النزعة الصوفية… إغناء للشعر الملحون بالمغرب

■ يلتصق الشعر الملحون بالثقافة الشعبية المغربية، حيث يعد أحد مكوناتها الأساسية التي ساهمت في تنمية وصقل الذوق العام، خاصة أنه مادة شعرية ترسخت في الوجدان الجماعي، من خلال استثمار قصائده في مجال الغناء والإنشاد والطرب.
وقد نبع هذا الشعر من الوجدان العاطفي للطبقة الشعبية، بما يجعله يمثل فن القول، ابتدأ مع أناس في الغالب العام كانوا من الحرفيين، توسلوا بلغتهم العامية ليعبروا عن شواغلهم الذاتية والروحية والاجتماعية والفكرية والعقدية، في قالب فني إبداعي يؤسس لرؤية جمالية ويبرز مهارة الإنسان الشعبي في مجال الإبداع والفن، ما جعل من الشعر الملحون لونا من ألوان الإبداع الشعبي، الذي تضمن كغيره من الفنون موضوعات مختلفة وأغراض متعددة كالغزل والوصف والمدح والرثاء والحكمة وغيرها… وبما أن البيئة الاجتماعية المغربية يغلب عليها طابع التدين، بما ساهمت فيه المدارس العتيقة والزوايا الصوفية في تكوين الشخصية المغربية المتدينة، فإنه وبحسب الباحث عز الدين المعتصم: «يعد التصوف ظاهرة نفسية واجتماعية، كان لها الأثر البالغ في الشعر الملحون المغربي، الصادر عن نفوس غلبها الوجد، وتملكها الشوق للتخلص من ربقة المادة والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى، ومن ثمة كان الخطاب الصوفي عامة، والشعري منه خاصة، محموم العاطفة، يعتصر المعاني العميقة والصور البديعة والرؤى الفنية». لهذا يعد كتاب «النزعة الصوفية في الشعر الملحون في المغرب، دراسة في الرموز والدلالات» للباحث عز الدين المعتصم (إصدارات رونق، 2019) من الكتب التي أولت أهمية كبيرة للجانب الصوفي في هذا الشعر التراثي الغني في موضوعاته، وفي اصطلاحاته ومفاهيمه ودلالته، من خلال استثمار مجموعة من الدواوين الشعرية في هذا البحث، تعود لثلة من شعراء الملحون: عبد العزيز المغراوي، الجيلالي امتيرد، محمد بن علي العمراني ولد ارزين، عبد القادر العلمي، التهامي المدغري، أحمد الكندوز، أحمد الغرابلي، الحاج إدريس بن علي السناني الحنش، السلطان مولاي عبد الحفيظ ومحمد بن علي المسفيوي الدمناتي. وبهذا تكون البحث من مقدمة وثلاثة فصول ثم خاتمة.
الفصل الأول: بعنوان «حول الخطاب الصوفي»، يتناول المفهوم النظري للخطاب والتصوف، والإشكالات التاريخية في مراحل نشأة التصوف (الظهور والتطور) من الزهد إلى التصوف السني والتصوف الفلسفي ثم التصوف الطرقي… ثم يتناول هذا الفصل الشعر الصوفي (مفهومه وأغراضه) وما يربطه من علاقة بسؤال التلقي. وخصص الباحث – هذا الفصل أيضا – للتصوف في الشعر الملحون المغربي، الذي يختص بخصائص التصوف السني، الذي عرفه التصوف في تاريخ المغرب، باعتباره سلوكا أثر في البنية الاجتماعية والثقافية للمغرب، فبرز بذلك الشعر الملحون الصوفي، الذي يعد تعبيرا عن ثقافة الناس والمجتمع، باعتباره يتحدث بلغتهم وحالهم… فهذا النوع من الشعر نبع من الوعي الجمعي، وهو أدب يعبر عن مشاعر العامة وثقافتهم وتدينهم ولغتهم.

ويعد «الشعر الملحون الصوفي» تجربة ذوقية وروحية، شأنه شأن الشعر الصوفي، الذي كتب باللغة العربية المعيارية، إذ أن هذا النوع لا تنقصه الفصاحة والبلاغة والجمالية الشعرية.

الفصل الثاني: اهتم بجمالية الخطاب الصوفي في الشعر الملحون، فركز على جمالية الرمز والصورة الشعرية بمكوناتها (التشبيه، الاستعارة، الكناية) وهذه المكونات الفنية ترتبط في ما بينها لتبني لغة فنية إبداعية، ولا تنسلخ من اللغة العامية، وبها تنكشف عوالم المبدع الصوفي الخيالية، وما يصبو إليه في عروجه الروحي في مقامات التصوف. كما كشف الباحث قدرة شعراء الملحون في شحن الألفاظ والعبارات، بدلالات رمزية تخدم مضمون غايتهم في الإعراب عن محبة الله والفناء فيها، إضافة إلى رصد المعجم الموظف في دواوين الملحون الذي يهيمن عليه المعجم الصوفي، الذي ينطوي على لغة شعرية صوفية ذات جمالية ورمزية وانزياحات.. ثم تناول هذا الفصل مظاهر الإيقاع الداخلي في القصائد المختارة، فركز الباحث على التكرار والجناس، والطباق. من منطلقه يرى الباحث عز الدين المعتصم أن شاعر الملحون المغربي مدرك لما تنتجه لغته من إمكانيات تفيد في تطوير الأبعاد الجمالية لخطابه الصوفي، وأن هذه الجماليات الموظفة، التي هي من خصائص الشعر العربي، تحقق له ماهيته الشعرية والفنية وبها يخدم خطابه الصوفي ذي النزعة الدينية وخصائصه الروحية والعرفانية.
أما الفصل الثالث: تجليات النزعة الصوفية في الشعر الملحون؛ فقد رصد الباحث أهم الثيمات المهيمنة في دواوين الملحون، إذ تعددت موضوعات الشعر الملحون الصوفي بصورة لافتة للانتباه: الحب الإلهي، الخمرة الصوفية، الطبيعة كتمثل لبناء رؤية الشاعر الصوفي، المدح والتوسل/ سواء المدح النبوي أو مدح الأولياء/ الحب المحمدي، وحب الأولياء.
وقد خلص الباحث إلى أن الموضوع المركزي الطاغي في الشعر الملحون الصوفي هي موضوع الحب الإلهي، وهو موضوع كبير تتفرع منه الموضوعات الصغيرة التي ذكرناها سابقا.
ويعد «الشعر الملحون الصوفي» تجربة ذوقية وروحية، شأنه شأن الشعر الصوفي، الذي كتب باللغة العربية المعيارية، إذ أن هذا النوع لا تنقصه الفصاحة والبلاغة والجمالية الشعرية. كما أن الدواوين المدروسة في هذا البحث تؤكد غنى الموضوعات في الشعر الصوفي في أدبنا المغربي مقارنة مع الأدب الصوفي المشرقي، الذي وسمه الحلاج والسهروردي وابن فارض، وابن عربي في الشعر الأندلسي، فشعراء الملحون نظموا في سائر الموضوعات؛ العشق الغزل الخمرة المديح التصليات (أي الصلاة على النبي) التوسل والحنين… فكرسوا شعرهم لخدمة الجانــــب الدينـــي والروحي، وتجربتهم الشعرية والذوقية، ارتبطت بمحيطهم الثقافي والديني والاجتماعي، وهي خلفيات مكونة للرؤية الشعرية عند شعراء الملحون الصوفي، فأشْرِبَ شعرهم شتى الأحوال من مقامات الكشف والتجليات والرؤى والمحبة الإلهية.

٭ كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية