بعد أي مرحلة عصيبة تمر بها الشعوب ثمة ظهور لجنس أدبي، أو مصطلح أدبي أو ثقافي بشكل عام.. وهو ما يعني تأثير المرحلة على الواقع الذي كانت تعيشه الأمة المستهدفة، والمثقف بشكل خاص، بحيث يلجأ إلى استثمار الأزمة التي خلفتها المرحلة، وحوّلت الحياة إلى شكلٍ آخر، أو أن خطوطها العريضة سواء منها الاجتماعية أو الاقتصادية أو الدينية أو السياسية بشكل عام، تسير وفق اتجاهات جديدة.
ففي زمن ما قبل عام 2003 في العراق وحين كان الخوف هو العنوان السائد، سواء اتفقنا على الحقبة الزمنية السياسية، أم اختلفنا معها، فإنها بالضرورة أنتجت لنا نصوصا تعتمد على التورية والقناع، أو بأبسط تعريفٍ، أن الطريق المستخدم للتدوين الأدبي، إذا ما أراد نقد جزيئة مهمة من الواقع الذي كان سائداً، فإن الأديب كان يلجأ إلى التاريخ واستلهام شخصياته وإسقاطاتها أو الهروب إلى الإمام، أو حتى استخدام الحيوانات طريقة لطرح الفكرة، وهو ما يمكن تسميته بأدب الخوف والرعب، لأنه لا سبيل آخر ليس لمواجهة السلطة، بل الشعور أن النص الأدبي يمكن له أن يكون قادرا على تلبية احتياجات الذات المنتجة في مواجهة خوفها، فيكون اللجوء إلى معيار نصي أو تدويني، أو حتى جنس أدبي كهذا، هو خيار أريد به أن يكون مرحلا، أو هو شعور بالاعتزاز.. ولذا كنا نرى الكثير من النصوص التي تحمل جرأتها المبطنة، تكاد تكون معلنة بطريقة الانزياح أو التورية، لأن المعنى المضمر في المواجهة يكون صعبا، بل محفوفا بالمخاطر التي تؤدي إلى ضياع الأديب نفسه، ووقوعه تحت طائلة قانون المواجهة والقذف وغيرها.
إن الزمن الصعب دائما ما ينتج نصوصا جديدة ومغايرة، وفيها شيء من التجريب وربما التجريب ذاته، أو ما يطلق عليه بالحداثة وما بعدها، لم تأت اعتباطا أو لمجرد وجود من هو يفكر بماهية النص، أو بوجود منتج للنص أراد المغايرة، بل لأن الواقع تغير، وأصبحت فيه المتغيرات مصاحبة لهذا الزمن الذي انوجد فيه المنتج.. وهو ما يقابلها في المجتمعات التي تعيش فوضى سياسية، أو ارتباكا دينيا في مختلفات الفقه وصراعه، الذي يؤدي إلى تصارع المقولات ذاتها في المنظومة الاجتماعية.. وأيضا ما يحدث في المجتمعات التي عانت من ويلات الاحتلال الذي كان يسمى الاستعمار والإمبريالية وغيرها ، فأنتج أدبا مقاوما لما حصل في الواقع.
إن ما يمكن التلميح له في وجود النصوص المغايرة، أن هذه النصوص جاءت بعد تحولات كبرى في البنية المجتمعية، مثلما حصلت على متغيرات كبرى في المعالم الحاصلة الجديدة، التي غيرت الأسس التحتانية للمجمعات، وهو أمر يحدث أيضا في الثورات التي تشهدها هذه البلدان.. فما حصل في العراق ما بعد ثورة 14 يوليو/تموز عام 1958، أن النص الذي جاء مخالفا لما كان مدونا في العهد الملكي لان المنظومة السياسية الجديدة سمحت للمجموعة المنتجة للأدب ذاتها، أن تتناول سلبيات الزمن الماضي، أو سمحت بتفكيك تلك الحقبة بطريقة لابد أن تكون معها متغيرات في البنية التدوينية، لذا جاءت نصوص المرحلة الستينية، التي تعد مرحلة متغيرات في البنية الأدبية. وحين تغير الحال ما بعد عام 1968 كان النص يأخذ اتجاهات أخرى، وفق الشبكة العلاقاتية الجديدة، التي أنتجت واقعا جديدا، سمح بتناول الحقبة الماضية بالكثير من الانفتاح والكلام.. ومن ثم التراجع الكبير في المشهد الإنتاجي الثقافي ما بعد حرب عام 1980، ومن ثم أدب الحصار الذي أعقب عام 1991.. لتأتي المتغيرات ما بعد عام 2003، ليكون الإنتاج أكثر انفتاحا بما يقال عنه، الحرية في تناول وتفكيك عقود من تلكم الحقبة.
ولذا يكون السؤال.. ما هو نوع الأدب الذي يمكن أن نطلق عليه، وفق سياقات ما هو منتج من نصوص مختلفة، أخذت طابعا جديدا في التناول الذاتي مرة، وردة الفعل مرة أخرى؟ وماذا يمكن أن نصف هذا النوع من الأدب الذي استفاد من التجارب الفنية لحقبة الميتا الحداثة ومتغيراتها وأنواعها؟ وهي صفات هذا الأدب الذي يكاد يكون حاملا للجينات التدوينية ذاتها، ليس على مستوى الشكل الظاهر، بل على مستوى الباطن والجرأة والتناول والاقتراب الكلي من التابوات الثلاثة، التي كان ممنوعا الاقتراب منها إلى وقت قريب؟ ثم يكون السؤال الذي يتيح لنا التوصل إلى حقبة الأدبي ومقبولية توصيفه على أنه أدب ما بعد الغضب.. وأي حقبة يمكن أن نطلق عليها حقبة الغضب، لكي يتم اجتراح مثل هذا الوصف؟
إن هذه الأسئلة التي إن حصلنا على جوابها، فإن بالإمكان مراجعة المصطلحات التي انتجت أدبا مختلفا، مثل حقبة ما بعد الكولونيالية وأدب الديستوبيا مثلا.. ويمكن لنا أن نقشرها لكي نتوصل إلى هذه الحقبة التي نراها غاضبة، لأننا نرى أن مثل تلك النصوص هي التي أنتجت حداثتها وتوصيفها، ليكون أدبا يمكن أن نطلق عليه أدب ما بعد الغضب أو الأدب الغاضب.
إن الزمن الصعب دائما ما ينتج نصوصا جديدة ومغايرة، وفيها شيء من التجريب وربما التجريب ذاته، أو ما يطلق عليه بالحداثة وما بعدها، لم تأت اعتباطا أو لمجرد وجود من هو يفكر بماهية النص، أو بوجود منتج للنص أراد المغايرة، بل لأن الواقع تغير، وأصبحت فيه المتغيرات مصاحبة لهذا الزمن الذي انوجد فيه المنتج.
فلو عرّفنا الأدب على أنه محاولة لبناء مدينة خيالية فاضلة، لدى المتلقي، أو أي تعريفٍ آخر كان ذلك في وقت يحتاج فيه المتلقي إلى فسحةٍ من التخيل العام والمتخيل الخاص، لكن التحولات السياسية، خاصة في عصور ما قبل النهضة الصناعية والمتغيرات الدراماتيكية في العالم، واستخدام القوة والدين، والحربين العالميتين، انتجت العديد من النصوص التي يمكن أن تؤدي إلى إظهار مصطلح ما بعد الاستعمار، أو الاحتلال، أو الكولونيالية وهو (لا يعني بالضرورة مناهضة ما قبله ومقاومته، وإنما يعني الوعي بالثقافات الأخرى، التي وُجِدت في المستعمرات، وبالهويات والاتجاهات والتاريخ والوثائق المعرضة للاندثار، وأيضا الاحتفاء بمختلف الإبداعات والكتابات الصادرة من أبناء المستعمرات، أو من غيرهم، بوصفها كتابات الرد على خطاب المركز/المحتل الأجنبي، وترسيخ الهوية لثقافات عانت من النفي والتهميش، فالقضية استعادة دور الهامش، ضمن خطاب المركزية الاستعمارية المهيمنة)، كما ذكر مصطفى عطية جمعة في مقال له نشرته «القدس العربي»، وهو ما يختصر لنا تعريف أهمية حصول هذا الأدب أكثر منه تعريفا لماهية الفترة الزمنية.. الذي يمكن تطبيقه على كل المصطلحات الأخرى بالضرورة.
وإذا ما أخذنا أدب الديستوبيا كمثال، الذي ربما اختص لدى الكثير من النقاد بالرواية، فإنها يمكن أن نتوسع إلى الآداب الأخرى والفنون المتنوعة كالقصة والشعر والموسيقى والمسرح والفن التشكيلي، فإنه يمكننا ملاحظة أن ردات الفعل التي انتجتها الحركات الراديكالية، لتكون هناك ردة فعل لفعلٍ سياسي قائم، هي ذاتها التي انتجت نص ما بعد الغضب، حيث يعيش المواطن والأديب بشكلٍ خاص حالة من تلقي وتلقف ومقاومة الفعل الراديكالي، الذي أنتجته الحالات الجديدة في البنية السياسية، سواء في العراق، ما بعد تغيير عام 2003، أو العالم العربي ما بعد الربيع العربي، حيث الفشل الكبير في توليف العلاقة الجديدة والجيدة، لبناء المجتمع، وهو ما أدى، كردة فعل، إلى إنتاج نصوص غاضبة على الذات، هي أقرب إلى جلد الذات، وأبشع من نصوص الديستوبيا المخلخلة للثوابت الأدبية المرتبطة بالعادات والتقاليد الاجتماعية، التي تفرضها البنية الاجتماعية التي ينتمي إليها الأديب منتج النص، لأن المثقف أو منتج النص هو واحد من الشعب الذي يتأثر، أو هو أسرع بالتأثر بالواقع الذي يعيشه، ولا يملك في المواجهة سوى حروف وفرشات وتمثيل وموسيقى وحركات.. ولهذا نجد الكثير من النصوص الفنية والأدبية هي نصوص غاضبة وجالدة للذات.. نصوص متهكمة وساخرة من واقعها.. نصوص تهاجم بغضبٍ كل ما هو ماضٍ وحتى ديني.. نصوص تحاول إثبات جدارتها في قبولها بالفعل لتنتج ردة فعلها.. نصوص مهيضة للكوامن البشرية النائمة والمستمرة في نومها من زمن الخوف وما قبلها، زمن الاحتلال والاستعمار، إلى زمن التعصب الرديكالي، إلى زمن الفوضى، وإلى زمن الاتهامات التي لا تلد سوى عملية القتل.. وليجتمع كل هذا في حاصله النهائي المصيبة الكبرى في جائحة كورونا، التي بينت ضعف الشخصية من جهة، وضعف كل المنظومات السياسية والدينية التي فضحت مقولاتها على ضعف الإنسان، أمام الخوارق وعدم عمله بالغيبيات، أو لجوئه إلى تغييب العقل بطريقة من يقول له إنك لا تفهم بكل شيء، فدعنا نوصلك إلى ما تريد ولكن بطريقتنا. ولذا فإن منتج النص، أو الفعالية الثقافية لا يملك قوة الردع السياسي، أو المواجهة مع الآخر القامع، وليس هو بقوة صوتٍ جامعة، وإنما هو صوت فردي، فإن اللجوء إلى النص هو المعيار الذي ينقل تأثيره بما حوله، فأنتج النص الغاضب.
هذه الأمور والحيثيات المحسوسة والملموسة، من خلال النصوص المختلفة، هي التي قادت إلى ظهور النص الجديد الذي يفوق، كما أسلفنا النصوص المخالفة للثوابت، حيث كانت تريد المواجهة للكلي .. في حين أن هذه النصوص الجديدة الغاضبة هي نصوص تواجه ذاتها، وتعلن عن أفكارها الذاتية، على أنها في مواجهة الآخر.. بمعنى أنها نصوص تبدأ بجلد الذات من أجل جلد الآخر المتسبب بكل المعاناة.. إن قراءة واعية لأغلب النصوص الجديدة، نجدها نصوصا غاضبة متهكمة، تحمل في جوانياتها الكثير من الإبداع، لأنها حاصل جمع كل التجارب المريرة التي عاشها الأدباء ومنتجو النصوص بأجيالهم المختلفة.. فالنص الأدبي ليس نصا مفترقا عن ماضيه، بل هو حالة استمرارية لما هو قديم، لينتج الجديد.. وما أنتج في الزمن الراهن، هو النص الغاضب بكل ما تحمله الجرأة من منطلقات مفضوحة وإشارات دامغة، تبدأ من العنوان وتنتهي بالقصديات والمعاني والتأويلات.. لأن الزمن الذي يعيشه المنتج هو زمن متصادم، بين أعلى الهرم والقاعدة العرضية ـ بدون المرور بالسفح، حيث غابت المنطقة الوسطى التي كان يمثلها المفكرون والعقلاء، لأن الواقع أمرّ من أن يكون قابلا للممارسة، وهو ليس نصا انهزاميَا وإن كان يبدو كذلك، لكنه أيضا نص مواجهة بطريقة صارخة، كونه أحد أوجه الغضب أو الصراخ.
٭ كاتب عراقي