يجب الاستمتاع بالتوقيع على الاتفاق مع اتحاد الإمارات وتهنئة بنيامين نتنياهو على إنجاز سياسي مثير للانطباع بقدر الإمكان، قبل أن تتبدد الفرحة على هذه الانطلاقة وقبل أن يحل مكانها الغم. عندما يطبخ ترامب ونتنياهو عملية يمكننا أن نكون واثقين من أن التضخيم سيدفن الحقائق، والمناورة ستطمس الوقائع، والتفاصيل الصغيرة القاتمة خلف الصفقة ستظهر هذه التصريحات المنمقة بصورة سخيفة حول انفراج وتحول تاريخي.
أمس بعد بضع دقائق من نشر بيان البيت الأبيض المفاجئ حول التوصل إلى اتفاق، التقى ترامب ونتنياهو لتضخيم أبعاد الوهم الذي تبدو مقابله وقائع باهتة. اتحاد الإمارات إمارة بعيدة وطموحة، وغنية بالأموال وقليلة السكان، تشارك إسرائيل مخاوفها من إيران وارتفعت مكانتها في عهد ترامب بفضل ثرائها الأسطوري وعلاقاتها التجارية مع صهره جاريد كوشنر.
الصهر هو ذاك الذي باع لصهره بأن الحديث يدور عن “اتفاق سلام” استراتيجي، بحجم الاتفاق مع الأردن ومصر، في حين يدور الحديث عن قرار شجاع بحد ذاته لكي يخرج نظام علاقات قائماً أصلاً، على الملأ. لا يوجد هناك انقلاب استراتيجي، رغم أقوال نتنياهو أمس.
كرر ترامب رسالة من البيت الأبيض أمس وهو محاط بمستشارين وبأعضاء طاقم السلام الذين حرصوا على الاستخذاء له مع صيغ تفضيل خيالية ذكرت بعائلة صديقه كيم من كوريا الشمالية. وتبنى نتنياهو هذه المناورة بالكامل وبنصها رغم أنه يعرف، مثل معظم الإسرائيليين، أن كل مقارنة مع اتفاقات السلام التي وقعتها إسرائيل مع جاراتها هي تضخيم متوحش.
سوّق نتنياهو الاتفاق وكأنه يؤمّن علاقات دبلوماسية كاملة، بما في ذلك تبادل السفراء الآن وعلى الفور، رغم أن إعلان البيت الأبيض يوضح أن الأمر يتعلق فعلياً بعملية تدريجية ومشروطة. رفض نتنياهو وبشدة ذلك الادعاء القائل بأن تم التوصل إلى هذا الاتفاق جاء مقابل التنازل عن الضم، الذي نفى وجوده تماماً، رغم أن إعلان البيت الأبيض يشير بصورة صريحة إلى موافقته على “تأجيل” الضم ويوضح أن الأمر يتعلق بصفقة “خذ وهات” كلاسيكية.
عبر اليساريون أمس عن الأسف لدفع الفلسطينيين إلى الهامش، ولكن لا أحد منهم أسف على إزالة تهديد الضم، الذي أدى للإساءة إلى الموقف الدولي تجاه إسرائيل حتى في مرحلة البيانات والوعود فارغة المضمون. حاول المعجبون برئيس الحكومة أن ينسبوا إليه دقة تكتيكية، ولكن نتنياهو كشف أول أمس تلك الحقيقة المرة من ناحيته: انسحبت الإدارة من الموافقة المبدئية على الضم بسبب كوشنر الذي خاف من أن فوضى إسرائيلية – فلسطينية ستضر بترامب الذي وضعه صعب أصلاً، وسيحرج أصدقاءه – شركاءه في دولة الإمارات والبحرين والسعودية. وهب الأمير زايد بن سلطان وسفيره النشط في واشنطن يوسف العتيبي لمساعدته.
وقد يكون لانعدام الخيار أمامه وفقدان القدرة على رفض طلب صديقه في البيت الأبيض، دفع نتنياهو نفسه إلى زاوية يصعب الخروج منها. إن إقامة علاقات رسمية مع إمارة خليجية ستسر بالتأكيد معظم مواطني إسرائيل، لكن الأمر يتعلق بإنجاز متواضع، أقل من أن يحتل العناوين لفترة طويلة، حتى في عهد وسائل إعلام متملقة. وهذا الإنجاز لن يدفع المشاكل المشتعلة للوباء والأزمة الاقتصادية والفساد الشخصي، التي تقف ضد نتنياهو، إلى الهامش.
سينفعل الإسرائيليون جداً من إنجاز سياسي مجرد قد يناسب شمعون بيرس المتوفى والشرق الأوسط الجديد؛ ونتنياهو في الحقيقة صنع للاتفاق أمس مقدمة ترويجية كان بيرس سيفخر بها، لكن من المشكوك فيه أن رئيس الحكومة نفسه يؤمن بالأوهام التي نثرها. الأمر المؤكد هو لو أن بيرس توصل إلى صفقة مشابهة مع دولة الإمارات لمزقه نتنياهو إرباً مثل مستخذ ساذج يبيع وطنه مقابل وعود فارغة.
هكذا سمع أمس بعض رؤساء المستوطنين، الذين عبروا عن غضبهم بشأن خطوات نتنياهو، وعبروا عن خيبة أملهم من خرق وعوده. الرابح الفوري بالطبع هو نفتالي بينيت الذي قد يحصل على دفعة أخرى لصعوده المتواصل في الاستطلاعات. معدل التحرك الذي سيسجله في الأيام القريبة القادمة سيحدد ارتفاع منسوب هستيريا نتنياهو. وخلافاً لاتفاقات سابقة انسحب منها في أعقاب الانتقاد من اليمين، كالاتفاق مع الأمم المتحدة بخصوص طالبي العمل، لن يتجرأ نتنياهو على خرق وعده لترامب. ويمكنه، مع ذلك، أن يطلب منه مساعدة كبيرة لتقليص الضرر، وبالتأكيد سيكون عليه أن يعطي من ذاته بالمقابل.
ترامب ليس منفعلاً من هذه الاختراقة بين إسرائيل والدول العربية. في ذلك الحدث الذي جرى في البيت الأبيض وجد صعوبة في إخفاء الملل. الرئيس حالياً قبل 80 يوماً من الانتخابات والعزل المحتمل، وسيفعل كل ما في استطاعته من أجل إعادة انتخابه.
وسيفعل نتنياهو كل ما في استطاعته، بما في ذلك التنازل عن الضم والمس بمكانته في القاعدة اليمينية لإرضاء ترامب والتأكد من أن قصة غرامه مع الرئيس الأمريكي لن تنتهي في 3 تشرين الثاني. وسيضطر نتنياهو إلى أكثر بكثير من المناورات والتضخيم والقصص الخيالية، ضد الديمقراطيين بايدن وهاريس. فهما سيطلبان منه الوقوف خلف وعوده التي أعطاها لترامب وأمراء الخليج بشأن استعداده ونيته في التوصل إلى اتفاق مع الفلسطينيين.
بقلم: حيمي شليف
هآرتس 14/8/2020