من أجمل الفصول التي قرأتها وسعدت بتعريبها فصل في كتاب ميثولوجيات لرولان بارت، عنوانه «الكاتب في عطلة». مطلع الفصل حديث عن الكاتب الفرنسي أندريه جيد ،وكيف أنه كان موضوع حديث بعض الصحافة الفرنسية فقط لأنه يقضي عطلته في الكونغو يقول : كان «جيد» يقرأ بوسييه (رجل دين وكاتب فرنسي عاش في القرن السابع عشر) بينما كان ينزل في الكونغو» ثم يضيف بارت: «هذا إذن تقريرٌ صحافي جيد وناجع اجتماعيا، يقدم لنا بدون غش معلومات عن الفكرة التي تحملها بورجوازيتنا عن كتّابها».
أستشهد بهذا القول وبهذا الفصل لأثبت أن العطلة رؤية طبقية قد تعبّر عنها صورنا ونحن نعلن للملأ أننا في عطلة، ونأخذ لأنفسنا الصور التي نتخيرها فتدل على أننا في عطلة. أن تكون في عطلة يعني أنك كنت في عمل وأن عطلتك مدفوعة الأجر. العطل المدفوعة الأجر كانت في منطلقها «حدثا بروليتاريا». دعنا من تاريخية، العطل التي هي في الأصل حق مكتسب بعرق بروليتاري، ولنتحدث عن العطل التي قد تظهر في وسائل التواصل الاجتماعي في شكل صور على البحر بلباس البحر، أو بلباس البر المحافظ على «الحشمة» على شاطئ «السفور؛ وقد تظهر في شكل أطباق شهية من الأكل في النزل الفاخرة، أو شبه الفاخرة، المهم من ذلك أن الصور باتت جزءا من تعبيرة ثقافية خاصة بالتباهي بالعطل في ظل ثقافة عامة ترسخ مبدأ التباهي والتظاهر بالنعمة.
التعبيرة الثقافية التي تعنينا هنا، ليست تلك الظواهر الثقافية التي تبرز سلوكا ثقافيا مخصوصا، يمكن أن يرسم ملامح هوية ثقافية لشعب أو لمجموعة بشرية مخصوصة، بل التعبيرة الثقافية في مقالنا تعني استخدام علامات فنية مخصوصة للتعبير عن حالة نفسية مصاحبة لعمل أو لحدث أو لنشاط ثابت، أو متغير. بهذا المعنى فإن للعطلة تعبيرة ثقافية، وبالتالي علامات تدل عليها، ولكن للعمل تعبيرة ثقافية أخرى تبرزها، يهمنا أن نبين في ما يلي كيف تقابلت التعبيرتان الثقافيتان في هذا العام المتميز بكورونا. لم يكن كورونا عادلا هذا العام، لا في توزع نسب الموتى في البلدان، ولا في توزيع أقساط العمل وأقساط العطل. العطلة المدفوعة الأجر صارت في بعض القطاعات أصلا، إذ هجر كثير من الموظفين أعمالهم وينتظرون أن يعودوا بعد شهر أو يزيد. في بعض الأذهان كوابيس عن العمل أتلفت كل متصورات صحيحة عنه، وصارت وهي في العمل تحلم بالعطل حلما لا يقود إلا إلى الكسل. صار العمل من مدة تعبيرة ثقافية، أتقن الموظفون في إنتاج علامات رتابتها القاتلة بداية من الجلوس في انتظار وقت الدخول، وصولا إلى انتظار وقت المغادرة، بتكرير سلوكات وأقوال وأعمال ثابتة.
إنتاج علامات الرتابة لإبراز ابتذال العمل ورتابته هو سلوك واع، وإن كان هناك من يعتقد أن الرتابة قدر أو سلطة قاهرة على العمال إعادتها. في زمن الحجر الصحي كسرت الرتابة، حين تغير الفضاء ونقل العمل إلى البيت. أخيرا يمكن أن تعمل وأنت في البيت! يمكن أن يلخص هذا القول أمنية من كان يحرم من البيت للذهاب يوميا إلى العمل. اللعنة! هل علينا أن نعمل حتى في البيت؟ يمكن أن يلخص هذا القول غضب من لا يريد أن تصيب رتابة البيت ولعنته جو بيته الحميمي. فضاء البيت إن انقلب إلى فضاء عمل قتل خصوصياته، التي كانت له باعتبارها مَخْلَدا للراحة، ومكانا تنزع فيه هموم العمل وتترك نعالها خارج البيت وهي تضع قدمها على أول بساط للرجوع، وأول وسادة للهجوع.
إنتاج علامات الرتابة لإبراز ابتذال العمل ورتابته هو سلوك واع، وإن كان هناك من يعتقد أن الرتابة قدر أو سلطة قاهرة على العمال إعادتها. في زمن الحجر الصحي كسرت الرتابة، حين تغير الفضاء ونقل العمل إلى البيت.
حين تجرب العمل في البيت وتجتمع عن بعد أو تدرس عن بعد، أي حين تنقل إلى منزلك إطار عملك يقتل العمل البيت. لن تشرب وأنت تعمل من بيتك عصير التفاح كما كنت تشرب عصير التفاح: ستخرجك التفاحة من بيتك يا ابن آدم، كما أخرجت أباك من الجنة.إن كنت في البيت في جنة فإن العمل في البيت سيخرجك منها بلا ذنب سوى أنك حملت ملفك من مقر إلى مقر، وما تركت ذهنك المليء بمشاغل العمل في ملف في مكتبك، أو قسمك، ورجعت بل حملته معك إلى حيت تريد أن تكون في سلام.
بعض الفيديوهات المثيرة للضحك تظهر موظفين في اجتماعات افتراضية يلبسون ثيابا رسمية في مستوى ما تظهر الكاميرا ويلبسون في الباقي لباس البيت. ليس هذا تمثيلا ولا خروجا عن النظام؛ بل إن اللباس المزدوج (لباس العمل ولباس البيت) هو علامة تدل على الانفصام الذي يعيشه الموظف: هو يتشبث بنصف الحرية وقد سلبه العمل في البيت نصفها الثاني.
وحدها العطلة ما تزال تحافظ على قداسة أماكنها فلا توجد عطل افتراضية حتى وإن وجدت أشياء أخرى افتراضية، لم يكن المرء يتخيل أن تصبح كذلك. من كان يتخيل ذات مرة أن يصبح الحب افتراضيا فصار الحب من نظرة افتراضية واحدة ممكنا؛ وقد يكون هو الأصل. الحب الافتراضي تعبيرة ثقافية عن هدنة العمل ليلا أو حتى أثناء العمل. هو مشغل يقتلُ الرتيب المألوف في البيت والرتيب المألوف في العمل، الحب الافتراضي هو عطلة تقطع العمل، أو تكون في العمل هو عطلة قصيرة المدى قد تتخلل يومي عمل أو ساعتي عمل.
لم تعد العطلة حدثا يعطل العمل وزمنا يكسر امتداد زمن العمل. العطلة في أيام الحجر باتت مطلبا حكوميا ومشروعا ناجحا لتجاوز أزمن الكوفيد التاسع عشر. لكنها عطلة إجبارية، لم يستعد لها العمال، ومادامت العطلة تطرق أبوابنا الموصدة، علينا أن ندخلها ونغلق الأبواب. فرضت العطلة الافتراضية نفسها: في البيت ولأول مرة في التاريخ المعاصر تجتمع العطلة مع زوج أبيها العمل في غرفة واحدة. أنت في عطلة وفي عمل في الوقت نفسه، وعليك أن تنتج التعبيرتين الثقافيتين في الإطار نفسه.
حرمتنا اللغة من اسم نسنده إلى صاحب العطلة. فأسندت لفظة عاطل إلى نقيض العامل. وكانت اللفظة الأقرب إلى أن تشتق من العطلة لا من العطالة. بقي الشخص الذي يدخل في عطلة بلا اسم إلى أيامنا ليس لفقر في الأسماء، بل لأن المسمى ما يزال لا يبرر أن يبُنى له اسم خاص. سأستعمل لصاحب العطلة اسم عطلي هروبا من معطّل التي اكتسبت شحنة دينية وسياسية سالبة. لنقل إن العطْلي رجل واع بأنه في عطلة، ولذلك يريد أن يقول للعالم إنني في عطلة، لذلك ينشر الصور التي تدل على أنه في عطلة. الرمل والشاطئ أسفلت الطبقة الأرقى أثناء العطل. والبحر ليس موضوعا للسباحة، بل هو إطار للعطلي كي يقول أنا في عطلة؛ وصورة أطباق الطعام في النزل كأنها حلم بروليتاري بأكل ما لا يؤكل يوميا.
كل الذين يريدون أن يقولوا لنا إنهم في عطلة يعيدون الصور نفسها كأنما تلكم الصور الموزعة بين الارتخاء على الشاطئ أو السباحة في اليم، وبين أكل الفاخر من الطعام، هي الصور الأكثر تعبيرا عن العطلة. الرتابة التي نحتاجها في تكريس التعبيرة الثقافية المتواضع عليها هي رتابة من البحر بطل العطل الأسطوري وتجعل السابح الجائع التائق للأكل عابدا صغيرا من عبدة الطبيعة تخرجه عن ملل العمل، لكن الرتابة في الصور ينبغي أن لا تجعلنا نعتقد في صحة ما قيل في العطل إنها ترفيه يتعاود. لا نعتقد في صحة ذلك لأن العطلي صفة استثنائية وقصيرة المدى، تأتي قضاء وقدرا، ولا تأتي تخطيطا ولا اختيارا، إلا لطبقة أعلى تعيش عطلها ولا تصورها، وإن صورتها ما نشرتها. طبقة تعيش على الصمت وعلى إطفاء الأضواء في لحظات الانتشاء.
٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية