“القدس العربي” تحاور المتظاهرين في ساحة الشهداء وسط بيروت

عبد معروف
حجم الخط
0

بيروت- “القدس العربي”: لم تهدأ بيروت، منذ 17 تشرين الأول/أكتوبر 2019، عندما أعلن الشعب اللبناني عن غضبه، وعدم قدرته على تحمل تفشي حالات الفساد والنهب والإفقار، وانطلق بمظاهرات عارمة وسط بيروت، وفي مختلف المدن والبلدات والمناطق اللبنانية بشكل عفوي لإسقاط النظام، ورفضا للبطالة والغلاء والاهتراء الذي تفشى داخل مؤسسات الدولة. وشهد الحراك الشعبي اللبناني منذ 17 تشرين الأول، مسارا متعرجا، يتصاعد حينا وينخفض أحيانا.
وجاء الانفجار الذي ضرب مرفأ بيروت وأحياء واسعة في العاصمة اللبنانية يوم الثلاثاء 4 آب/ أغسطس، ليشكل حافزا جديدا لتحرك شعبي لبناني حاشد وأكثر عنفا وسط بيروت، ليصبح هذا التحرك شبه يومي بين ساحة الشهداء والشوارع المؤدية إلى مجلس النواب اللبناني المقفلة بالسواتر الأسمنتية والحديدية.
يبدأ المتظاهرون بالتوافد والتجمع بعد ظهر كل يوم، في ساحة الشهداء، وعند مداخل الشوارع المؤدية إلى مجلس النواب في ساحة النجمة، يفترشون الأرض لتبادل الأحاديث ثم ينطلقون لتسلق السواتر الأسمنتية والحديدية، لاقتحام المجلس، تنطلق المظاهرات بعنف، يهتف المتظاهرون ويطلقون الشعارات والحجارة باتجاه شرطة المجلس ومكافحة الشغب التي تبادلهم بإطلاق القنابل الغازية المسيلة للدموع والرصاص المطاطي، بغزارة غير معهودة.

ماذا يريد المتظاهرون اللبنانيون في ساحة الشهداء؟

جلس مروان بو منصور (23 عاما) مع أصدقائه، داخل إحدى الخيم قرب تمثال الشهداء وسط الساحة في بيروت، يتحدثون بالسياسة، ويستعرضون بشكل عفوي الأوضاع في لبنان، وأسباب وتداعيات انفجار المرفأ، يتبادلون الأفكار والآراء، وإلى أين يتجه البلد؟
“القدس العربي” سألت بو منصور “لماذا أنتم هنا؟”، لم يتأخر بالرد، وقال: من الطبيعي أن نكون هنا، ومن غير الطبيعي أن لا نشارك في المظاهرات والحراك الشعبي الذي جاء كنتيجة طبيعية لحجم الفساد والنهب والموت الذي عم لبنان.

