رواية «باب الطباشير» للروائي أحمد سعداوي عام 2017، هي الرواية التي أعقبت رواية «فرانكشتاين في بغداد» التي فاز بها الروائي بجائزة البوكر للكتاب 2014، هي رواية مركبة وغنية بالشيفرات والرموز والإشارات، التي تحتاج إلى قارئ من نوع خاص. فهي رواية ذات طابع ذهني، تزاوج بين عالم الواقع، وعالم التخييل الفانتازي، بين ما هو حسي ودنيوي وبرهاني من جهة، وما هو ميثولوجي وحلمي وعرفاني من جهة أخرى، وهي في هذا تنفرد كثيراً عن اتجاهات الكتابة الروائية الحداثية، وما بعد الحداثية السائدة في العراق.
تنهض الأطروحة الأساسية للرواية على موضوع «العود الأبدي» الفلسفية عند الفيلسوف الألماني نيتشة، التي تتحدث عن وجود دورات متكررة لأحداث وشخصيات عبر التاريخ، حيث نجد البطل علي ناجي ينتقل، في الحلم وفي حالة الغيبوبة، بين عوالم افتراضية سبعة، يعيش فيها حيوات مختلفة، ويموت فيها أكثر من مرة ليعود إلى الحياة في عالم آخر. كما أن الرواية ليست بعيدة عن فكرة التناسخ والحلول لدى المتصوفة، وبعض الديانات الآسيوية. ويجد القارئ نفسه مدفوعاً لاسترجاع مجموعة من المؤثرات الروائية منها، عالم هرمان هسّه في «لعبة الكريات الزجاجية» بوصفها رواية ذهنية وفلسفية، حيث تتجلى فكرة التناسخ، وظهور الروح الإنسانية في هيئات مختلفة، من خلال بطل الرواية يوزف كنشت، الذي يدخل الدنيا الكاستالية، بديلاً لأستاذ الموسيقى الكبير. ومن جانب آخر يجد القارئ نفسه قريباً من أجواء رواية «شيفرة دافنشي» للروائي دان براون، خاصة في محاولة البطل ملاحقة الشيفرات السرية للوحة دافنشي المشهورة «الموناليزا» لمعرفة سر جريمة غامضة، وهي فكرة شبيهة ببحث بطل الرواية علي ناجي عن التعويذات السومرية السبع. كما أن القارئ، وكذلك الناقد، قد يذهب بعيداً إلى رواية الكاتبة التركية أليف شافاق الموسومة «قواعد العشق الأربعون» ففيها أجواء وأصداء وحمولات دلالية تخترق رواية «باب الطباشير» فرواية أليف شافاق تتحدث عن « قواعد العشق الأربعون» التي كانت تنشغل بملاحقة التعويذات السومرية السبع، وأن جلال الدين الرومي وشمس ناقشا ذلك لمدة أربعين يوماً من الحوار المتصل. (قواعد العشق الأربعون ـ أليف شافاق، ترجمة خالد الجبيلي، منشورات طوني، لندن) كما أن رواية أليف شافاق تحدثت عن «سبعة أطوار أو مقامات» يتعين «على كل روح أن تكابدها حتى تبلغ الوحدانية» (المصدر السابق) وهو ما وجدناه في رواية «باب الطباشير» في افتراض وجود عوالم افتراضية سبعة للحياة.
ما أريد أن أصل إليه هنا أن رواية أحمد سعداوي «باب الطباشير» تقوم على تناصات، ونصوص غائبة، وأخرى موازية، ربما في مقدمتها الميثولوجية العراقية، من دون أن يضعف ذلك من أصالتها وتفردها، ذلك ان مؤلفها أفاد ببراعة وذكاء مما يقرأ ويعرف، ليرتفع إلى هذا المستوى من الخطاب الروائي، الذي يشع ألقاً فلسفياً نورانياً ومعرفياً، وربما هذا أحد مصادر قوة هذه الرواية وصعوبتها وتعقيدها في آنٍ. والرواية لم تقتصر على هذه الانشغالات الفلسفية والذهنية والصوفية فقط، بل أسقطت كل ذلك على الحالة العراقية منذ تسعينيات القرن الماضي، حيث هيمنة النظام الشمولي الصدامي، وحتى زمن كتابة الرواية عام 2017، حيث كانت قوى الإرهاب الداعشي ما زالت تدنس جزءا كبيراً من أرض العراق، وهو الأسلوب الذي اعتمده في إسقاط عالم رواية ميري شيلر المشهورة «فرانكشتاين» على روايته المعروفة «فرانكشتاين في بغداد».
وقد نجح المؤلف في فضح وإدانة طبيعة القوى والأحزاب التي هيمنت على المشهد العراقي بعد التغيير، والنضال الشعبي لمقاومتها، بل تبدو بعض الأحداث التي قدمتها الرواية، وكأنها تتناول أحداث الساحة السياسية والحراك الشعبي المدني في العراق اليوم.
رواية أحمد سعداوي «باب الطباشير» من الروايات الحداثية النادرة في السرد العراقي الحديث، التي تجرأت ودمجت بين ما هو فلسفي وعرفاني، مع جحيم الواقع العراقي، الذي ظل هو الهاجس الأساسي للروائي، حيث كان البطل يتطلع دائماً لتحقيق حلم العدالة الاجتماعية.
يحتل العنوان الرئيسي «باب الطباشير» والعنوان الفرعي «سبع تعاويذ سومرية للخلاص من هذا العالم» مكانة خاصة تضيء العالم الداخلي الروائي. كما أن العتبات النصية الثلاث، تسهم هي الأخرى في إضاءة الدلالات والحمولات الدلالية والسيميائية والتأويلية، التي تزخر بها هذه الرواية، وهو ما سنلاحقه في قراءتنا هذه.
يستهل الروائي أحمد سعداوي روايته التي تضم واحداً وعشرين فصلاً معنوناً، بتوظيف ضمير المتكلم «أنا» يقدمه بطل الرواية، الذي سنعرف في ما بعد أن اسمه (علي ناجي) وهو يتكلم داخل زنزانة مظلمة وعفنة من زنزنات النظام الديكتاتوري الصدامي عام 2002، في سجن بادوش في الموصل، حيث نكتشف لأول مرة وجود تخطيط لباب طباشيري على جدار الزنزانة، والذي سيتكرر كثيراً في صفحات الرواية اللاحقة. «حين ألقوني في هذه الزنزانة العفنة، رأيت على أضواء النهار الشحيحة باباً مرسوماً بالطباشير على الحائط، كان قد رسمه، كما بدا لي، سجينٌ سابقٌ مرّ من هنا». وسرعان ما يغير الراوي ضمير المتكلم، إلى ضمير المخاطَب، حيث راح يوجه خطابه إلى مجموعة مفترضة من السجناء الذين يفترض أنهم يشاركونه في هذه الزنزانة.
ونلاحظ أن هنالك مونولوجاً طويلاً يقدمه البطل داخل الزنزانة الانفرادية، متخيلاً إنه برفقة سجناء آخرين، طالباً منهم أن ينصتوا إليه حتى اللحظة الأخيرة من حياتهم، مثلما يصغون إلى كاهن يقوم بغسل أرواحهم قبل مغادرتها هذا العالم. وعندما لم يجد الراوي استجابة من السجناء الخيالين، أعلن إنه مضطر للحديث عن نفسه، حيث يتحول السرد من خطاب موجه إلى آخر افتراضي، إلى بوح اعترافي وأوتوبيوغرافي، يكشف فيه عن حياته وتجاربه وماضيه، مدركاً إنه إن لم يفعل ذلك فإنه سيصاب بالجنون. فالكلام بالنسبة له، مثل السرد لدى شهرزاد، سلاح لمواجهة الجنون: «وما دمتم تمتنعون عن الكلام، فأنا مضطر للحديث عن نفسي». ويستثمر المؤلف هذا السرد الذاتي الأوتوبيوغرافي للتعريف بشخصية الراوي والظروف التي قادته إلى هذه الزنزانة العفنة، إذ يتحدث أولاً عن البدايات في حياته ومنها القبلة الأولى، وشم الوردة الأولى، وأول علاقة جنسية مع المرأة. ونعرف من خلال ذلك أن الراوي كان طالباً في كلية الفنون في بغداد، ويشير إلى شلة أصدقائه الذين كانوا يعتبرونه فيلسوفاً، لأنه يتحدث بأفكار غامضة وكبيرة، ويشير إلى زميلته (ليلى حميد) التي أحبها، وكانت تنافسه في ثقافتها ومنطقها وشخصيتها، وظلت حبه الوحيد إلى نهاية الرواية.
ونكتشف أيضاً أن فترة اعتقاله كانت قصيرة، ولبضعة أشهر فقط من عام 2002، حيث اضطر النظام آنذاك إلى إصدار عفو عام عن السجناء لكسب ثقة الشارع العراقي، وهو يواجه احتمال الاحتلال الأمريكي للعراق. وإذا كان الروائي قد وظف ضمير المتكلم (أنا) أولاً، فإنه في الفصل الثاني الموسوم بـ«الدفتر الأسود» يتحول إلى توظيف ضمير الغيبة (هو) لكنه ضمير مموه، بوصفه بديلاً عن ضمير المتكلم (أنا) وهو ما يسميه تودروف بـ( أنا الراوي الغائب) حيث نتابع من خلال منظور داخلي عملية إطلاق سراح البطل، واشتغاله مذيعاً في إذاعة «الموقف» من خلال تقديم برنامج سياسي انتقادي لاذع مخصص لنقد وشتم السياسيين الفاسدين آنذاك. ونتعرف خلال ذلك بشكل تفصيلي على شخصيات مهمة مثل (ليلى حميد) حبيبته الأثيرة، والدكتور (واصف عبد المحيي) عالم الآثار والسومريات المتقاعد، وزميله (عبد العظيم حامد) الذي سيصبح لاحقاً زعيماً لأحد الانقلابات الخيالية. ولأول مرة نتعرف إلى موضوع التعويذات السومرية السبع، التي ضمها «الدفتر الأسود» الذي قدمه له الدكتور (واصف) والذي سيكون له حضور مؤثر في حركة الأحداث الروائية:
«فتح الدفتر ذا الغلاف الأسود وبدأ يقرأ لهم. فهذا هو الحل الأخير: هروب جماعي من هذا العالم.. وحسب مقترح صديقه الدكتور واصف عبد المحيي، عالم الآثار، فمن يقرأ هذه التعاويذ يستطيع العبور، خلال النوم، من بوابة افتراضية، إلى نسخ أخرى معدلة من حياتنا نفسها، وربما نعثر على عالم أفضل». هذه الفكرة هي التي ستهيمن على الرواية. فبعد أن تعرض الراوي (علي ناجي) إلى طلق ناري في رأسه ودخوله في غيبوبة استمرت بضعة أشهر، راح يمرُّ في أحلامه وكوابيسه في سلسلة من هذه العوالم الافتراضية السبعة، التي يتجول فيها بين الأزمنة، حيث يقتل في عالم معين، ليعود حياً في عالم آخر، انطلاقاً من موضوع «العود الأبدي» عند الفيلسوف نيتشه. وخلال الإبحار في هذه العوالم السبعة، ترتبط هذه الفكرة بنظرية العوالم الافتراضية لدى ليوتار Virtual Reality حيث يختلط الواقعي بالرؤيوي، ويصعب أحياناً التمييز بين ما هو حقيقي وما هو متخيل أو افتراضي. وخلال هذا التجوال تبرز صورة «الباب الطباشيري» بوصفها مدخلاً يمرّ من خلاله البطل من عالم إلى آخر، وهو شبيه بما نجده في أفلام الخيال العلمي، التي ينتقل فيها الفرد أحياناً إلى أزمنة أخرى متخيلة.
رواية أحمد سعداوي «باب الطباشير» من الروايات الحداثية النادرة في السرد العراقي الحديث، التي تجرأت ودمجت بين ما هو فلسفي وعرفاني، مع جحيم الواقع العراقي، الذي ظل هو الهاجس الأساسي للروائي، حيث كان البطل يتطلع دائماً لتحقيق حلم العدالة الاجتماعية، حتى إن تمثل ذلك، تخييلياً، بالتخلص من مافيات الفساد والعنف من خلال سلسلة انقلابات افتراضية، يعيد فيها توازن الحياة. وهو في عمله هذا إنما يضع مبضعه الروائي الحاد وبقسوة، داخل المشهد العراقي بجسارة، وهو يؤشر طريق المستقبل وكأنه يتحدث عن وقائع وأحداث تدور اليوم ايضاً.
رواية «باب الطباشير» لأحمد سعداوي هي «أوديسا» التجوال في العوالم الافتراضية، كان البطل يخوض فيها غمار هذه الرحلة الاوديسية الروحية والرؤيوية المعقدة. وهي أيضاً محاولة لمعانقة الحلم الإنساني للوصول إلى عالم العدالة والحرية الافتراضي المتمثل بالعالم السابع، حيث يصبح الإنسان سيد نفسه وقدراته وقراراته.
٭ ناقد عراقي