينهما تقوم على الصراع وليس على الديالكتيك. وهذا التصور القائم على مفهوم الصراع هو ما يفتقد إليه نموذج ليوتار الثقافي، فهو يتفق مع جميع مفكري اليمين الغربي، أمثال دانيل بيل وفرانسيس فوكاياما وصموئيل هنتنغتون، في محاولته تقديم تصور سكوني لواقع الثقافة والمجتمع المعاصر.
وبذلك يكون الهدف الرئيس للكتاب هو اقتراح تعديل نظري على نموذج ليوتار في حقل الدراسات الثقافية، عن طريق استبدال مصطلح «السرديات الصغرى» «بالسرديات المضادة». ويستند هذا الاقتراح النظري الى تصور حركة التاريخ بوصفها قائمة على الصراع، وليس على عمليات تحقيب سكونية، كما يتصورها ليوتار. وبادخال مفهوم الصراع على حقل الدراسات الثقافية عمدت إلى تركيب نظرية تأخذ بعين الاعتبار العلاقة بين التحولات التاريخية في صيغتها التعاقبية والطبيعة البنيوية للظاهرة الثقافية.
اعتمد الطائي في صياغته لنظرية تبحث في طبيعة التحولات الثقافية الكونية على عدد من المقولات والمفاهيم الأساسية في هذا المجال. منها مفهوم الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو حول «الحقب الثقافية»، ونظرية العالم الفيزيائي الأمريكي توماس كوهين المعروفة «بالنموذج النظري» أو «البرادايم» التي طرحها في كتابه الشهير «بنية الثورات العلمية» الصادر عام 1962.
ويقوم مفهوم «الحقبة» و»النموذج النظري» على فكرة المراحل التاريخية التي توجد بشكل طبقات أو حلقات معزولة بعضها عن البعض الآخر، حيث تهيمن على كل حقبة منظومة من الأفكار والمعتقدات والتصورات تعمل على إنتاج بنية إدراكية جمعية تتميز بها ثقافة تلك الحقبة.
«حاولت من خلال الكتاب التعامل مع الإشكالية المركزية التي تواجه الباحث في التاريخ أو الدراسات الثقافية، وهي ضرورة الاختيار بين مفهوم الانقطاع أو الاستمرار في دراسته للظواهر التاريخية والثقافية. هل هناك انقطاعات بنيوية بين الحقب التاريخية والمظاهر الثقافية، أم أنها تخضع «للمادية الجدلية» التي اقترحها كارل ماركس، وتتحدد بالصراع الاقتصادي داخل المجتمع. هذا الخلاف قائم على تصور مثالي لفلسفة التاريخ ينظر للأفكار والأيديولوجيا بمعزل عن المؤثرات المادية والاقتصادية، وتصور مادي جدلي يختزل كل الوعي البشري في المحرك الاقتصادي والصراع الطبقي».
يحاول كل فصل من الفصول الستة للكتاب تقصى الأبعاد السياسية والاجتماعية والثقافية للظاهرة قيد الدراسة، ومن ثم يبحث في الكيفيات التي تعمل وفقها تلك الظاهرة على إنتاج «السرديات المضادة» لها، في أثناء محاولتها فرض هيمنتها وإقصاء أي مظهر من مظاهر الممانعة. فهناك نمط من أنماط الحتمية الاجتماعية يجعل كل ظاهرة ثقافية محكومة بإنتاج نقيضها المضاد، ولكن تلك الحتمية هي ذات طبيعة مرحلية انتقالية، وليست كلية ولا غائية كما تصورها هيغل على مستوى مثالي، أو كارل ماركس على المستوى المادي.
ومن خلال المفاهيم التي طرحها الطائي، يقرأ التحوﻻت النقدية العراقية من خلال التغيرات اﻻجتماعية والسياسية التي طرأت على البلد. ويعدُّ في حديثه معنا أن التحولات التي مر بها المجتمع العراقي والثقافة في العراق حالة خاصة تتطلب دراسات معمقة، لما شهده هذا المجتمع من أحداث سياسية صاخبة وحروب وحصار وأوضاع كارثية استثنائية.
مبيناً أنه ربما تكون الفترة الوحيدة التي شهدت نوعاً من الهدوء والاستقرار النسبي هي فترة السبعينيات من القرن الماضي. ولكن على مدى عقود طويلة عانت بنية المجتمع العراقي من تحولات سياسية واجتماعية كبيرة، لم تسمح خلالها الوتيرة المتسارعة للأحداث بتشكل ملامح واضحة لثقافة متجانسة نسبياً وتقاليد أدبية ونقدية متمايزة. ومن مظاهر هذه الحالة الخاصة التي شهدها المجتمع العراقي التبدلات والتحولات الحادة في المزاج الثقافي والوعي النقدي والجمالي، مما أدى الى بروز ظاهرة الأجيال الأدبية والنقدية بشكل أكثر تمايزاً ووضوحاً من كل التجارب الثقافية في الوطن العربي. فيمكن للباحث أن يؤشر الى الانقطاعات العميقة بين كل جيل عما سبقه خلال حقبة زمنية تتحدد بعقد من الزمان. فالوعي الثقافي لجيل الخمسينيات الذي تميز بهيمنة الأيديولوجيا الحزبية، يختلف تماماً عن جيل الستينيات، كما يختلف جيل السبعينيات عن الجيل الذي ظهر تحت ضغوطات الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات، ثم جيل الحصار في التسعينيات، والجيل الذي شهد كوارث الحرب الشاملة والدمار الذي لحق بالبنى المادية والاجتماعية والثقافية في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين.
ورغم هذه الأحداث الكارثية استمرت الحالة الإبداعية والنشاط النقدي والإنتاج الثقافي بشكل لافت. فقد ظهرت بدايات النقد العراقي المنهجي على يد مجموعة من النقاد الأكاديميين المتخصصين الذين تبنوا المنهج التاريخي والتحليلي مثل عبد الإله أحمد وعلي عباس علوان وشجاع العاني ويوسف الصائغ. بينما سبقتهم مرحلة من النقد الانطباعي الذوقي تميز فيها علي جواد الطاهر وعبد الجبار عباس وجبرا إبراهيم جبرا. أما في فترة الثمانينيات وبسبب الضغط السياسي والممارسات القمعية وغياب الحريات، انفتح النقد العراقي على المدارس النقدية البنيوية والأسلوبية التي وصلت عن طريق المغرب العربي والنشاط الذي شهدته حركة الترجمة من الفرنسية إلى العربية. وقد كانت الانطلاقة لهذا النمط من الممارسة النقدية في مهرجان المربد عام 1979، من خلال البحث الذي قدمه الناقد عبد السلام المسدي حول الأسلوبية.
انتشرت مدارس النظرية النقدية الحديثة في الوسط الثقافي العراقي في فترة الثمانينيات من القرن الماضي، وظهرت أسماء نقاد استندوا الى الترجمات المغاربية لتلك الاتجاهات والمدارس النقدية، أو عادوا مباشرة إلى المصادر المكتوبة باللغة الإنكليزية، مثل فاضل ثامر وسعيد الغانمي وطراد الكبيسي وحاتم الصكر وعناد غزوان ومحسن جاسم الموسوي وصالح هويدي وبشرى موسى صالح. ومع نهاية الثمانينايت اهتم حاتم الصكر بنظريات القراءة والتلقي والتأويل، بينما تحول عبد الله إبراهيم من السرديات البنيوية إلى التفكيكية ثم إلى النقد الما بعد كولونيالي.
لقد كان الاهتمام بالنظرية النقدية الحديثة مظهراً من مظاهر الانقطاع الثقافي الحاد بين الوعي الجمعي على المستوى الشعبي الواسع والثقافة الأكاديمية أو ثقافة النخبة، كما يطلق عليها. هذا الانقطاع كان السبيل الوحيد المتاح أمام الثقافة النقدية في العراق لكي تتمكن من الاستمرار والعمل في ظل نظام قمعي شمولي لم يكن ليسمح بحرية التعبير والتفكير. وقد شهدت تلك الفترة بالتحديد انقطاعا آخر على المستوى الثقافي بين ممثلي الثقافة اليسارية، والشيوعية على وجه التحديد، الذين اضطر معظمهم إلى مغادرة العراق والاستقرار في المهجر، وبين النقاد والمثقفين الذين بقوا في الداخل. وظهر نوع من العدائية والتشكيك سادت العلاقة المتوترة بين الطرفين. كما رفض النقاد الأكاديميون الذين برزوا في سبعينيات القرن الماضي ذلك الاندفاع نحو مناهج النظرية النقدية الحديثة، وعدوها ممارسات شكلية عقيمة بعيدة عن روح النقد والثقافة الحقيقية. مما دفع الكثير منهم إلى الصمت والابتعاد عن الحياة الثقافية، كما حدث مع عبد الإله أحمد.
و»ما زلت أذكر استياء عبد الإله أحمد من أطروحة الدكتوراه التي كان يعدها عبد الله إبراهيم تحت إشرافه، التي تخصصت في السردية البنيوية لروايات الحرب العراقية الإيرانية، والتي قدمها إلى قسم اللغة العربية في جامعة بغداد في مطلع التسعينيات من القرن الماضي، وكانت هناك بعض الاستثناءات القليلة لتلك الظاهرة، مثل شجاع العاني وفاضل ثامر وياسين النصير، الذين تحولوا إلى النقد الحديث واستطاعوا أن يقدموا كتابات متميزة في هذا المجال».
مشيراً إلى أن النشاط النقدي في العراق بدأ يشهد تراجعاً ملحوظاً في النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي، بسبب ضغط الحصار الخانق وتردي الأوضاع المعيشية داخل العراق وهجرة الكثير من المثقفين والنقاد العراقيين إلى الخارج. استمر حضور حاتم الصكر وعبد الله إبراهيم إلى جانب أسماء قليلة مثل محمد صابر عبيد ونجم عبد الله كاظم وعواد علي وحسن ناظم.
لقد تسببت تلك الانقطاعات النقدية في حالة من الإهمال والتناسي لجهود نقدية رائدة ساهمت وبشكل كبير في التأسيس للحياة النقدية في العراق منذ النصف الثاني من الستينيات وحتى منتصف السبعينيات، مثل صلاح خالص وباسم عبد الحميد حمودي وعزيز السيد جاسم وعبد الجبار داود البصري، على سبيل المثال لا الحصر.
«يمكننا القول بأن الحياة الثقافية في العراق، والنشاط النقدي على وجه التحديد، كان قد بدأ يشهد حالة من القطيعة مع الثقافة الشعبية الحية منذ منتصف السبعينيات من القرن العشرين. وغابت الجهود التوثيقية للمنجز الإبداعي العراقي التي نهض بها علي جواد الطاهر عبد الإله أحمد وعلي عباس علوان. ولعل تلك الظاهرة تعبر عن حالة طبيعية للتحولات العنيفة التي شملت جميع نواحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية».
صفاء ذياب