لا يمكن للمتابع ملاحقة ما كتب عن مدينة بيروت وانفجارها من قصص شخصية وذكريات الصحافيين الذين عملوا فيها وغطوا حروبها الكثيرة، وفوق كل هذا أبناءها وكتابها، فالمصاب الأخير الذي حل ببيروت لم يكن بسبب مدافع الغزاة أو طيران إسرائيل، ولم يكن بسبب اقتتال أهلي، لكنه بسبب الإهمال وعقم الطبقة السياسية المكونة في معظمها من أمراء حرب وزعماء طوائف تنافسوا طوال العقود الماضية على حلب البلاد وجردوها من مالها وجمالها وفتنتها، وحولوا شوارعها إلى تلال من النفايات وليلها المضيء الراقص إلى ليل يتغذى على الشموع الراقصة في الهواء بسبب انقطاع التيار الكهربائي.
هي النخبة إذا الممثلة بالحكومات المتعاقبة والحكومة الحالية وحلف الطوائف مع الميليشيات المسلحة من سرقت أبهة “ست الدنيا” و “مدينة الآلهة” و “زهرة الشرق” و “بيروت الأبية المجيدة” و “باريس الشرق” المدينة التي كانت جنة المؤمن والكافر وتغنى بها شعراء العربية من نزار قباني إلى محمود درويش وقدمت لها فيروز أغانيها الحميمية “لبيروت من قلبي سلام لبيروت” وماجدة الرومي وصباح. فبيروت ليست مثل كل المدائن، فهي استثنائية في الذاكرة العربية، وكغيرها من المدن عانت أهوال الحروب والمجاعات والفقر لكنها كانت تقف على قدميها. إلا أن الإنفجار المريع الذي هزها ودمر معظم مركزها يوم الثلاثاء كان غير عادي في تاريخ هذه المدينة التي تحولت في العصور الحديثة من قرية وادعة على المتوسط لتصبح مركزا كوزموبوليتيا جامعا لثقافات وأفكار العالم.
الصدمة
فالشهادات التي قرأنا في الأيام الماضية وسنقرأها في الأيام اللاحقة تشي بحس الصدمة وخرج منها طعم الدخان والدم والمرارة والخيبة ممن تسلموا مفاتيحها وفتحوها على الموت. واتفق جميع المراسلين الأجانب أن انفجار مرفأ بيروت في 4 آب/أغسطس مختلف وصادم عن كل الحروب التي غطوها في العراق وأفغانستان وكل مناطق العالم، فرغم تعودهم على الموت والأشلاء والدمار، إلا أن ما حدث يوم الثلاثاء كان بين الزلزال والقنبلة النووية، سحابة برتقالية تجمعت مثل الفطر وأمطرت الزجاج المهشم على كل المدينة، ونقلت أمواج المتوسط صدى الإنفجار إلى جزيرة قبرص القريبة. والعبارة التي وردت في تقارير مراسلي “التايمز” و “نيويورك تايمز” وغيرهم من المراسلين “شهدت حروب ليبيا والعراق وسوريا، وكنت في بنايات ضربتها الصواريخ الروسية، ولكنني لم أجرب شيئا كهذا” يقول مراسل “التايمز” ريتشارد سبنسر. ونفس الشهادة بتنويع آخر فيما كتبته فيفيان يي العاملة لصحيفة “نيويورك تايمز” والتي أصيبت برأسها وكتبت عن تجربتها في البحث عن اسعاف لوقف نزيف الدم، والقائمة طويلة.
نقطة التحول
ورغم التعاطف والإعجاب بقدرة اللبنانيين على مواجهة الصدمات، إلا أن انفجار الثلاثاء أثار غضبهم بسبب تدمير مدينتهم العزيزة وذكرياتهم التي تحولت إلى أنقاض. فصورة مرفأ بيروت المدمر تذكر بالمنطقة صفر في نيويورك التي تعرضت لهجوم إرهابي نفذته القاعدة قبل عقدين من الزمان. وقالت روبن رايت في “نيويوركر” إن التفجير المزدوج فتح باب القيامة للبنان، إنها لحظة النهاية كما يرى الجميع، نقطة تحول في البلد الذي ركعته الأزمة الاقتصادية وكوفيد-19 ويشهد حالة من الاضطرابات المستمرة بسبب سوء الظروف الاقتصادية وانهيار العملة اللبنانية التي فقدت 80 في المئة من قيمتها. وفي لغة الأرقام يبدو لبنان بلدا فاشلا مثل فنزويلا، فقد ذابت الطبقة المتوسطة، وخسر اللبنانيون ودائعهم بسبب حيلة “بونزي” التي مارسها مصرف لبنان ولعقود طويلة. كل القصة معروفة وهي حديث الشارع اللبناني، الذي اجترح طرقا للتغلب على مصاعبه، وبدأ يبادل أشياءه العزيزة من أجل قنينة حليب لأطفاله أو حفاظات لوليد. وصار الجميع في لبنان فقراء إلا الفئة المتنفذة التي سارعت للتنصل من المسؤولية وأنها ستعاقب المسؤولين عن الحادث، أي بدأت لكي تحمي ظهرها بالتفتيش عن “كبش فداء” مشهد رأيناه كثيرا في مصر والسعودية وكل الديكتاتوريات العربية التي تتنصل من المسؤولية وتواصل عاداتها القديمة. مع أن المشهد في لبنان صار اليوم مختلفا، فبعد الصدمة يأتي الغضب والدعوة إلى نظام جديد غير نظام المحاصصة الطائفية والتشارك بالسلطة الذي سمح للطوائف بنهب البلد وإفقاره.
ودعت مجلة “إيكونوميست” في افتتاحيتها قادة لبنان للتغيير السريع وقبل فوات الأوان، ومثل غيرها أشارت متعجبة من حكومة تترك أطنانا من المواد الكيماوية المتفجرة في منشأة حيوية ولسنوات دون اتخاذ قرار بشأنها. وقالت المجلة إن على لبنان أن يتخلى عن نظام المحاصصة الطائفية واستبداله بنظام أكثر ديمقراطية ويقوم على الجدارة. وأشارت إلى أن استمرار تعريف الهوية اللبنانية من خلال الدين والطائفة لا يعكس التغيرات في المجتمع، فتظاهرات تشرين الأول/أكتوبر 2019 التي أنهت حكومة سعد الحريري انتفى فيها الطابع الطائفي بل ولم يعد الدين معلما للكثير من اللبنانيين كما تقول.
لبنان كما نعرفه
ومن هنا فلبنان الذي نعرفه قد انتهى، وكان ينهار قبل الانفجار بسبب الفساد والعجز والأزمة المالية والتضخم المفرط، والفقر بدرجة دفع ميشيل باشيليت، مفوضة الأمم لحقوق الإنسان للتحذير من أن نسبة 80 في المئة من سكان لبنان باتوا بحاجة للمساعدة. ففي دراسة أعدتها مها يحيى مديرة مركز كارنيغي الشرق الأوسط ببيروت قالت فيها إن أربعة من الأعمدة الخمس التي قام عليها لبنان منذ استقلاله عام 1943 قد انهارت: التشارك بالسلطة، انهيار الطبقة المتوسطة، ونهاية دولة التجار ( الدور الذي لعبه لبنان في الشرق الأوسط) وغياب الحريات الشخصية التي حل محلها القمع والاستفزاز. بل وحتى مؤسسة الجيش التي ظلت تقليديا الأكثر تماسكا باتت ضعيفة بسبب الأزمة الاقتصادية. وحذرت يحيى من أن النخبة الحاكمة تدفع بالبلد نحو الانهيار. وهو نفس ما فعله رامي خوري مدير التعاون الدولي بالجامعة الأمريكية ببيروت الذي حذر من تداعيات ما بعد الإنفجار التي ستكون أخطر من الحادث نفسه. مشيرا إلى أن الضغوط الشعبية ستتزايد لإخراج النخبة الفاسدة من حياة الناس، مع أن نظام المحاصصة الطائفية لن يموت الآن. وقال “هذه نقطة تحول” و”هذه ليست نهاية لبنان ولكنها بداية للبنان مختلف”.
عودة الوعي
وبالتأكيد فحجم الكارثة يجب الا يكون مدعاة للبحث طرق للتحلل من المسؤولية أو حتى بنفي وجود سلاح لحزب الله في المرفأ كما أكد أمينه العام يوم الجمعة، بل ويجب أن تكون بمثابة هزة للحكومة وكل الطبقة السياسية ويعيدها إلى وعيها حول ضرورة الإصلاح كما قال معلق في موقع “بلومبيرغ”. ويجب على حزب الله الاعتراف الآن أن أي عملية إنقاذ لن تأتي بدون شروط. وفي الحد الأدنى على الحكومة أن تسمح لنظام رقابة دولية حول كيفية انفاق أموال إعادة الإعمار. و”الفشل بالحصول على دعم في وقت التعاطف الكبير مع لبنان سيكون كارثة. فالعالم يريد مساعدة اللبنانيين وعلى الساسة في بيروت مساعدتنا” كما قال. ويبدو أن النخبة مصممة على التمسك بمزاياها وترفض التحقيق الدولي كما ورد على لسان حسن نصر الله. وبعيدا عن زيارة الرئيس الفرنسي ماكرون إلى بيروت ووعوده بمؤتمر دولي وتغيير للبنية السياسية الحاكمة إلا أن الرئيس لم يقدم تفاصيل عن خططه، ونظر الكثيرون إلى تصريحاته بأنها محاولة لاستعادة الوصاية على لبنان. وما بدا واضحا من جولته في المرفأ والغضب الشعبي هو أن الشعب لم يعد يؤمن بفكرة مرونة وصلابة اللبناني وتعاليه على الصدمات والمجاعات والحروب، فقد ذاق بما فيه الكفاية، وكان انفجار المرفأ بمثابة “هيروشيما لبنان” والمفارقة أن العالم أحيا ذكرى القنبلة النووية التي دمرت المدينة اليابانية أثناء الحرب العالمية في نفس الفترة. وهناك من استخدم “تشيرنوبيل لبنان” ولعل هذا أدق لأن التسرب الإشعاعي الذي دمر جيلا من الناس حول المفاعل في تشيرنوبيل كان سببه الفساد، ومن دمر بيروت هم الساسة المهملين والفاسدين. وكما كتب المحلل اللبناني الأسترالي انطون عيسى: “إن الاهمال بترك 2700 طنا من نيترات الأمونيا مكشوفة بجانب بنية تحتية أساسية في قلب بيروت هو نفس الإهمال الذي ترك لبنان بدون خدمات ضرورية مثل الكهرباء وجمع النفايات.. إنها ببساطة جزء من العفن الذي تسبب به اللب الفاسد الذي غلف كل ناحية في البلد”. وأشارت صحيفة “واشنطن بوست” إلى ما قاله فواز جرجس، استاذ العلاقات الدولية في كلية الدراسات الاقتصادية الشهر الماضي: “لم يعد لبنان على شفير الانهيار. فاقتصاد لبنان انهار فعلا.. وفشل النموذج اللبناني الذي تم إنشاؤه في نهاية الحرب الأهلية عام 1990. لقد كان بيتا من الزجاج وتحطم دون أمل في العودة”. وكتب رابح علم الدين في واشنطن بوست: “ليس أشخاصا أو مجموعة محددة. وليست تفاحات فاسدة، بل كل البستان وكل البساتين.. إنه فشل ممنهج في الحكم. فعلى مدى سنوات لام كل فصيل في البلد الفصيل الآخر لأي كارثة. لقد كان لدينا حرب أهلية انتهت عندما أدرك جميع الأطراف أن بإمكانهم سرقة أموال أكثر إذا تعاونوا”.
وفي مقال بصحيفة “نيويورك تايمز” أشارت الكاتبة اللبنانية لينا منذر إلى حالة التعب التي وصل إليها أصدقاؤها وزملاؤها: “الارهاق واضح في صوت ووجه كل من أقابله.. ربما كانت صفة القدرة على التحمل دائما كذبة غذونا بها ونستمر بتسلية أنفسنا بها لنستطيع الاستمرار في العمل في ظل دولة فاسدة لدرجة لا تستطيع معها توفير الحد الأدنى من الخدمات الاجتماعية والعامة”.