هل أنتم قادرون على إحداث تغيير في بنية السلطة؟ أجاب بو منصور، الشعب قادر على كل شيء، عندما يكون الشعب منظما وواعيا، حتما ستسقط طبقات الفساد والنهب المتحكمة، والتي تستمد قوتها من سلطتها والقوانين التي تسيطر عليها.
هل أنتم منظمون؟ سألت “القدس العربي”؟
بشكل عام لا، المتظاهرون غير منظمين، ومن بين المتظاهرين مستويات علمية مختلفة، وانتماءات سياسية متنوعة، أنا طالب جامعي، هذا موظف بسيط وذاك عامل في مجال البناء، والكثيرون عاطلون عن عمل، يبحثون عن فرصة عمل من أجل تأمين لقمة العيش.
تدخل محمود نور الدين (26 عاما) في الخيمة، وقال بصوت مرتفع: من أين لنا الوعي والتنظيم، هذه مهمة الأحزاب، ونحن في لبنان لا أحزاب جادة وفاعلة، كل الأحزاب ضعيفة ولا تستطيع قيادة الشعب والمساهمة في رفع مستوى وعيه.
أحزاب تفككت وأصبحت من الماضي، ولم يعد باستطاعتها مواكبة التطورات الوطنية، أحزاب تحمل أفكارا قديمة وبالية، لم تعد صالحة لقيادة الشباب، خاتما: نحن بحاجة لقوى سياسية جادة وعلى قدر المسؤولية، ولا تكون معنا في الساحات وطموحها الوصول إلى السلطة المتعفنة قبل تعديل وتغيير النظام، لكن قال وهو يرفع يده، لن نبقى على صمتنا بانتظار أن تأخذ الأحزاب دورها في القيادة، سننطلق وسنعبر عن غضبنا وسنبقى على هذا الحراك حتى إسقاط المنظومة الفاسدة “كما وصفها”.
طال الحديث داخل الخيمة، بدأت مواكب المحتجين تصل وتتجمع تباعا في ساحة الشهداء، قبل التوجه إلى مداخل مجلس النواب…
“القدس العربي” استوقفت السيدة ماري معربس في العقد الرابع من عمرها، ترفع العلم اللبناني وصلت سيرا على الأقدام إلى ساحة الشهداء، من أين أنت قادمة؟ أجابت بصوت امتزج في نبراته الحزن والألم والإرادة على البقاء: أنا سيدة لبنانية عمري 45 عاما، من سكان شارع الأرز في حي الجميزة المنكوب، وصلت إلى ساحة الشهداء لأعبر عن غضبي وحزني ورفضي للحالة التي وصل لها لبنان على يد الطغم الحاكمة والطبقات الفاسدة التي تتحكم في هذا البلد.. في كل مرة، نعود إلى منازلنا نعطي الفرصة، وفي كل مرة نشهد أحداثا تدفعنا للاحتجاج والغضب من جديد، نحن شعب مسكين، أضافت ماري، نموت أحيانا بشكل بطيء بالقهر والذل والفقر والحرمان والضياع، ومرة نموت دفعة واحدة نتيجة اشتباك أو قصف أو انفجار كارثي كما كان انفجار المرفأ.
“أشارك اليوم في المظاهرات والاحتجاجات لأسباب وطنية بعد أن أصاب الوطن ما أصابه، أشارك بعد أن غطى الموت ودماء الناس شوارع وأزقة الأحياء، وأشارك لأسباب شخصية بعدما رأيت طفلا لم يتجاوز 10 أعوام جثة هامدة في زقاق ضيق قرب منزلي”.
متنا كثيرا، وقهرنا طويلا، وصل الجوع فم الأطفال، حان وقت الثورة.
لكن يقال إن المظاهرات مشبوهة وتستغلها قوى ودول وأجهزة مخابرات.. أجابت ماري وهي تحدق في عيوننا: “هذا ممكن، أنا لا أنكر ذلك، ولا أستطيع تأكيد ذلك، لكن الفقراء والمعذبين الذي حرموا من كل شيء، فقر وبطالة وفساد ونهب وطائفية وموت، موت، موت.. هل يحتاجون لأجهزة مخابرات وسفارات لتحرك مشاعرهم… ولو اعتبرنا أن ذلك صحيح وأنا لا أدري.. لماذا لا يتوقفون عن النهب والفساد والموت ويبعدون السلاح عن بيوتنا حتى لا تشكل دافعا للحراك الشعبي؟
لم يكن الاستمرار بالحديث مع ماري ممكنا، فهي على عجلة من أمرها للوصول إلى وسط الساحة والمشاركة في الحوارات ومن ثم المظاهرات عند مداخل مجلس النواب.
مجموعات من الصبايا والشباب ممن توافدوا إلى ساحة الشهداء ومحيطها من مختلف المناطق اللبنانية، يتجمعون هنا وهناك في زوايا مختلفة ووسط الساحة، يتحدثون ويطرحون أفكارا مبعثرة، يحاولون استيعاب ما يجري من تطورات والتخطيط لما يمكن فعله اليوم أو غدا.

الجميع يسأل إلى أين؟

يقف الأستاذ الجامعي الدكتور محمد الشامي مع عدد من الشباب والصبايا، أمام جامع محمد الأمين في الجهة الغربية من ساحة الشهداء، يتحدث ويشير بيديه، يحاول أن يعرض أفكاره وآراءه على الشباب، يستمع لآرائهم المبعثرة وأفكارهم العفوية، قال بصوت مرتفع: نحن أمام انهيار وطن؟
“القدس العربي” تحدثت مع الدكتور الشامي، الذي أجاب على تساؤلاتها قائلا إن الشعب بحالة غضب، والشباب يطلقون صرختهم.
ألا تخافون من عمليات الاستغلال لهذا الحراك الشعبي؟
كل القوى المشبوهة وأجهزة المخابرات الدولية تحاول وتعمل لاستغلال الحراك، وهناك قوى وأحزاب لبنانية تحاول استغلال التحرك الشعبي بسبب خلافاتهم مع الطبقة الحاكمة على نسب الحصص بالسلطة، لكن ذلك لا يعني أن هذا الخوف سيردع الشعب ويخيفه، المطلوب من المتظاهرين والمشاركين بالثورة الحذر والانتباه والمراقبة وعدم الانجرار وراء أي شعارات مشبوهة، وعلى القوى والأحزاب التي تدعي الثورية واليسار أن تأخذ دورها، إذا كانت ما زالت على قيد الحياة.
وأضاف أن ما أفسدته السلطات بعقود من الزمن، لا يمكن هزيمته بحراك شعبي عفوي عمره أيام أو أشهر قليلة، النظام ما زال قويا وأحزابه ما زالت مسيطرة، والشعب لم يرق إلى مستوى الوعي والتنظيم لأنه يتحرك بعفوية وببساطة خرج إلى الشارع غضبا بسبب الكوارث التي أصابته، بسبب الفقر والبطالة والفساد والنهب، والأحزاب حتى الآن لا تلعب الدور المطلوب منها في مثل هذه الحالات.. شعب عفوي بسيط ومنكوب، ونظام فاسد، يمتلك القوة والقدرة على الاختراق والتشويه والقمع.
بدأ الحراك الشعبي اللبناني ينفجر في هذه اللحظة وسط العاصمة اللبنانية بيروت، شبان يتسلقون الجدران الإسمنتية والحديدية التي تفصل بين ساحات الاحتجاج وبين مجلس النواب في ساحة النجمة، المتظاهرون يطلقون الحجارة باتجاه القوى الأمنية، والقوى الأمنية بدأت تطلق عليهم الرصاص المطاطي والقنابل المسيلة للدموع وتستعد لعمليات المطاردة اليومية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية