انكشفت في السعودية منشأة لاستنفاد “عجينة صفراء” من مرابض اليورانيوم التي عثر عليها في أراضيها، والتي بنيت بالتعاون مع الصين. ينضم هذا التقرير إلى سلسلة مكتشفات تشير إلى جهد، هو على ما يبدو في بدايته، لفحص سعودي لعناصر دائرة الوقود النووي، وإضافة إلى توثيق التعاون في المجال الاستراتيجي أيضاً بينها وبين الصين. لم يمس الاتفاق النووي مع إيران بدوافع السعودية لاقتناء قدرة نووية، بل قلص الإلحاح المنسوب لهذا الموضوع. وتآكل الالتزامات الإيرانية بالاتفاق وتقصير الزمن لاقتحام إيراني نحو القنبلة النووية سيزيد خوف القيادة السعودية ويسرع نشاطها في اتجاه قدرة نووية، حتى في ظل “اختصارات الطريق”.
توجهت السعودية في العقد الأخير لتطوير برنامج نووي لإنتاج الكهرباء وتحلية المياه، ونشرت عطاءات لإقامة مفاعلين أولين. يتأخر نشر الفائزين في العطاء بينما تسعى الرياض لتنتزع من واشنطن تنازلاً عن شرط الامتناع عن تخصيب اليورانيوم في أراضي المملكة كي تحصل على مساعدة أمريكية لبناء مفاعل نووي لأغراض مدنية. رفض السعوديون حتى الآن أن يأخذوا على أنفسهم هذه القيود. إن الخوف من أن تختار السعودية تطوير برنامج نووي عسكري في ظروف وملابسات معينة كان قد ازداد بعد تصريح ولي العهد محمد بن سلمان في 2018 بأن المملكة ستقتني قدرة نووية إذا ما فعلت إيران ذلك، وبلا إبطاء. وأعلن شقيق محمد بن سلمان، عبد العزيز بن سلمان، الذي يشغل منصب وزير الطاقة في 2019 بأن السعودية تطلب لنفسها التحكم بكل عناصر دائرة الوقود النووي.
أفادت “وول ستريت جورنال” في 4 آب، بأن منشأة لاستنفاد “العجينة الصفراء” من مرابض اليورانيوم اكتشفت في أراضي السعودية، وتبنى بالتعاون مع الصين. وهذه العجينة تشكل مرحلة أولى في إنتاج اليورانيوم لكل استخدام مهما كان، سواء أكان مدنياً في المفاعلات النووية، كإنتاج الكهرباء أو البحوث، أم استخدامات عسكرية من خلال تخصيب اليورانيوم إلى مستوى عالٍ. وينضم هذا التقرير إلى سلسلة مكتشفات من السنوات الأخيرة، والتي أثارت إلى جهد، هو على ما يبدو في بدايته، لفحص سعودي لعناصر دائرة الوقود النووي، وبالإضافة إلى توثيق التعاون، في المجال الاستراتيجي، بينها وبين الصين. كما أفادت “نيويورك تايمز” في 5 آب بأن الاستخبارات الأمريكية نشرت مؤخراً تقريراً سريًا يتضمن تفصيلاً عن الجهود السعودية ويشير إلى التعاون السري المتعاظم بينها وبين الصين في هذا الموضوع.
تحوز الصين بضع مئات من الرؤوس المتفجرة النووية، وتوفر -إضافة إلى ذلك- الطاقة النووية 4.2 في المئة من مصادر الطاقة لديها. يعمل في الصين اليوم 45 مفاعلاً لإنتاج الكهرباء و12 مفاعلاً أخرى هي قيد البناء. إضافة إلى ذلك، تتطور صناعة النووي الصينية بسرعة، وتتطلع إلى التعاون مع دول مختلفة، حتى لو كانت إحداها معادية للأخرى، مثل إيران والسعودية، في تطوير مصادر للطاقة، ومصانع ومنشآت مرافقة، حتى لو لم تُقم بشفافية وتستجيب للمقاييس الدولية المتصلبة. حتى لو تضمن التعاون الذي تقيمه الصين في السياق النووي جوانب استراتيجية تعرض دولاً أخرى للخطر، بما فيها إسرائيل، فإن الصين تتطلع في نظرتها إلى الدخل، ولا سيما تحسين احتياطات الطاقة المستقبلية (بما في ذلك حقوق على اليورانيوم بثمن منخفض للمفاعلات النووية التي تبنى فيها)، وتوسيع نشاط الشركات الصينية خارج الاقتصاد الصيني.
لقد توثقت العلاقات بين السعودية والصين في المجال النووي بالتدريج منذ 2012 مع فتح فرع لشركة النووي الوطنية الصينية في الرياض والتوقيع على مذكرة تفاهم بين الدولتين تضع الأساس القانوني للتعاون المستقبلي في تكنولوجيات النووي المدني. في أثناء زيارة الرئيس الصيني إلى السعودية في كانون الثاني 2016 وقعت مذكرة تفاهم في موضوع إجراء دراسة جدوى لبناء مفاعل يبرد بالغاز في المملكة. وفي 2017 وصل رجال مدينة الطاقة الذرية والطاقة المتجددة التي تحمل اسم الملك عبد الله إلى الصين للدراسة والإرشاد في مواضيع المفاعلات المبردة بالغاز. كما وقعت شركة النووي الوطنية الصينية في 2017 مع سلطة الاستطلاع الجيولوجي السعودية مذكرة تفاهم لاستنفاد إمكانية التعاون بشأن مرابض اليورانيوم والتوريوم في المملكة. إضافة إلى ذلك، وقعت مذكرة تفاهم بين شركة مجموعة الهندسة النووية الصينية وشركة تقنية السعودية حول الاستخدامات المحتملة للمفاعلات النووية (المبردة بالغاز) لتحلية المياه. وفي المجال الباليستي، علم في 2018 عن جهد سعودي لتثبيت قدرة إطلاق مستقل بمساعدة صينية (وقود صلبة، وسائل إطلاق متحركة).
تبقى أسئلة مفتوحة في هذه المرحلة حول ما إذا كانت المنشأة التي انكشفت في الصحراء السعودية نشطة، وما هي غايتها النهائية، وهل هي جزء من جملة شاملة لدائرة الوقود، تتضمن عناصر أخرى ومنها تخصيب اليورانيوم، أم أنها تقف بحد ذاتها؟ سؤال آخر يجب طرحه وهو: لماذا لم يعلن السعوديون عن المنشأة، مثلما لم يسمحوا لمنشآت أخرى “اكتشفت” في السنوات الأخيرة، إذا كانت -على حد زعمهم- تستوفي كل شروط الرقابة الدولية؟ فالسعوديون لا يستوفون الشروط التي تطرحها الوكالة الدولية للطاقة الذرية على تلك الدول التي أعلنت في الماضي بأن ليس لديها برنامج نووي، وأن كميات المواد النووية التي تحت تصرفها صغيرة جداً. وإذا بدأت المنشأة التي اكتشفت ورفعت التقارير عنها أو أنها ستبدأ بالعمل، فما من شك أنه سيتعين على السعودية بسرعة كبيرة الإعلان عن عمل اليورانيوم الطبيعي في حوزتها وكميته، حتى لو لم تكن تستوفي المواصفات “النووية”.
وفي الوقت نفسه، يجب الانتباه استخبارياً إلى تعاون عربي محتمل في مجال النووي. مثلاً، لدى الإمارات التي شغلت في بداية آب 2020، مفاعلاً نووياً أول في العالم العربي، قدرة وصول سهلة نسبياً إلى السوق النووية الدولية، بينما تملك مصر، التي حركة برنامجاً لبناء أربعة مفاعلات بمساعدة وتمويل روسي، كادراً علمياً نووياً لا بأس به، وللأردن مرابض يورانيوم كبيرة (الأخير وقع مع السعودية على اتفاق للتعاون في المجال).
لدى السعودية نفسها مقدرات كبيرة ومرابض نووية ذات مغزى. ولكن، يقدر بأنه سيكون من الصعب جداً عليها أن تستكمل برنامجاً نووياً قابلاً للبقاء، سواء كان مدنياً و/أو عسكرياً، دون مساعدة خارجية كبيرة في مدى زمني معقول. وحتى لو نجحت في تجنيد دعم فني خارجي لبرنامج نووي عسكري خاص بها، فستمر سنوات كثيرة قبل أن تتحقق النية. ورغم ذلك، يجب الأخذ بالحسبان بأن للمملكة علاقات في المجال مع دول مختلفة من شأنها أن تتقاسم معها العلم والخبرة اللازمة في المجال النووي. يمكن للسعودية أن تستعين بدول أخرى، مثل كوريا الشمالية أو باكستان. تشكل باكستان، التي مولت السعودية أغلب الظن برنامجها النووي -رغم الخلافات والتوترات في السنوات الأخيرة- سنداً استراتيجياً للمملكة. وفي ظروف معينة، بما فيها تهديد الوحدة الإقليمية للمملكة مثلاً، ربما تمنحها مساعدة في المجال النووي. في هذا السياق، يجب إعطاء الرأي في عدة احتمالات: الوعد بـ “مظلة” نووية، ونقل معلومات تكنولوجية وحفظها، وإرشاد وتدريب طواقم سعودية في باكستان، وتمويل و/أو تعاون في تخصيب اليورانيوم في باكستان، ونصب سلاح نووي باكستاني في المملكة تحت سلسلة قيادة وتحكم باكستاني.
في كل الأحوال، أخفت المملكة في الماضي، وربما الآن، أجزاء من نشاطاتها في المجال النووي والصاروخي، وقدرة الأسرة الدولية، بما فيها الوكالة الدولية للطاقة الذرية، للعثور على نشاط محظور بحجم صغير موضع شك، ولا سيما في الظروف الجغرافية والسياسية الخاصة في المملكة. إضافة إلى ذلك، يكاد لا يكون شك بأن اكتشاف المنشأة، بغير مبادرة السعودية، لن ينظر إليه بضوء إيجابي في أرجاء الشرق الأوسط، وإن كان سطحياً لا تشكل المنشأة بحد ذاتها أي خطر على دول المنطقة. فثمة من سيرى في إقامة وتفعيل المنشأة إعلان نوايا وتطوير الإمكانيات الكامنة لاستخدامات عسكرية لليورانيوم الذي تنتجه السعودية.
ما يميز البرنامج النووي السعودي أنه متأثر بالمقدرات، ويتحرك باتجاهات مختلفة، وبالتوازي –تجاري، بحثي، وربما عسكري- بإدارة المخاطر، وعلى خلفية البرنامج النووي الإيراني. صحيح أن هناك فوارق كبيرة في العلم، بالنسبة لمعظم المجالات ذات الصلة، نتيجة لغياب الشفافية ومحاولات الإخفاء السعودية المقصودة، ولكن يجب التقدير بأن للمملكة دافعاً لاقتناء قدرة نووية خاصة بها. إن الدافع للاعتماد على الصينيين وغيرهم يؤثر في متانة السند الأمريكي. فالاتفاق النووي مع إيران لم يمس السعودية لاقتناء قدرة نووية بل قلل من الإلحاح المنسوب للموضوع. إن تآكل الالتزام الإيراني بالاتفاق وتقصير المدى الزمني لاقتحام نووي نحو القنبلة النووية سيزيد الخوف لدى القيادة السعودية ويسرع النشاط في اتجاه الوصول إلى قدرة نووية، حتى في ظل “اختصارات الطريق”.
لن تبقى إسرائيل متجاهلة تصعيد التطوير النووي في السعودية، وعليها أن تحسن الأدوات الاستخبارية تحت تصرفها كي تسمح لرقابة أفضل على ما يجري في المجال النووي في المملكة. على إسرائيل، حتى وهي تتقاسم مصالح مشتركة لا بأس بها مع السعودية، أن تعمل أيضاً كي تثبت خطاباً مهنياً في الموضوع حيال شركائها في الولايات المتحدة وأوروبا. لقد تجاهلت إسرائيل في السنوات الماضية التعاظم العسكري لعدد من الدول في الخليج، ما يقضم من تفوقها العسكري النوعي، وبخاصة في كل ما يتعلق بالتطوير النووي، وعلى إسرائيل أن تعطي الآن إلحاحاً للموضوع كي تحاول وتمنع مفاجآت استراتيجية، في أوساط شركائها الإقليميين أيضاً.
بقلم: يوئيل جوجنسكي، افرايم اسكولاي، وايال بروبر
نظرة عليا 11/8/2020