ماذا بعد؟
والسؤال، وخاصة بعد انفجار بيروت هو كيف يمكن للبنان أن يحل مشاكله الآن. كتب فيصل عيتاني، نائب مدير مركز السياسات العالمية مقالا في “نيويورك تايمز”: “هل ستكون هناك ثورة؟ انتفاضة غضب؟ فأي دوافع للثورة يجب أن ينافس الانتماءات العشائرية والطائفية والأيديولوجية.. وكذلك يجب أن تكون الحقائق: فحتى لو قدمت رواية رسمية واحدة لحادث المرفأ (وحتى لو كانا صحيحا) فإن البعض لن يصدقوه. والمفارقة هي أن عدم ثقتنا بسياسيينا تجعل من الأصعب لنا أن نتحد ضدهم”.
الحطام
كان تدمير المرفأ بمثابة تدمير لدور لبنان في العالم، فقد كان من أكثر الموانئ نشاطا في منطقة شرق المتوسط، وجسد حلم رفيق الحريري في مرحلة ما بعد الحرب الأهلية. وكما لاحظ المعلق في صحيفة “فايننشال تايمز” ديفيد غاردنر فقد احتاجت الفصائل المتنازعة 15 عاما لتدمير بيروت 15 عاما أخرى لإعادة بنائها لكن انفجار المرفأ لم يستغرق سوى 15 ثانية ليدمر المرفأ ومعظم العاصمة. وقال إن الحرب الأهلية تركت علاماتها وندوبها على البنايات مثل فندق هوليدي إن لكن هذا الانفجار دمر البنايات في كل مركز المدينة وشاطئها والمنطقة الشرقية فيها. ويرى روبرت فيسك مراسل صحيفة “إندبندنت” الذي يعيش في لبنان منذ عقود وكتب عنه وحربه الأهلية، إن انفجار الثلاثاء لا مجال لمقارنته بحمام دم الحرب الأهلية ولا بالوحشية اليومية التي يعيشها السوريون، ولكن ما يهم في الحادث رغم فظاعته هو “رمزيته” أو “أيقونيته” وما يرمز إليه من الخيانة التي تعرض لها اللبنانيون وبشكل متكرر. وقال إن “السحابة المزدوجة فوق بيروت، الواحدة المقززة التي ولدت الأخرى الأكثر شناعة لن تمحى أبدا” من الذاكرة. وأضاف أن “مجموع الصور من الناس والهدير والقيامة التي سجلتها لقطات الفيديو في بيروت هي واحدة تشبه رسوما قروسطية تحاول الإمساك عبر الخيال لا التكنولوجيا بأهوال الوباء والمجاعة والموت”. ولكن تبقى المسألة: من يتحمل المسؤولية وهل سيجد اللبنانيون العدالة؟ وكما أشارت كيم غطاس في “الغارديان” في نظرة للواقع المأساوي “اليوم نحزن وغدا ننظف وبعد غد ننصب المشانق” هذه واحدة من الرسائل التي تم تداولها في بيروت، في بلد بقي رهينة لمؤسسة سياسية فاسدة وعصبة من أمراء الحرب لأربعة عقود. ويتم نشر صور المقاصل والمشانق على منصات الإعلام الاجتماعي. وتقول لا يزال الكثير غامضا حول تفاصيل أحداث يوم الثلاثاء. ولكن ما هو واضح هو أن الذين سمحوا لهذا أن يحدث لا يمكن أن يكونوا هم من يحققون فيه. “هذه هي اللحظة التي يجب أن ينتهي فيها الإفلات من العقاب في لبنان. هذه هي لحظة العدالة، ليس فقط لمن ماتوا في هذه الكارثة ولكن لكل الذين قتلوا على مدى الأربع عقود الماضية. بعد يومين على الانفجار يقوم اللبنانيون بأفضل ما يتقنونه: التنظيف وإعادة البناء. فهم لا ينتظرون الدولة الغائبة لفعل ذلك ولكنهم ينتظرون العدالة” كما تقول.