عالم اجتماع يشرّح حياتنا في ظل “كورونا”: الجائحة تكشف تراجع الثّقة بالدّولة وسنشهد لحظات من الطوارئ الدائمة

سليمان حاج إبراهيم
حجم الخط
0

الدوحة ـ”القدس العربي”:

يرى الدكتور محسن بوعزيزي أمين عام الجمعية العربيّة لعلم الاجتماع سابقاً، في تحليله لحياتنا حالياً، وما يعترضها بسبب الجائحة التي أثرت على البشرية، أننا لسنا في زمن “الكورونا” إزاء لحظة عابرة، بل سنشهد لحظات من الطوارئ الدائمة طيلة العشرية القادمة، لأنّ أسباب الجائحة لا تزال قائمة ولعلّها في بداياتها، ومنها انتهاك الطّبيعة ومعها الإنسان.

ويفترض في حديثه مع “القدس العربي” أن تأثير الجائحة سيكون عميقاً، مثلما حدث في الماضي حيث أنها أخذت، كما يقول ابن خلدون، نصف البشريّة، حدث هذا مع ما سمّي بالطّاعون الأسود. ويستطرد أنه مع تقدّم الطبّ والبيولوجيا لا شكّ أنّ عدد الضحايا سيكون أقلّ بكثير، ولكنّ تأثيراتها الاجتماعيّة، على معنى القدرة على إعادة توزيع الفقر والغنى ستكون خطيرة.

ويرى أنه هناك معنى آخر أظهرته الجائحة، هو تراجع الثّقة بالدّولة لأنّها لم تكن قادرة على حماية مواطنيها، فقد كانت على درجة من الوهن، إلى الحدّ الذي شعر المواطن أن ليس له دولة، خاصة إذا كان مقيما خارجها. والمشكلة مرّدها في ثقافة السّوق التي انتهجتها الدّولة، فلا تعير اهتماماً إلاّ إلى الرّبح، هذه الثّقافة تبيّن أنّها حقّقت بعض المكاسب، ولكنّها تكاد تُلغي ما هو أساسي في الحياة، كالهواء النقيّ، وأجهزة التنفّس، ومواد الغذاء الأوّليّة.

ويشدد الدكتور بوعزيزي وهو أيضاً باحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالدّوحة، في تشريحه للوضع الحالي، أنّنا نعيش فترة، تتّسم بديمومة العابر. ويشرح فكرته بالقول إن “الطارئ صار حالة دائمة ومستقرّة في عبورها، أي أنّنا قد ننتقل من جائحة إلى أخرى، وبلا هوادة، ومن هنا عمّق التأثير للجوائح والأوبئة والكوارث في تغيير المجتمعات. ويرى الباحث المتخصص في علم الاجتماع أن الجائحة بهذا المعنى قد تكون عتبة تفتح المجال لجوائح وكوارث أخرى تتوالد. وقد تكون مدخلاً لواقع جديد ولتسويات مختلفة، أي نقطة لا عودة بعدها إلى ما قبلها.

ويؤكد في مقابلة مع “القدس العربي” ستنشر لاحقاً، أن التّغيير الثقافي والاجتماعي بالوباء ليس بمستبعد، فلنا في التّاريخ شواهد على فعله، فقد يقلب الأحوال فتتبدّل بالجملة، كما هو الشأن لذلك الوباء الذي حلّ في المئة الثّامنة للهجري، وشهده ابن خلدون، أي منذ ما يزيد عن السّتة قرون، ومن جرّائه انقلبت أحوال المغرب، وتبدّلت بالجملة بفعل طاعون جارف ذهب بأهل الجيل وطوى محاسن العمران. وبعد ابن خلدون بخمسة قرون تقريباً، يظهر وباء، الكوليرا، ويسمّى في الحجاز “الرّيح الأصفر”. فمُنعت الخُلْطة، أي التباعد الاجتماعي اليوم، واستعملت لفظة “التحفّظ” التي قد يرادفها “الحجر” لمن عاد من صفر أو أصابه الوباء.

لذلك على هذا النّحو لن تكون مجرّد لحظة مُعَرَّضة لسرعة النسيان. ومجرّد ظرفيّة وتمرّ، بل تصدّع له ما بعده. وثمّة أيضا تأثيرات جزئيّة ولكنّها بدأت تدخل في الحياة اليومية بما فيها من علاقات، ومنها تغيّر شكل المصافحة وعلامات التحيّة، وإعادة تحديد مسافات القرب والبعد، حتّى مع الحميمي والخاص، فالآخر، ولو كان قريباً، صار خطراً ممكناً ومتوقّعاً. والمعنى الآخر الذي قد يدوم، ولو إلى حين، هو رمزيّة التّعقيم وما فيه من حاجة إلى تطهير العالم بعد أن تلوّث كثيراً، وتوغّل العالم في نمط الحياة الاستهلاكيّة، وما تفرضه ثقافة السّوق من لغة وأخلاق وعلامات تجاريّة، ونسي متطلّبات الحياة الآمنة.

كما يرى أن السّوق دفع باتجاه صناعة الموت، ممثّلة في أرقى أسلحة الدّمار الشّمال، فلم يجد حيّزاً كافياً لصناعة الحياة. الأسلحة النوويّة، الأقمار الصّناعيّة، الأسلحة البيولوجيّة، غزو الفضاء، كلّ هذه الصّناعة المتقدّمة أصبحت أجهزة التنفّس والمواد الأوّليّة للغذاء أهمّ منها وأكثر ضرورة في هذه الفترة. وهنا بالذّات تكمن الهشاشة الإنسانيّة والأخلاقيّة حين يُتداول الحديث عن مناعة القطيع، بما في ذلك من إمكانيّة التّضحية بالضّعاف من الجيل الأكبر سنّا أو المرضى أو الفقراء، عوض العناية الخاصّة بهذه الفئات الهشّة. وهذا هو السّقوط الأخلاقي الذي فضحته الجائحة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية