• بشكل عام المعروف عن العربي، رجلا كان أو امرأة، انه إنسان يصعب أن يعبر عن شعوره وعواطفه بطريقة علنية ومباشرة. مثل هذا السلوك أمر غير هين حتى في العلاقة مع من هم من اشد الأعزاء.
هذا السلوك ناتج عن هيمنة ثقافة تفرض التحكم في ما هو عام وخاص. يفضل الجميع كتمان الأحاسيس وعدم إظهارها حتى أمام أقرب الناس، ومن لا يعي ذلك ويجاهر بمشاعره، ينظر له باستغراب شديد أو يوصف، بالخادش للحياء العام ويصنف بالمتطاول على قيم الاخلاق والفضيلة. في كثير من الدول العربية مثل هذا الشخص يكون عرضة للوقوع تحت طائلة القانون، ناهيك عن المشاكل العائلية التي تنبثق عن ذلك، خاصة اذا كان هذا الشخص امرأة. في هذه الدول يسمح بالجهر بالحب للزعيم أو الملك المبجل فقط، من قبل الرجال قبل النساء، حتى لو كان هذا الحب مزيفا وتفوح منه رائحة الرياء.
كأي مجتمع مقيد هنالك من يبحث عن بديل ليعبر عن شعوره وعما ما يدور بوجدانه. في الحالة العربية الشعر كان دوماً الأسلوب المتاح والأمثل. لذلك فاض شعراء بالغزل في كل وقت وزمان، واشتهرت قصائد وحكايات الحب السرية والعلنية.
دوماً سيكون هنالك من يحاول تخطي عقدة عدم الافصاح عما يجول بخاطره من مشاعر ويتأمل أن يُبادل بالشعور النبيل نفسه. أمثال هؤلاء يرفضون كثيرا من التحفظات القهرية التي تلجم العواطف السامية ويعتبرونها امتدادا لعملية القمع السياسي، الاجتماعي، الثقافي والديني الممارس أصلاً. بالنسبة لهؤلاء حرية المشاعر هي جزء من الحريات الشخصية وأن من يقمعها هو نفسه من يقمع باقي الحريات ويخاف من تحرر المجتمعات من العبودية الواقعة في مختلف المجالات.
المعروف حالياً أن المجتمعات العربية مجتمعات مستهلكة لكثير من الأفلام والمسلسلات الرومانسية، التي تبدأ العلاقات فيها معظم الأحيان بمحض الصدفة، وبسرية تامة وتنتهي بعلانية جارفة. وفيها الاستحياء، عدم الجرأة، الخوف، العذاب، الدموع، الحرمان، الخيانة، الغدر، العراقيل والفروق الاجتماعية، الاقتصادية والمذهبية، جزء لا غنى عنه لكي تتكامل الرواية. بدون اشكاليات من هذا النوع لا يمكن أن يكون الانتاج الفني ممتعا للجماهير، التي تجد في التغلب على كافة المصاعب حدثا يستحق البكاء أو التصفيق. في معظم الأحيان الاندماج في روايات الحب يشكل أفضل طريقة للهروب من حياة مضنية يسودها الظلم والنزاعات الدامية.
الافلام والمسلسلات التي تركز اساساً على قصص الحب بإمكانها أن تساهم في فهم عقلية العشاق وفهم الجانب الوجداني والمجتمع الذي يتحركون فيه. وبالتحديد في فهم كل ما يتعلق بالرغبات، الغرائز، الطبائع، الآمال والأماني المدفونة في الوعي واللاوعي. من يتابع هذا النوع من الانتاج الفني يلاحظ أن العربي يحاول، رغم حدة القيود، الاحتيال على العراقيل وحبك السيناريوهات بطريقة تسمح بتقديم أفضل الحلول. ويتم قبول هذا النوع من التصرف لأن عالم الواقع عالم لا يسوده سوى العنف، التطرف، البغضاء وعدم المساواة. والمشاهد لا يريد البقاء منغمسا دوماً في مثل هذا العالم. ولا ينصح بذلك لا صحياً ولا نفسياً. في عالم مثل هذا يصعب فعلاً لقصص الغرام أن تشق طريقها بسهولة. لذا يستعان هنا بالخيال.
في أي قصة حب النهاية التعيسة دائماً أمر مرفوض، بحكم رفض العرب أصلاً للفشل العاطفي وتفضيل الخاتمة السعيدة التي تعبر عنها قبلة النهاية أو تشابك أيدي البطل والبطلة. خيالياً لا يقبل غير ذلك لان الواقع الغرامي الحقيقي معقد مثل باقي الأمور. في العادة أريح للإنسان أن يتفاعل مع قصة غرام ناجحة، حتى لو كانت خيالية، من أن يتفاعل مع وقائع يومية فاشلة ومؤلمة، لأن الأولى توسع الأفاق أمام روحه في حين أن الثانية تضرب وبشده في صميم جوارحه.
بشكل إجمالي الغرام الممتع هو المليء بالتناقضات. هذا هو أروع أنواع الغرام والمفضل عربياً. بمعنى حين تكون قصة الحب بين شخصيات متشابه تراها تفقد قوة الجاذبية. العكس يحدث حين تكون بين اطراف متنافرة ومتناحرة، أي أكثر إثارة أن يعشق الغني بنت الفقراء وليس تلك التي تنتمي للطبقة نفسها. وأن تعشق الفقيرة ابن الذوات الذي بإمكانه اخراجها من الحضيض وإدخالها عالم الأبهة. وأن يعشق الرجل المحافظ المرأة الحديثة، رغم رفضه المعلن لمظهرها ولكثير من ميولها البارزة. المؤكد هو أنه سيحاول في ما بعد تغيير اسلوب حياتها للتماشي مع علاقاته الاجتماعية. وأن يعشق الرجل الشرقي المرأة الغربية ذات الجرأة الحادة، وبعدها سيحاول أن يثبت أمامها أن العصرية ليس حكراً على أهل الغرب. طبعاً أن تعشق السيدة العربية رجلا غربيا أمر جاذب لكن غير محبذ حتى لو اعتنق هذا دينها.
فعلاً في عالم الغرام كافة الأطراف المتنافرة تحاول التقارب والتجاذب رغم كافة الاشكاليات التي تحمل في طياتها. والكل يتمنى ويعشق المستحيل حتى لو كان ينبذ سراً أو علانية كثيرا من سماته. لا شك ان الغرام العربي بالذات مثل الحرارة، لا يتولد بقوة سوى عند احتكاك القطب الموجب بالسالب. بمعنى إن لم يكن الغرام مليئا بالتعقيدات والتناقضات الدائمة، فهو ليس غراماً حقيقياً.
٭ كاتب فلسطيني
د. ناصر عبد الرحمن الفرا