«اتركوا الفقراء يغرقون»: هولوكوست أوروبا البحري

حجم الخط
21

بعد بصيص أمل وُعد به راكبو سفن الموت العرب نحو أوروبا عن عملية ضخمة سيتكفّل بها الاتحاد الأوروبي لإنقاذ المهاجرين في عرض البحر المتوسط، قرّر الأوروبيون اعتماد سياسة معاكسة تماماً سمّوها «تريتون» غير أن الإسم الذي يناسبها حقا هو «أتركوهم يموتون»، لأنها قررت أن مهمة الدوريات البحرية الأوروبية في المتوسط هي حراسة حدود أوروبا وليس البحث عن السفن المكتظّة بالنساء والأطفال والعائلات الفقيرة التي تحلم بالنجاة بأرواحها.
يقوم منطق هذه السياسة الأوروبية المخجلة على أن اعتماد عمليات بحث وإنقاذ في المتوسّط سيشجع آلافاً آخرين من اللاجئين على القدوم إلى أوروبا، وهذه السياسة تريد توجيه رسائل واضحة لمن يريد اللجوء الى أوروبا وهي أنهم غير مرغوب فيهم، وأن أبواب الموت هي المفتوحة لهم لا أبواب اللجوء.
غير أننا لو ربطنا هذا المنطق بالواقع لتبين لنا بوضوح سقوطه، ففي العام الماضي وحده قتل 3300 مهاجر في عرض البحر، ولكنّ هذا «الهولوكوست البحري» لم يمنع عشرات الآلاف غيرهم من خوض التجربة ولو كلفتهم أرواحهم لسبب أولي بسيط وهو أن الهاربين من الموت لا يخافون الموت.
والسبب الآخر بالطبع، وهو الأمر الذي تحبّ أوروبا أن تتجاهله، وهو انسداد الآفاق السياسية، وخصوصاً في بلدان مثل سوريا والعراق، واشتغال آلة الموت الجهنمية التي تحصد دون حساب ولا عدّ، وخصوصاً وقد تراكبت على الحرب الباردة الجديدة بين روسيا وأمريكا، وعلى حرب إقليمية تستخدم سرديّات طائفية تقوم على حشد المقدس لتبرير المذابح والابادات الجماعية، والأحقاد الأهلية، خدمة لأغراض طغاة ومستبدين ومطامح كبرى إمبراطورية وكذلك مطامح صغرى خسيسة للحفاظ على مناصب بنيت على عروش الجماجم.
تعامل أوروبا مع القضايا العربية والإسلامية هو تعامل وظيفيّ واستثماريّ بحت، وأحياناً إعلانيّ، فحين كانت منخرطة في الصراع مع العراق في ظل صدام حسين، فتحت أبواب اللجوء للعراقيين، فامتلأت بلدانها بأعداد كبيرة منهم، وكل ذلك بشفاعة الإعلام الغربي المعادي لصدام الذي كان يزعم، أيامها، أنه يهدد الكون بأسلحة دماره الشاملة، وحين انتهى الكرنفال بتدمير العراق وبتدفق الملايين منه إلى دول الجوار والعالم، لم تعد القضية العراقية «على الموضة» فارتفعت الحواجز في وجه من يريد الهرب من العراق.
صحيح أن «البعبع» الحالي هو تنظيم «الدولة الإسلامية»، والذي على كل الأجندات العالمية والمحلية أن تتجند لخدمة الرؤية الأمريكية له، وهو «بطاقة الدخول» التي تقبلها أوروبا، ولكن ضمن أجندة خبيثة تتمّ فيها جدولة البشر بحسب انتماءاتهم الدينية والمذهبية، كما حصل في تخصيص فرنسا طائرات خاصة حملت عشرات من المسيحيين العراقيين من طائفة معينة، وصوّرت وكالات الأنباء كبار المسؤولين الفرنسيين يستقبلونهم عند سلم الطائرة، ووعدت غيرهم من مسيحيين من طوائف أخرى بدخول الفردوس في سنوات لاحقة، أما الطوائف «الأخرى» فتركت لتكون حصاداً للمذبحة الطائفية المستمرة، فهذا هو مصيرهم الذي خلقوا من أجله.
المقصود إذن بسياسة «دعوهم يغرقون» الأوروبية هي التخلّص من أطياف اجتماعية ودينية بعينها لأنها لا ترتقي كفاية، بالمقاييس الأوروبية، في سلّم البشرية.
يذكر هذا بما فعلته أوروبا لحل ما سمته «المسألة اليهودية»، فبعد محاولة إبادة اليهود للتخلص منهم، لجأت أوروبا الى المساهمة في فتح «غيتو» كبير لهم في بلاد بعيدة عن أوروبا، وهكذا خلقت وظيفة لدولة جديدة، ولكنها دشنت بذلك نكبة الفلسطينيين، التي زعزعت أركان ما يسمى بـ«الشرق الأوسط»، وها هي مفاعيل المسألة تعود إليها بأشكال مختلفة، ليست «داعش» بعيدة عنها.
من الهولوكوست البري إلى الهولوكوست البحري تتجاهل أوروبا مجدداً أساسات المشكلة.

رأي القدس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية