لندن ـ «القدس العربي»: من طقوس تنظيم الدولة الإسلامية ـ داعش المعروفة وما أكثرها هي أمر ضحاياها بالهتاف قبل سوقهم للذبح بالسكين أو القتل بالرصاص هتاف «الدولة الإسلامية باقية»، وهو شعار على ما يبدو صحيح كما يقول الكاتب باتريك كوكبيرن في صحيفة «اندبندنت أون صاندي» فبعد خمسة أشهر على هزمه للجيش العراقي والهجوم السريع والحاسم واحتلاله مدنا كبرى بالعراق من الفلوجة إلى الرمادي والموصل وتكريت لا يزال التنظيم يحكم سيطرته على المناطق في شمال وغرب العراق، ومناطق سوريا ولم تظهر بعد استراتيجية واضحة لمواجهة التنظيم في مناطقه. ففي يوم الجمعة أعلنت الولايات المتحدة عن خطط لإرسال 1.500 جندي أمريكي لتقديم النصح وتدريب الجيش العراقي مما يضع عدد «المستشارين» الأمريكيين بثلاثة آلاف أو اكثر.
ويرى كوكبيرن ان إرسال القوات يعتبر تطورا مهما لأنها القوات التي ستساعد القوات العراقية والكردية لن يتركز عملها في بغداد وأربيل، عاصمة إقليم كردستان بل وسترافق القوات العراقية والكردية أو بعبارات المتحدث باسم وزارة الدفاع (البنتاغون) لأن القوات العراقية أظهرت الاستعداد لمواجهة داعش».
ويعلق الكاتب هنا ان السبب المحتمل لإرسال القوات في هذا الوقت ربما كان لأن الوضع في أجزاء من العراق لم يتغير، أو تدهور بشكل واضح. ويشير الكاتب هنا للحملة التي شنها داعش في 2 تشرين الثاني/ اكتوبر بمحافظة الانبار واستطاع السيطرة على البلدات والقرى وقواعد عسكرية لم تكن تابعة مما يعني تحقيقه انتصارا في معركة الانبار الجارية منذ بداية العام الحالي وفتحت المجال أمام الهجوم على بغداد. وعلى خلاف ما تدعيه وزارة الدفاع الأمريكية فقد أظهر الجيش العراقي انه ليس قادرا على وقف زخم داعش وشن هجوم مضاد ضده.
مذابح البونمر
ويشير كوكبيرن إلى أهم ملمح من ملامح الإستراتيجية الأمريكية القائمة على تفكيك وتدمير داعش في النهاية وهي اعتمادها على تحشيد العرب السنة ضد التنظيم كما فعلت الولايات المتحدة في الفترة ما بين 2006- 2007 عندما انشأت الصحوات التي قادت الحملة ضد تنظيم القاعدة في حينه. ووافقت العشائر السنية على الدخول في تحالف مع قائد القوات الأمريكية في حينه الجنرال ديفيد بترايوس بسبب الممارسات الشرسة التي ارتكبها تنظيم القاعدة ضد السكان.
وفي الوضع الحالي لم يتكرر السيناريو، فداعش مصر على قتل وذبح أي معارض له سواء كان هذا قبيلة أو فردا. ويشير الكاتب لمأساة قبيلة «البونمر» التي تعرض أبناؤها لقتل منظم على يد تنظيم الدولة الإسلامية في الأسابيع الماضية، مما يعني صعوبة «هندسة» ثورة قبلية سنية ضد داعش. ويبلغ أفراد عشيرة البونمر مليون نسمة تقريبا ولهم حضور في مناطق الانبار وفي الموصل التابعة لمحافظة صلاح الدين وفي العاصمة بغداد.
ولعبت العشيرة دورا مهما في مقاومة تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين في عام 2006 ومنذ بداية العام الحالي حيث كانت تعتبر من القوى المهمة التي تواجه داعش، لكن القبيلة خسرت في بداية تشرين الأول/ اكتوبر السيطرة على بلدتي هيت والزويات ومنذ ذلك الوقت يقوم تنظيم داعش بملاحقة وصيد قادة العشيرة وقتلهم.
وبحسب مصادر العشيرة فقد قتل من أبنائها حتى الآن 497 في سلسلة من المذابح، بما في ذلك 20 إمرأة و16 طفلا. وأعدم التنظيم في 29 تشرين الثاني/ أكتوبر 55 من أبناء العشيرة ممن شاركوا سابقا في الصحوات ويعملون في وحدات الشرطة في بلدة الزويات.
ولدى داعش عدد من الخلايا النائمة التي ساهمت في تحديد هوية الأشخاص الواجب اعتقالهم ومن ثم قتلهم. وعادة ما يصادر مقاتلون من داعش على بيوت المعتقلين حيث يتم رفع علم التنظيم الأسود فوقها. واضطرت بقية أبناء القبيلة للهرب.
ويشير الكاتب لمطالب سكان الزويات من حكومة بغداد مساعدتهم على شكل تزويدهم بالسلاح والقيام بغارات جوية، ولكنهم لم يحصلوا على شيء. وهو فشل ذريع حيث ستفكر العشائر السنية الغاضبة على داعش وسيطرته على مناطق مرتين قبل موافقتها على تنظيم انتفاضات ضد الجهاديين لانها تعرف ان ثمن الثورة سيكون القتل والتشريد.
دولة مخابرات
ويضيف كوكبيرن ان تصميم داعش على سحق ومعاقبة كل من يهدده سواء من الداخل والخارج نابع من نشاط الخدمات الإستخباراتية التي شكلها على غرار المخابرات في عهد نظام صدام حسين ومخابرات الحكومة الحالية.
فالتنظيم يقوم بهجمات وقائية ضد أي طرف يراه عدوا وتهديدا، مشائخ العشائر، أبناء الصحوات السابقين والجنرالات المتقاعدين من الجيش العراقي السابق ممن عبروا عن مواقف ناقدة ضد الجهاديين. ويقول كوكبيرن ان التنظيم يرى أعداء في كل مكان.
ورغم الصورة القاتمة التي يقدمها كوكبيرن إلا انه يشير لبعض النجاحات التي تحققت على هامش الخلافة التي أعلن عنها أبو بكر البغدادي في 29 حزيران/ يونيو، ويمكن النظر لهذه الانتصارات نظرة تفاؤل وان التنظيم يمكن هزيمته ولكن هذه الانتصارات ليست كما تبدو، وكلها ليست أخبارا جيدة من وجهة نظرة الولايات المتحدة، فواحد من النجاحات كان استعادة البلدة السنية جرف الصخر، جنوب العاصمة بغداد.
وتقع بلدة جرف الصخر على الطريق الذي يربط بغداد بمدن الجنوب خاصة كربلاء والنجف. ولكن خروج داعش من هذه البلدة لم يحدث إلا بمساعدة الميليشيات الشيعية المدعومة الضباط الإيرانيين. وهرب سكانها البالغ عددهم 80.000 ولا توجد إشارات عن عودتهم مرة أخرى لها لأنهم خائفون من المجازر والقتل.
و الأمر نفسه حدث عندما سيطرت قوات البيشمركة على معبر ربيعة قرب الحدود مع سوريا وجدوا سنيا واحدا فيها ونظر إليه نظرة شك. ويلخص الحادثان المنفصلان المعضلة التي تواجه السنة في المناطق التي يسيطر عليها داعش في كل من العراق وسوريا، فالسنة وان سخطوا على داعش لكنهم يكرهون ويخافون عودة الحكومتيين السورية والعراقية.
وفي ظل هذه الظروف يقول كوكبيرن، تقوم الولايات المتحدة بمضاعفة عدد قواتها على الأرض وتعزيز مقاومة الحكومة العراقية. فالقوات الأمريكية التي سترسل للقواعد العسكرية ستقوم باستدعاء وتوجيه الغارات الجوية فمن بين 6.600 طلعة جوية قلة منها أدت إلى غارات على أهداف خاصة ان داعش قام بإجلاء قواته عن مراكز الحكومة التي احتلها وقيد حركة قواته واستبدل القوافل العسكرية بالدراجات النارية.
العودة للطائفية
والمخاوف الطائفية ليست محصورة في المناطق التي يتم صد قوات داعش عنها بل وتأكدت من جديد في العاصمة العراقية، ففي تقرير أعده مارتن شولوف من صحيفة «الغارديان» يوم السبت عن واقع الانقسام الطائفي في العاصمة بغداد.
ففي غرب بغداد التقى الصحافي مع الكابتن أحمد موسوي ووصف له المشكلة مع المليشيات العراقية التي تمتحن إرادة القوات العراقية على نقاط التفتيش حيث يستخدم أفرادها سيارات سوداء وحالة سمح لهم بالدخول لمناطق السنة «فمشاكل تحدث للسنة» حسب الكابتن.
فالأخير شيعي يعمل في الجيش الوطني ويحرس حيا سنيا كان قبل ثمانية أعوام في قلب التمرد. فحي الغزالية يعتبر منذ عام 2008 حتى بداية العام الحالي ظل رمزا للأوضاع في العاصمة، حيث كانت هناك آمال بعودة الحياة كما كانت حيث يختلط السكان سنة وشيعة معا. وكل شيء انتهى فقد عادت الغزالية إلى كانتون مغلق حيث تنقسم المجتمعات في بغداد بناء على الخطوط الطائفية، فالعائلات تتجمع معا وكلمة التصالح تحولت إلى سبة.
فليس بعيدا عن أسوار الغزالية، يعترف أياد علاوي، نائب الرئيس العراقي لشؤون المصالحة ويقول «هذه آخر فرصة كي يتم انقاذ البلد كوحدة واحدة».
واعترف علاوي انه قبل المنصب الجديد على تردد ويقول «أعتقد ان للمصالحة دورا، وأحاول اقناع الناس للمشاركة فيها، بحيث لا يشعر أي شخص انه مستبعد».
وفي بيت بالغزالية جلس أحمد الجبوري وشقيقه هيثم في غرفة الجلوس يتحدثان إلى شولوف حيث قالا ان الوضع في البلاد يجعلهما يفكران ولأول مرة بالرحيل وللأبد.
وقال أحمد «كيف سيعيش الناس مرة اخرى معا»، ويضيف «لقد بقيت هنا بسبب الأمل، حتى في الأيام المظلمة، كان هناك مساحة لتحسن الأوضاع، أما الآن فالأفق أسود، فلم يعد ممكنا للسني البقاء في بغداد، فعلى نقاط التفتيش يتم تعريف الأسماء بكونها سنية، وهناك تأخير واعتقال».
ويقول أحمد «تلاحقنا عصائب الحق» وهي المجموعة الشيعية التي تعمل قريبا من الحي «ولأن الضابط قوي فهم لا يستطعيون الدخول هنا والعبث، ولكنهم أخذوا بعض السنة ولا نعرف ماذا حدث لهم».
وإلى جانب الغزالية هناك نقطة ساخنة أخرى في حي الجامعة الذي كان قبل الحرب منطقة للتعايش بين السنة والشيعة.
ويصف عجوز شيعي عذابه على يد خاطفين يعتقد انهم من عصائب الحق، وقال «أوقفوني عند الجسر، ووضعوا على عيني قطع من القطن وعصبوني وأجبروني للجلوس على الكرسي الخلفي في سيارتي، وقادوا السيارة في داخل المدينة لمسافة 60 كيلومترا وعبرنا كل نقاط التفتيش.
وكانوا يريدون التأكد من طائفتي، وعندما اكتشفوا انني شيعي أطلقوا سراحي وأعادوا لي سيارتي ولو كنت سنيا لانتهيت».
ويشير شولوف لانقطاع الطريق بين بغداد ومحافظة الانبار. فقد أغلق الطريق للمحافظة. وفي الأحياء الجنوبية للعاصمة التي تتشارك مع الانبار من ناحية الكثافة السنية يقول قادة المجتمع وبشكل مفتوح ان العراق بحدوده الحالية لم تعد قابلة للحياة. ويقول مصطفى السامرائي الذي يعمل مدرسا في اللطيفية «قاتلنا القاعدة من قبل» و «عندما بدأت الصحوات دفعنا ثمنا باهظا وتعرضنا للقتل على يد الإرهابيين، والآن تصفنا الحكومة الشيعية بالإرهابيين، مع اننا قمنا بالقتال من أجلها».
ويقول أحمد أبو الريشة أحد قادة العشائر في الانبار «كيف يمكن ان تكون هناك ثقة بدون عدل». وأضاف «طلب منا تحقيق القتال من أجلهم ولكن بناء على شروطهم» وكان أبو ريشة أحد قادة الصحوات في عام 2007. ويضيف «هناك طريق طويل يجب ان يقطعه البلد قبل ان تبدأ المصالحة، فلا مشاركة حقيقية للسلطة ولا شمولية لكل الناس».
مؤتمر للمصالحة
وبالنسبة لأياد علاوي فيرى ان تعزيز السنة ومنح الأكراد في الشمال حصة من البلاد ضروريان للحفاظ على العراق كبلد واحد ضمن حدوده الحالية «يجب ان تكون هناك برامج موازية، لإلغاء أو تجميد بعض القوانين التمييزية، خاصة قانون اجتثاث البعث والبند الرابع في مكافحة الإرهاب (اللذين طبقا على السنة بشكل عشوائي)، ولم يتم اتخاذ إجراءات لبناء الثقة مع الناس، والبعض يستحق تعويضات».
ويقول علاوي انه مع فتح حوار مباشر مع قادة البعث السابقين الذين يلعب بعضهم دورا في التمرد الذي يقوده داعش. فقد قدم بعض الجنرالات والعسكريين السابقين للتمرد القوة والحيوية العسكرية التي يفتقدها الجهاديون لو تركوا لوحدهم.
ويقول «علينا الحديث بناء على قاعدة ثنائية مع هؤلاء الذين يثيرون المشاكل، لأنهم تعرضوا للحرمان الشديد»، «أما بالنسبة للأكراد فأما ان نعتبرهم جزءا من البلد أو ننظر إليهم كأعداء، وأتعامل معهم كإخوة وليسوا غرباء».
ويقول علاوي انه يخطط لعقد مؤتمر برعاية من الأمم المتحدة لإنعاش المصالحة وإعادة دمج البلد في المنطقة «يجب علينا العمل مع كل طرف»، و «لن تشعر إيران أو أي دولة بالامن طالما ظل باقي المنطقة يغلي، فقد تمت صناعة داعش بسبب الوقائع السياسية هنا وفي مناطق أخرى، وعلينا فعل شيء سريع».
وبالنسبة للكثيرين في بغداد ففكرة التعايش تمزقت. ففي محل للصرافة في شرق بغداد راقب مراسل الغارديان رفض الصراف إعطاء إمرأة سنية 400 دولار أرسلت لها من دبي، وعندما غادرت علق قائلا «يمكنها الذهاب واخذها من الفلوجة» التي يسيطر عليها داعش. وهو ما يؤكد ان المعركة القادمة لرأب جراح العراق وتحقيق «المصالحة» طويلة سواء ظل تنظيم الدولة الإسلامية أم رحل.
وفي هذا السياق لا تزال الانباء متضاربة حول آثار غارات قامت بها المقاتلات الأمريكية على مواقع قرب مدينة الموصل وبلدة القائم والتي قالت انها استهدفت اجتماعات لقيادات في تنظيم الدولة الإسلامية.
وهناك تقارير من الحكومة العراقية في بغداد ومشائخ العشائر تتحدث عن مقتل «والٍ» محافظ الانبار والفرات ومقتل 50 من قادة التنظيم وان صحت التقارير فستكون ضربة قوية لداعش وانتصارا دعائيا للرئيس باراك أوباما الخارج من هزيمته في الانتخابات النصفية التي فاز فيها الجمهوريون.
ولم يتضح بعد ان كان زعيم داعش أبو بكر البغدادي من بين القتلى أو الجرحى. فعدم وجود قوات أمريكية على الأرض تحد من قدرة الولايات المتحدة التحقق من أثر الغارات وكذا فحص قدرات الجيش العراقي على مواجهة داعش، رغم الزيادة النسبية في أعداد الجنود الأمريكيين.
إبراهيم درويش